نادراً ما تجد مقالة ونحوها تتحدث عن مسألة الإجازات الحديثية وطرق التلقي بالسند المتصل عبرَ منصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وفيسبوك وتيليجرام، وهذا الكتاب مِن أهم وأفضل المصادر التي تناولت هذا الموضوع على الرغم من أنه كان أول كتاب في العالم يتعرض لهذا الموضوع ويبحث فيه، وهو في الأصل رسالة ماجستير.
اضغط هنا لتحميل نسخة وورد Word
***
اضغط هنا لتحميل نسخة الماجستير المقدمة للجامعة عام 2014م [هذه نسخة خاصة بمن يبحث عن رسائل الماجستير ليتعلم منها أساليبها، ولا أنصح بها لغير هذا، لأن الجامعة ألزمتني بحذف بعض الجمل الفصيحة في اللغة العربية وباعتماد أسلوب رسمي جامعي غير جيد أحياناً، لذلك أنصح بقراءة النسخة الخاصة بالنشر والموجود رابطها في الأعلى، وهي نفسها الآتية كتابةً].
***
تاريخ نشر هذه الرسالة في الإنترنت 1/5/1435هـ الموافق 2/3/2014م
لمراسلة المؤلف أو تصحيح أخطاء هذا الكتاب:
إنَّ عِلمَ التلقّي والإسناد مِن خصائص هذه الأمة، ويجب علينا المحافظة عليه، وقد ظَهَرَتْ الشبكةُ العنكبوتيةُ بما فيها مِن منافعَ وأضرار، فأَقبَلَ عليها طلابُ الحديث بنَهَمٍ متزايد، فجاءتْ هذه الرسالةُ لِتُبَيِّـنَ الضوابطَ التي تُحدِّدُ كيفيّةَ تَعامُلِ طلاب الحديث مع وسائل التواصل الاجتماعيّ الحديثة فيما يَتَعلَّقُ بعِلم الإسناد والإجازات الحديثية.
والـمَقصودُ مِن هذه الضوابط ما يلي:
1- إثبات السماع.
2- بيان وسيلة السماع.
3- ضبط تفاصيل السماع.
4- التقيّد بضوابط التلقي مشافهةً.
5- إجازة الشيخ.
6- التقيّد بأمن المعلومات.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جَعَلَ الإسنادَ مِن الدِّين، وقَدَّرَ أن يكون خاصًّا بأُمَّةِ خاتَمِ الـمُرسَلِين، صَلَواتُ ربِّي وسلاماتُه عليه وعلى آلِه وصحبِه وتابعيهم إلى يوم الدِّين _الذين نَقَلُوا لنا الآثارَ مُسلسَلةً بالـمُحدِّثين الـمُسنِدين_ عَدَدَ الأخبارِ الـمَنقولَةِ بوسائل التواصلِ القديمةِ والحديثةِ وما سَيَخلُقُ ربُّ العالَمِين، أما بعد:
فإنّ القاعدةَ الأساسية التي قامت عليها الحضارةُ الإسلامية هي: (إنْ كنت ناقلاً فالصحة، أو مدّعياً فالدليل)، وعِلم الحديث برُمَّتِه مُتعلِّقٌ بالقسم الأول منها، وأمّا القسمُ الثاني فيَتعلَّقُ بالعلوم العقلية والتطبيقية، ولـمّا كانت الأمةُ الإسلامية تَعملُ بهذين القِسمينِ كانت عزيزةً قويةً تُصدِّر العلومَ الكونية للعالم، ومَن يَدرُسُ التاريخَ يَعلمُ بأنّ المسلمين كلّما طبّقوا هذه القاعدةَ كلّما ارتفعوا وارتَقَوا، والعكس بالعكس، ويَعلَمُ _كذلك_ بأنّ الحضارةَ الغربية عندما أَخَذَتْ بالقسم الثاني فقط وهو (أو مُدَّعياً فالدليل) نَهَضَتْ نَهْضَتها الحالية.
وأجملُ ما قرأته حول هذه الفكرة ما قاله عمر عبيد حسنة: “ولا خيارَ أمامَنا _ونحن نحاول النهوضَ مِن جديدٍ_ مِن العودة لِتَمَثّل العلومِ الأصيلة واكتسابِ المناهج التي قامتْ عليها حضارتُنا وتراثنا؛ ذلك أنّ الذين حاولوا التلفيقَ والنهوضَ بالأمة مِن الخارجِ الإسلامي أَخفَقوا وساهموا بتكريسِ التخلّفِ وتنميته؛ لأنهم أَخطؤوا المنهج، واعتبروا الحضارةَ الغربية وسيلةَ النهوضِ لكلّ تقدّم، والتاريخُ الإسلامي شاهدٌ على أنّ أيَّ نهوضٍ لم يَتحقَّق إلاّ مِن الداخل الإسلامي.
وعلى الجانب الآخر فقد يكونُ المطلوبُ اليومَ أكثرَ مِن أيّ وقتٍ مَضَى _وقد تَعاظَمتْ حركةُ الوعي الإسلامي_ أنْ نَقِفَ مع العلوم الأصلية لِنَصِلَها بواقع الحياة بعدَ أنْ أصبَحَتْ بعيدةً عن الواقع”.
وبما أنّ معرفة الداءِ أوّلُ الدواء، وانطلاقاً مِن هذا التصوّر المختَصَرِ الواضح لأصلِ أسبابِ تخلّفِ الأمة جاءتْ هذه الرسالةُ لَبِنَةً في إعادة بناء الحضارة الإسلامية في هذا الزمن.
ولْنعلمْ بأنّ المسلمين إن لم يتداركوا أنفسَهم ويبدؤوا بنهضةِ أُمَّتِهم على أسس الحضارة الإسلامية المتينة فإنّ مُعوِّقات النهوض ستزداد وصعوباتِ التدارك ستَستفحل، وهذا ما عبّر عنه أيضاً بأجمل عبارةٍ عمرُ عبيد حسنة: “إنّ التوقّفَ عندَ عملياتِ الفخر والاعتزاز بإنجازِ السَّلَفِ سوف يُشكِّلُ عبئاً ومُعَوِّقاً يَنقلِبُ إلى ضِدِّه إذا لم يُتَرجَم إلى واقعٍ يَدفع الأمةَ إلى تَرَسُّم الخطوات السابقة”.
هذا، وإنّ الثورةَ العلمية في القرن الأخير كانت ثورةً في كلِّ مجالات الحياة، حتى إنّ بعض العلوم قد ضَعُفتْ حتى انقرضت، وبعضها قَوِي حتى لكأنّه قد وُلِدَ مِن غير سابق مثال، فمثلاً: انقرَضَ التعاملُ بالحمام الزاجل لإيصالِ الرسائل بين الناس، في حين قَوِيتْ طُرُقُ التواصل بينَهم وتَعدّدتْ حتى لكأنه عِلم قد وُلد مِن غير سابق مثالٍ، فمِن أيِّ الفريقينِ عِلمُ الإجازاتِ وطُرُق التلقِّي؟
ربّما يُجيبُ البعضُ على عَجَلٍ بأنّ عِلم التلقّي والإسنادِ سيَقوى ويَنتعش، ولكنّ الجوابَ _والله أعلم_ لم يَتّضح بعدُ، فمِن الممكن أن نَشهَدَ انقراضاً لهذا العِلم في السنوات القادمة، ومن الممكن أن نَشهَدَ اهتماماً متزايداً ودخولاً لأعدادٍ هائلةٍ في هذا العِلم، لماذا؟ وما الدليل؟ الجواب سيتّضح بعد قراءة هذه الرسالةِ كاملةً إن شاء الله U.
وبعدُ ثانيةً: فعِلم الإسناد وطُرُق التلقّي مِن أهمّ مباحث المصطلح في عصرنا هذا، وهذه الرسالةُ صرخةٌ عاليةٌ للتحذير مِن ضَعْف عِلم التلقّي والإجازات، وهي _أيضاً_ دعوةٌ مِن غَيورٍ محِبٍّ لاستغلال الثورة العلمية الحديثة لتكونَ سبباً في بَعْثِ عِلمٍ تَفرَّد به المسلمون، ثم هي تذكيرٌ بالآداب الإسلاميةِ في التعامل مع وسائل الاتصال الحديث، وتحذيرٌ من أخطارها، وإظهارٌ لأوجه خَدَماتِها.
أهداف البحث:
يهدف البحث لنشر الوعي بين طلاب الحديث المعاصرين حول قضايا مبتكَرة لم يسبق لها وجود ممّا يتعلّق بالإجازات والتلقّي والإسناد وضوابطها وآدابها وطُرُق استغلالها بما يشفي الصدور إن شاء الله، ومِن هذه القضايا:
أهمية البحث:
تكمن أهمية البحث في أربع نقاط أساسية:
الثانية: تزايدُ أعداد مستخدمي طُرُقِ التواصلِ الاجتماعيِّ الحديثةِ للحصول على الإجازات، وهذا واضحٌ للجميع، بل يمكن القولُ بأنّ أعدادَهم تتزايدُ بقَفَزاتٍ متعاظِمةٍ أضعافاً مضاعَفة.
الرابعة: يجب ضبط هذه الأمور ومعرفة أحكامها وتمييز المقبول منها مِن المردود قبل أن تتسع التجاوزات فتصل إلى حدّ انهيارِ علم الإجازات وتلاشيه، وذلك بسبب توسّع بعض طلاب العِلم لقَبول كلّ سندٍ يأتي عن طريق مواقعِ التواصل الاجتماعي مِن غير أيّ اعتبارٍ لأيّ ضابطٍ، وهذا يعني سهولةَ انتشار الكذب، وبالتالي سنصل قريباً إلى رفض جميع الإجازات صحيحِها وباطِلِها؛ بسبب الطوفان الهائل للإجازات المردودة، ولن نستطيع حينئذ التمييز، ولاتَ ساعةَ مَندَم.
الدراسات السابقة:
لا يَعلَمُ الباحثُ أنه توجد دراسة سابقة تتناول هذا الموضوع، ولا حتى مقالات علمية متناثرة، حتى تاريخ نشر هذه الرسالة عبر وسائل التواصل بتاريخ 1/5/1435هـ الموافق 2/3/2014م، والله أعلم.
وعموماً فمنهجُ البحث انضَبَطَ بما يلي:
الاستشهاد بالأحاديث والآثار المقبولة، ولم يَذكر الباحثُ أيَّ حديثٍ أو أثرٍ مردودٍ.
(التخريج المفتاحي): أي: ما كان مِن الأحاديث مُخرَّجاً في الصحيحَينِ اكتفَى بهما، وما كان في أحدِهما فيُخرِّجُه منه ومِن مسند أحمد أو صحيح ابن حِبّان مِن طبعة مؤسسة الرسالة لهما؛ وذلك لأنّ العزوَ لأحدِهما يكفي مَن أرادَ التوسّعَ، كما هو معلومٌ،
الملحوظة الثالثة: قال الخطيب البغدادي(6F[1]): “وقد رأيتُ خَلقاً مِن أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث، ويَعدّون أنفسَهم من أهله المتخصِّصين بسماعه ونقْله، وهم أبعدُ الناس مما يدّعون، وأقلهم معرفةً بما إليه ينتسبون”،
ثم ذَكَرَ حادثةً بين الخليفة المأمون وبين أحد مُدَّعِي علم الحديث، وفي ختامها قال المأمون: “أحدُهم يَطلبُ الحديثَ ثلاثةَ أيامٍ، يقول: أنا صاحب حديث!”. فإذا كان هذا حالَ بعض طلاب الحديث في القرن الثالث فما حالُنا اليوم؟!
الفصل الأول: مقدمات لا بد منها
المبحث الأول: ما لا بد من معرفته قبل البدء
المطلب الأول: أهمية الإجازات والإسناد وضبط المرويات حتى في عصرنا الحالي:
سأفتتح الكلام على هذا المطلب بحادثةٍ جرتْ قبل قرابة 30 عاماً، سمعتها مسجَّلةً من الشيخ محمد عوّامة، حيث أخبر عن مجلسٍ جَمَع رئيس إحدى الدول العربية مع ثلة من العلماء، فكان ممّا طرحه الرئيس أن قال: “أيها العلماء لقد أكثرتم من قولكم: أخرجه البخاري. فما أدراكم أنه أخرجه فعلاً؟! فربما دَسَّ أحدُهم حديثاً في كتاب البخاري، ثم طبعتموه وتداولتموه ثم قلتم: أخرجه البخاري!!” (9F[2]).
ولله الحمدُ فإنه ما يزال صحيحُ البخاري مَرجِعاً موثوقاً به عند عموم المسلمين حتى في هذه الدولة، والسببُ في هذه الثقة هو الإجازاتُ والأسانيدُ المتصلةُ مِن طلاب العلم في زماننا وحتى الإمام البخاري، فإذاً ماذا سيَحصُلُ في حال انقطاعِ الإسناد والتلقي؟! الجواب: لن نستطيع إثباتَ صحة نسبة إُمّاتِ الكتب إلى مؤلِّفيها، مما سيَفتح البابَ عريضاً للتشكيك بالسُّنّة، ثم إسقاط حُجِّيتها، وهذا الخطرُ العظيم.
وإن ضبط الإجازات والإسناد لا يقتصر على إسناد كتب الحديث فقط، بل إنّ ضبط إسناد القرآن الكريم هامٌّ أيضاً، فعلى الرغم مِن أنّ القرآن الكريم منقولٌ حتى يومنا هذا بالتواتر إلاّ أنه لا بدّ من ضبط آحاد الأسانيد أيضاً، وإلاّ بدأ الخطأُ يتسلّل إلى القرآن الكريم، نَعَم، إنّ الله سيحفظه ولكنْ علينا اتّخاذُ الأسباب الكفيلة بهذا الحفظ، فإنْ لم نتخذ هذه الأسبابَ فإنّ الله سيحاسبنا على تقصيرنا وسيَحفظُ القرآنَ قطعاً، وكي لا يَستغرب ويَستنكر القارئُ الكريم هذه الفكرةَ حولَ أهميةِ ضبط أسانيد القرآن الكريم أرجو مشاهدةَ الرابط في الحاشية حيث يَظهَرُ فيه بشكلٍ واضح كيف أنّ أحد كبار علماء القرآن الكريم في العالم الإسلامي قد تَجاوزَ الإسنادَ والتلقّي في مسألةٍ مِن المسائل المنقولة بالتلقّي والإسناد، حتّى تأثّر بكلامه وتابعه بعضُ كبار قرّاء العالم الإسلامي، ومنهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والشيخ محمود الحصري والشيخ محمود علي البنّا والشيخ مصطفى إسماعيل رحمهم الله، ثمّ بعد هذا كلّه جاء د. أيمن رشدي سويد ليُظهِر حقيقةَ هذا التجاوز للإسناد والتلقّي، ويَقبل كلامَه سائرُ علماءِ القرآن في العالم الإسلامي، فلولا الإسنادُ والتلقّي لكان هذا الانحرافُ قد تسلّل للقرآن الكريم(11F[3])، فكيف سيكون الحالُ فيما يتعلّق بالإسناد والتلقّي في كتب الحديث الشريف؟!
هذا، وقد حذّرَنا رسولُ الله r وحذّرَ المسلمين في آخر الزمان من قَبول كلام مَن يُحدِّثنا بما لم نسمعه نحن ولا آباؤنا، وكيف نعرف ما سَمِعَه آباؤنا إلاّ بالنَّقْل الصحيح عنهم، وهم سَمِعُوه من آبائهم، وهكذا؟! قال رسول الله r: “سيكون في آخر أمّتي أناسٌ يُحدِّثونكم ما لم تَسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيّاكم وإياهم”(12F[4]). وفي روايةٍ: “يكونُ في آخر الزمان دَجَّالون كذّابون، يأتونكم مِن الأحاديث بما لم تَسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإيّاكم وإيّاهم، لا يُضِلّونكم ولا يَفتنونكم”(13F[5]).
بل لقد حَذّرَنا النبيُّ r مِن أنه سيأتي زمانٌ يَتَمثّل فيه الشياطينُ بهيئة المحدِّثين، فيُحدِّثون الناسَ بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، فيَنشرُ مَن سَمِعهم هذه الأحاديثَ(14F[6])، قال عبد الله بن عمرو t: “إنّ في البحر شياطينَ مسجونةً أوثَقَها سليمانُ، يُوشِكُ أن تَخرجَ فتقرأَ على الناس قُرآناً”(15F[7]). وقال عبد الله بن مسعود t: “إنّ الشيطان ليَتَمثّل في صورة الرَّجل، فيأتي القومَ، فيُحدِّثهم بالحديث مِن الكذب، فيَتفرّقون، فيقولُ الرَّجلُ منهم: سمعتُ رجلاً أعرفُ وجهَه ولا أدري ما اسمُه يُحدِّث”(16F[8]).
والآن _وبعدَ هذه المقدمة المختصَرة التي تَجزمُ بأهمية الإسناد في عصرنا الحالي_ أسردُ بعضَ النقول لأئمة الإسلام:
المطلب الثاني: مراحل نشوء علم الإسناد والتلقي والإجازات:
لقد أَمَرَ النبيُّ r الأمةَ بالإسناد والرواية فقال: “ألا فليُبَلِّغ الشاهدُ منكم الغائبَ”(20F[12])، فحَمَلَ الصحابةُ الكرامُ هذا المنهجَ بكلِّ أمانةٍ وإتقان، فبلّغوا مَن بعدَهم بكل قولٍ أو فعل أو تقريرٍ للنبي r، ثم ما يزال عِلمُ الحديث يَنتقل من طَوْر إلى طور حتى بلغ طور ما يمكن أن أسميه (مرحلة ثورة الإنترنت)، وكي تتضح الصورةُ سأسردُ باختصارٍ المراحلَ التي مرّ بها عِلمُ الإسناد والتلقي والإجازات(21F[13])، ثم أتكلم عن المرحلة الحالية.
المرحلة الأولى: بعد وفاة النبي r حتى مقتل عثمان بن عفان t سنة 35 هـ: وتتميّز هذه المرحلة بصفائها وبعدها عن أسباب الخطأ في الرواية؛ وذلك بسبب شدّة الاحتياط في التبليغ للسُّنة، وقوة الحافظة، وعدم ظهور الفتن، وكان تدوين الحديث في هذه المرحلة قليلاً، وكان بغرض الإعانة على الحفظ في الصدور فقط.
المرحلة الثانية: من مقتل عثمان t سنة 35 هـ حتى انتهاء جيل الصحابة بموت أغلبهم سنة 80 هـ: في هذه المرحلة ظهرت المطالبة بالإسناد بقوّة(22F[14])، وبدأت تتّضح علوم الجرح والتعديل والإسناد وعلله؛ وذلك بسبب انتشار الفتن وظهور الفِرَق الإسلامية مع فَقْد الصحابة الكرام أو انتشارهم في آفاق العالم الإسلامي، ولم يَزَل التدوين في هذه المرحلة قليلاً؛ للاستغناء عنه بحفظ الصدور.
المرحلة الثالثة: مِن سنة 80 هـ حتى سنة 140 هـ، وهو عصر التابعين حتى وفاة أغلبهم: في هذه المرحلة زادت الأخطار على علوم الحديث، فواجه العلماء كلَّ خطرٍ بما يناسبه، فمثلاً:
خطر ضياع الأحاديث ونسيانها وعدم ضبطها: واجهه العلماء بالبدء بتدوين الحديث، فزادوا ضَبْطَ الكتاب مع ضبط الصدر.
خطر انتشار حَمَلَة الأحاديث في أصقاع العالم الإسلامي: واجهه العلماء بانتشار الرحلة في طلب الحديث.
خطر انتشار الكذب والكَذَبَة وخاصة في البلدان النائية عن مراكز العلم والعلماء: واجهه العلماء بجملةٍ من قواعد ضبط الرواية وصفاتِ الراوي، ومنها: التشديد في طلب الإسناد، تضعيف الإسناد المقطوع سواءٌ كان مرسلاً أم منقطعاً، الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً مع وضع قواعد للتمييز بين الرواة العدول والرواة المجروحين، زيادة التحرّي عن عدالة الراوي أو فسقه حتى فيما لا يتعلق برواية الحديث مباشرة.
خطر انتشار الروايات المتناقضة: واجهه العلماء بجملةٍ من قواعد النقل وضبط المرويات، ومنها: ابتداع الإعجام، تصحيح الكتاب من خلال معارضة المكتوب على أصله، قراءة ما كُتبَ عن الشيخ عليه، التأكيد على المتابعات، كراهية غريب الحديث، تأصيل قواعد نَقْد المتن وعدم الاهتمام بنقد السند فقط.
المرحلة الرابعة: مِن سنة 140 هـ حتى 200 هـ، وهي مرحلة أتباع التابعين: وفي هذه المرحلة قويت جميع الأخطار السابقة، وبالتالي اشتدّتْ جهود العلماء في مواجهتها، فمثلاً: كان الاعتماد على ضبط الصدر مع الترغيب بضبط الكتاب، ولكن في هذه المرحلة صار الاعتماد على ضبط الكتاب أهمَّ بكثير من ضبط الصدر، بل إنّ الترجيح حتى بين كبار أئمة الضبط والرواية وأمراء المؤمنين في الحديث فيما بينهم كان بضبط الكتاب، فمَن كَتَبَ مقدَّمٌ على مَن لم يكتبْ ولو كان شعبة(23F[15])، لذلك انتشرت مجالس الإملاء منذ هذه المرحلة.
وأيضاً فقد اكتملت قواعد الجرح والتعديل وعلوم نَقْد الأسانيد والمرويات، وبلغتْ العناية بها غايتها، حتى إنها صارتْ مقدَّمة على الاهتمام بالرواية نفسها!!(24F[16])
المرحلة الخامسة: مِن 200 هـ حتى 300 هـ، وهي القرن الهجري الثالث: لقد بلغ علم الرواية والمرويات في هذا القرن القمّةَ العليا، التي لا يمكن أن يُزادَ على منهجها في النقل والنقد، وفي هذه المرحلة أُلِّفتْ الكتب الستة ومسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وسائر كتب الحديث الأمّات، وتتميز هذه المرحلة بعدم الخوف من ضياع السُّنة، والتأكيد على المحافظة عليها ونشر الصحيح منها، مع العناية بترتيبها بحسب الغاية منها، فمثلاً جَمَعَ الإمام أبو داود السجستاني سُننه مرتَّبةً على أبواب الفقه تيسيراً للفقهاء المستنبطين للأحكام الشرعية.
المرحلة السادسة: من 300 هـ حتى عصرنا هذا: في بداية هذه المرحلة انتهتْ الروايات الشفهية، وانتهت مرحلة تدوين الكتب، وانتهتْ المرحلة التي اكتملتْ فيها علوم المصطلح والجرح والتعديل وأنواع التلقي والرواية وغيرها، وبدأ الزمن الذي لا يروي فيه الراوي إلاّ المروياتِ الموجودةَ في الكتب، ولم يَعُد يُسمَح لأيّ راوٍ أن يَدّعي وجودَ روايةٍ شفهيّةٍ لديه غير مكتوبة في أحد كتب الحديث، وهذه نقطةٌ هامةٌ ومرحلةٌ مِفصلية، ثم استمرّتْ هذه المرحلة حتى عصرنا الحالي، وهذا يعني أنه منذ عام 300 هـ تقريباً حتى الآن وعلومُ الحديث في مرحلة الهبوط والتراجع عموماً، وهذا واضحٌ لمن يقرأ تراجم الرواة وسِيَرَهم عبرَ العصور المتلاحقة.
ملحوظة هامة حول هذه المرحلة: يظنّ البعض بأنّ عِلمَ الحديث نَضَجَ واحترَقَ، وأنه لا فائدة من التصنيف والكتابة والإبداع في هذا العلم، وهذا الفهم خاطئ بيقين، ومِن الأدلة الواضحة على خطئه أننا نرى في كلِّ عصرٍ أعداداً هائلة مِن المؤلَّفات البالغة الأهمية في علم الحديث والرواية ممّا تحتاجه الأمة، وثمّة عملٌ بالغُ الأهمية ممّا تحتاجه الأمّةُ كلُّها حاجةً عظيمة وخاصةً في عصرنا، ومع هذا لم يَتحقّقْ إلى الآن، ولا يبدو أنه سيتحقّق في السنوات القريبة، وهو ما حَلُم بتحقيقه كثيرٌ مِن العلماء، وما تزال الصَّرَخاتُ تتعالى للبدءِ به، وهو: (جَمعُ السُّنّة النبوية في كتابٍ واحدٍ، أي: كتابٌ يَضمُّ جميعَ الأحاديث القدسيّة والمرفوعة والموقوفة والمقطوعة، مع تمييز الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، مع التخريج الكامل لكلِّ خبرٍ، وحكم العلماء عليه)، علماً بأنّ تحقيق هذا الحلم يحتاج عشرات الخطوات التمهيدية مع العمل الدؤوب من قِبَل علماء متخصصين بعلوم الحديث والمكتبات والمطبوعات والمخطوطات(25F[17]).
ملحوظة ثانية حول هذه المرحلة: إنّ قولنا بأننا في مرحلة الهبوط لا يعني تركَ العمل والابتعادَ عن علم الحديث والإجازات، بل على العكس تماماً، فإنه يعني أن نهتمّ به أكثر، وما أجملَ كلامَ الإمام ابن حبان المتوفّى سنة 354 هـ عندما قال: “ولم يكنْ هذا العِلم في زمانٍ قطُّ تَعلُّمُه أَوجَب منه في زماننا هذا؛ لذهابِ مَن كان يُحسِن هذا الشأن، وقلَّة اشتغال طلبة العلم به”(26F[18]).
المرحلة السابعة: مرحلة ثورة الإنترنت، والتي بدأتْ منذ بضعة أعوامٍ فقط وستَستمرُّ إلى ما شاء الله: وهذه المرحلة بالغة الأهمية؛ لأنها طارئةٌ مِن غير مَثِيلٍ سابق، ولأنها تجاوزتْ كلَّ الحدود الزمانية والمكانية(27F[19]) الواردة في عِلم التلقّي والإجازات، ولأنه كَثُر في هذا الزمن أدعياء العلم ممّن سيَهدمون عِلم الإجازات والتلقي إنْ تركنا لهم ساحةَ الإنترنت ليقودوها بلا ضوابطَ ولا قواعدَ ولا اصطلاحاتِ علماءِ هذا الفن السابقِين، وأجملُ ما قرأته لتوضيح هذه الفكرة ما قاله الشريف حاتم العَوْني: “إنّ العِلم المكتملَ القواعد والأصول المقرَّرَ بألفاظٍ وتعابيرَ اصطلاحيّة لا يَحِقُّ لأحد أن يحاول تأصيلَ غير ما اكتمل مِن قواعده، ولا أن يُقَرِّرَه بغير اصطلاحاته التي تَقرَّرَ عليها؛ لأن في فِعلِ شيءٍ من هذين الأمرين إضاعةً لذلك العِلم وتدميراً له(28F[20])!!!”، ثم قال: “وأنّ هؤلاء المتأخرين إذا خالفَ أحدُهم في معنى مصطلحٍ مِن مصطلحاتهم قُضِيَ عليه بالخطأ لمجرّد أنه خالفهم”(29F[21]).
وثمة موضوعٌ ثانٍ أكثر أهميةً يَتعلَّق بهذه المرحلة، فقد رأينا أنّ جميع المراحل كانتْ تَطوّراتُها ونضوجُها نابعاً من الردّ على أخطارٍ نشأتْ في كلّ مرحلة، وهذا ينطبق أيضاً على هذه المرحلة السابعة، ولكنّ الموضوع الثاني الذي أريدُ التنبيه عليه الآن هو أنّ هذه المرحلة فيها شيءٌ جديد لم يَسبق له مثيل، وهو أنه على علماء الحديث في هذا العصر أن لا يكتفوا بعلاج المشكلة، بل أن يستفيدوا من هذه الثورة الهائلة العلمية في مجال إحياء علوم الحديث، وحثِّ الأمة على العودة إلى عِزّها ومجدها، ولن أتعرّض الآن للكيفية والسبيل؛ لأنه خارجَ مجال بحثنا ويحتاج دراسةً مستقلة مطوَّلة، ولكني سأقول: هل سنرى قريباً بأنّ علماء الحديث قد استغلّوا هذه الثورةَ في الإنترنت خيرَ استغلال؟ فازدهرَ عِلمُ الحديث ازدهاراً لا مثيل له منذ أكثر مِن ألف عام، فبعد أن كانت المرحلة السادسةُ مرحلةَ ضعفٍ وتقهقرٍ جاءتْ المرحلة السابعة لِتُعِيدَ للحديث عِزّه ومجدَه، وتَصعدَ به إلى القِمّة التي كان عليها في المرحلة الخامسة، ليس هذا على الله ببعيد، وخاصةً أن أسبابه سهلةٌ ميسورة، ولكنها تحتاج إلى التخطيط والعمل الممنهج، وما هذه الرسالةُ إلاّ لبنة في هذه المرحلة المباركة إن شاء الله تعالى، وما ذلك على الله بعزيز.
المطلب الرابع: المواقع الهامة في مجال أمن المعلومات:
هذا المطلب هامّ؛ لأنه ينبغي على القارئ الكريم عندما يقرأ المباحث القادمة أنْ تكون فكرة أمن المعلومات وطُرقِ الاحتيال ووسائلِ الحماية واضحةً ناصعةً في ذهنه، فهذه أجدر طريقةٍ لتَصوّر المسائل القادمة مِن كلِّ حيثياتها، وبالتالي الحكم عليها حكماً صحيحاً بإذن الله U.
وفي هذا المطلب يكفي ذِكرُ موقعٍ واحدٍ، فهو الأهمّ والأوسع، والله أعلم، ولا يَخفَى أنه ثمة عشرات بل مئات المواقع العربية المختصَّةِ بأمن المعلومات، ولكنْ لن تُذكَرَ هنا؛ لأنه ثمة بعض مواقع أمن المعلومات التي مهمتها اختراق حاسبك وحساباتك، وثمة بعض مواقع الحماية مِن برامج التجسس وهي في الحقيقة تَتجسّس عليك، وإنّ اكتشاف حقيقة هذه المواقع يحتاج عِلماً وفطنةً لا تقلّ عمّا يحتاجه اكتشافُ علّةٍ خفيَّةٍ لحديثٍ ظاهرُه الصحةُ وحقيقتُه البطلان.
وهذا ما كان العلماء يعالجونه بالعلم والحكمة، وينبغي علينا اليوم أن نعالجه أيضاً ونطوِّر أساليب المعالجة كما طوَّر المفسِدونَ أساليبَ إفسادهم، فسابقاً كان بعضُ الوضّاعينَ للحديث يَدُسّون الأحاديث الموضوعة في كتب الثقات أو يُلَقِّنونهم إياها، فمثلاً: قال ابن حِبّان في ترجمة عبد الله بن صالح الـجُهَنِي المصري: “منكَرُ الحديثِ جدًّا، يَروِي عن الأثباتِ ما لا يُشبِه حديثَ الثقاتِ، وعندَه المناكيرُ الكثيرةُ عن أقوامٍ مشاهيرَ أئمّةٍ، وكان في نفسِه صدوقاً، يَكتبُ للّيثِ بن سعدٍ الحسابَ، وكان كاتبَه على الغَلاّتِ، وإنما وَقَعَ المناكيرُ في حديثة مِن قِبَلِ جارٍ له رَجُلٍ سُوْءٍ، سَمِعتُ ابنَ خُزَيْـمةَ يقول: كان له جارٌ بينَه وبينَه عداوةٌ، فكان يَضَعُ الحديثَ على شيخِ عبدِ الله بنِ صالحٍ، ويَكتُبُ في قِرطاسٍ بِـخَطٍّ يُشبِه خَطَّ عبدِ الله بنِ صالحٍ، ويَطرَحُ في دارِه في وسط كُتُبِه، فيَجدُه عبدُ الله، فيُحدِّث به، فيتوهم أنه خَطُّه وسماعُه، فمِن ناحيتِه وَقَعَ المناكيرُ في أخباره”(30F[22]).
وفي مجالِ أمنِ المعلوماتِ أنصح بقراءة محتوَى هذا الموقع، أو على الأقلّ استعراض مواضيعه وعناوين المنشورات: موقع (المجد نحو وعي أمني)(31F[23])، وهو مُوَجَّةٌ للشعب الفِلَسطيني خصوصاً، ولكنْ يُمكنُنا الاستفادة منه كثيراً، بل إنه يَكفي وحدَه لِفهْمِ ما يَتَعَلَّق بأمن المعلومات وطُرُق التعامل مع وسائل التواصل الإلكترونية.
المبحث الثاني: ما لا بدّ من استحضاره أثناء البحث
المطلب الأول: نور العلم وأهمية اللقاء الحقيقي:
ثمة فرقٌ بين حفظ المعلومات واستحضارها وبين ما يمكن أن يُسمَّى (نور هذه المعلومات) أو (بركة هذه المعلومات)، وهذا النور أو البركة أمرٌ معنويٌّ؛ لذلك فإنه لا يمكن التدليل عليه بالأدلة الملموسة، وإنما يمكن التدليل عليه بثلاثة طُرُق:
الطريق الأول: التجربة الشخصية: فكلُّ واحدٍ منّا _طلاّبَ العِلم_ يَشعُرُ بفرقٍ شاسعٍ بين ما قرأه على شيخٍ مشافهةً وبين ما قرأه من كتاب، ومِن أجمل ما قرأته حول هذا ما قاله الإمام الشَّاطِبي: “وإذا ثَبَتَ أنه لا بُدّ مِن أخذِ العلم عن أهله فلذلك طريقان: أحدُهما المشافهةُ، وهي أَنفعُ الطريقينِ وأسلَمُهما؛ لِخاصِّيّةٍ جَعَلَها الله تعالى بين الـمُعلِّم والـمُتعلِّم، يَشهدُها كلُّ مَن زاول العلمَ والعلماء”، ثم قال عن سبب حصول الفَهْمِ بالمشافهة: “وقد يَحْصُلُ بأمرٍ غيرِ معتاد، ولكنْ بأمرٍ يَهبُه الله للمتعلِّم عندَ مُثُوله بين يدي المعلِّم ظاهِرَ الفقرِ بادِيَ الحاجةِ إلى ما يُلْقَى إليه، وهذا ليس يُنْكَرُ”، ثم قال عن نور العِلم: “يُفتَحُ للمتعلِّم بين أيديهم [أي: العلماء] ما لا يُفتَحُ له دونَهم، ويَبقَى ذلك النورُ لهم”، حتى قال: “والكُتُبُ وحدَها لا تُفيدُ الطالبَ منها شيئاً دُونَ فَتْحِ العلماء، وهو مُشاهَدٌ معتاد”(32F[24]).
الطريق الثاني: منافعُ ونتائجُ نورِ العلم وبركتِه: ليس العِلمُ كميةً من المعلومات فقط، فالمعلومات إنْ كانت معلوماتٍ محفوظةً فقط فلا نَفْعَ بها، وإذا كانتْ معلوماتٍ محفوظةً مع نورِها فهي التي تنفع صاحبها وتَهديه سبيلَ الرَّشاد، سُئِلَ الإمامُ أيوب بن كَيْسان السَّخْتِياني الـمُتَوفَّى 131هـ: “العِلْم اليومَ أكثَرُ أم أقلّ؟” فأجاب: “الكلامُ اليومَ أكثر! والعلمُ كان قبلَ اليوم أكثر”(33F[25]).
الطريق الثالث: كلامُ العلماءِ الذي يُبَيّنُ أهميةَ نورِ العلمِ، والفرقَ بينَ السماع بالتلقّي وبينَ القراءةِ بدون تَلَقٍّ:
قال الإمام أبو بكر بن أبي شيبة: “مَن لم يَكتب عشرين ألف حديثٍ إملاءً لم يُعَدَّ صاحبَ حديث”(34F[26])، وثمة نصوصٌ كثيرةٌ تدلّ على هذا المعنى، ولْندقّق على كلمة “إملاءً” فهي حالٌ، والقاعدة اللغوية تقول: (الأحوالُ شروطٌ؛ لكونِها مُقَيِّدةً كالشَّرْطِ)(35F[27])، إي: إنك لن تكون صاحبَ حديث حتى تكتب بيدك وأنت تجلس بين يدي الشيوخ 20.000 حديث، ومُقتَضَى هذا الشرط _بحسب قواعد اللغة العربية(36F[28])_ أنك إن كتبت بيدك نَسْخاً مِن كتاب غيرك فلن تكون صاحب حديث، فما الفرقُ بين الكتابة أمام الشيخ وبين الكتابة بدون حضور مجلس الشيخ طالماً أن المعلومات قد صارت عندك؟ هذا الفارق هو نور المعلومات أو بركة المعلومات وهو شرطٌ أساسٌ لتصبح صاحب حديث.
قال الإمام مالك: “العِلمُ والحِكمةُ نورٌ يَهدي الله به مَن يشاء، وليس بكثرةِ المسائل”(37F[29]). وفي روايةٍ: “ليس العِلم بكثرة الرواية، إنما العلمُ نورٌ يضعه الله عزّ وجل في القلوب”(38F[30]).
قال الإمام الشافعي:
شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي … فأرشـــَــــدني إلى تركِ المعاصِي
وقال: اعلمْ بأنّ العِلمَ نورٌ … ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصِي(39F[31])
قال ابن رُشْد الأندلسي: “النورُ الذي يَضَعُه اللهُ في القلوب هو الفهمُ الذي به تَستبينُ المعاني، فيَتفَقَّه فيما حَمَلَ، فشَبَّه [أي: الإمامُ مالكٌ] ذلك بالنورِ، وهو الضياءُ الذي به يَنكَشِفُ الظّلامُ، فمَن لم يَكُنْ معه ذلك النورُ فهو بمنزلةِ الحِمارِ _فيما حَـمَلَ مِن كثرةِ الرواياتِ_ يَـحْمِلُ أسفاراً، فمَن أرادَ اللهُ به خيراً أعطاه مِن ذلك النور”(40F[32]).
قال عبد الفتاح أبو غدة: “وإنّما كان حِرصُهم على السَّماع كلَّ الحِرص لأن قراءة الكتب أو سماعَ الأشرطة المسجَّلة اليومَ مِن غير مُعلِّم أو مُوقِّفٍ لا تُعطي المعرفةَ الصحيحةَ الكاملة، ولا تُفيدُ العلمَ النَّقِيَّ المضبوطَ القويم، فهي مُعِينةٌ لا مُعَلِّمة، ومذكِّرة لا مُقَوِّمة، ولهذا قالوا: (مَن كان شيخُه الكتابَ كان خطؤه أكثَرَ مِن الصواب)؛ لأن التلقي من الكتب تَسُودُ فيه المتابعة، ومِن أجل هذا كانوا يُنبّهون على الكتاب الذي تلقَّوه بالسماع والكتاب الذي ليس لهم به سماع؛ لكبير المفارقة بين الحالين جداً(41F[33])، فهذا الحاكم أبو عبد الله النَّيسابوري _رحمه الله_ يقول عن كتاب الغريب للنضر بن شُمَيل: هو عندنا بلا سماع. فانظر كيف ذَكَر اسم الكتاب، وذَكَرَ معه أنه حازه ولكن بدون سماع من شيوخه إلى المؤلف، وهذا يُشعِرُ بأهمية السماع جداً. هذا إلى جانب حرمان كسب القدوة الحسنة الصالحة بالـمُشامَّةِ(42F[34]) والمجالسة والمذاكرة والمشاهدة التي تُجَسِّم الفضائل، وتَغرِسُ التأسِّيَ بها وتُحَبِّبه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب، 21]. فشأنُ (السماع) عندهم شأنٌ عظيم، وله لديهم موقعٌ جسيمٌ، فلذا حَرَصوا عليه كلَّ الحرص”(43F[35]).
عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله r قال: “إنّ الله لا يَقْبِضُ العلمَ انتزاعاً يَنتزعُه من الناس، ولكنْ يَقبِضُ العلمَ بقبضِ العلماء”(44F[36]). فلو تَتبّعنا جميع روايات الحديث وما في معناه لوجدنا أن النبي r رَبَطَ وجودَ العِلم بوجود العلماء ورَفْعَه بموت العلماء، ولم يَتَعرَّض أبداً لوجود الكتب المقروءة أو الصحف المكتوبة، بل إننا نشاهد أنّ طباعة الكتب وانتشارها وحفظها ورقيّاً أو إلكترونياً قد زاد بشكلٍ مَهُوْل، ومع هذا فإننا نَلْمَس نَقْصَ العلم وقلَّة بركته ونوره، وربما يكون أهمّ سبب هو قلّة اعتماد التلقّي المباشر الحقيقي ونُدْرَة قراءة الكتب مشافهةً على العلماء.
ملحوظة: بالنسبة للتلقّي كلّما عظمت المشقة زاد نور العلم، وهذه القصة توضِّح هذا: قال الإمام الذَّهبي في ترجمة مُسنِد الآفاق أبي الوقت (ت: 553هـ)(45F[37]) ابنِ المحدِّثِ عيسى بن شُعَيب السِّجْزِي المالِينِي: “انتهى إليه عُلُوُّ الإسناد، على سَمْتِ السَّلَف، قال يوسف بن أحمد الشيرازي(46F[38]) في (أربعين البلدان) له: لما رحلتُ إلى شيخنا رحلة الدنيا ومُسنِد العصر أبي الوقت، قدّرَ الله لي الوصولَ إليه في آخر بلاد كِرْمان، فسلّمت عليه، وجلست بين يديه، فقال لي: ما أَقدمَكَ هذه البلاد؟ قلت: كان قصدي إليك، ومُعَوَّلي بعدَ الله عليك، وقد كتبتُ ما وَقَعَ إلي من حديثك بقلمي، وسَعَيْتُ إليك بقدمي، لأدرِك بركةَ أنفاسك(47F[39])، وأحظى بعلوِّ إسنادِك(48F[40]). فقال: وَفَّقَكَ الله وإيّانا لمرضاته، وجَعَل سعينا له، وقَصْدَنا إليه، لو كنتَ عَرَفْتني حَقَّ مَعرفتي لما سَلَّمْت عليّ، ولا جلستَ بين يديّ. ثم بكى بكاءً طويلاً، وأبكى مَن حضره، ثم قال: اللهمّ استُرنا بستْرِك الجميل، واجعلْ تحت السِّتْر ما ترضى به عنا. يا ولدي! تَعلَمُ أني رحلتُ أيضاً لسماع (الصحيح) ماشياً مع والدي مِن هَرَاة إلى الدّاوُودِيِّ ببُوْشَنْج، ولي مِن العُمُرِ دونَ عَشْرِ سنين، فكان والدي يَضَعُ على يَدَيَّ حَجَرَيْنِ(49F[41]) ويقول: احملهما. فكنتُ مِن خوفِه أحفظهما بيدَيّ، وأمشي وهو يتأمّلني، فإذا رآني قد عَيِيتُ أمَرَني أن أُلقيَ حجراً واحداً، فأُلقي، ويَخِفُّ عني، فأمشي إلى أن يَتبيّنَ له تَعَبي، فيقول لي: هل عَيِيتَ؟ فأَخافه وأقول: لا. فيقول: لِمَ تُقَصِّرُ في المشي؟! فأُسرع بين يدَيه ساعةً، ثم أَعجِزُ، فيأخُذُ الحَجَرَ الآخَرَ فيُلقِيه، فأمشي حتى أَعطَبَ، فحينئذ كان يأخذني ويَحمِلُني. وكنا نَلتَقِي جماعةَ الفلاحين وغيرَهم، فيقولون: يا شيخ عيسى! ادفَعْ إلينا هذا الطفلَ نُركِبُه وإيّاك إلى بُوْشَنْج. فيقول: مَعاذ الله أنْ نَركَبَ في طَلَبِ أحاديثِ رسول الله r (50F[42])، بل نمشي، وإذا عَجَزَ أَركبتُه على رأسي إجلالاً لحديث النبيّ r ورجاءَ ثوابِه. فكان ثمرةُ ذلك مِن حُسْنِ نيَّتِه أني انتَفَعتُ(51F[43]) بسماع هذا الكتاب وغيره”(52F[44])ا.هـ.
المطلب الثاني: سبب توسّع العلماء بالإجازة تمكّنُ طلاب الحديث عِلماً وضبطاً:
اهتمّ علماء الحديث بكون الطالب ملمًّا بالعلوم الشرعية اللازمة لفهم الأحاديث الشريفة ونقلها مضبوطةً، وسأسرد بدايةً طائفةً من النقول التي تدلنا على هذا الاهتمام(53F[45]) حتى فيما يتعلّق بالتحديث سماعاً، فما حال الإجازة؟!:
التأكيد على حفظ القرآن الكريم قبل البدء بطلب الحديث: كان يحيى بن يَمان(54F[46]) إذا جاءه غلامٌ أمردُ استقرأه رأسَ سبعين مِن الأعراف، ورأسَ سبعين من يوسف، وأول الحديث، فإن قرأه حدَّثَه، وإلاّ لم يُحدِّثه(55F[47]).
منع وضعِ العِلم في غير أهله: قال عبد الله بن مسعود t: “أَكثِروا العِلمَ، ولا تَضَعُوه في غيرِ أهلِه”(56F[48]).
التأكيد على اللغة العربية وضبط الكلمات: جاء رجلٌ إلى إبراهيم النخعي فقال: أها هنا أبا عمران؟ فأخطأ ولَحَنَ بقوله (أبا)، فلم يُجبه إبراهيم ولم يأذن له، فأعاد الرجل قائلاً: أها هنا أبي عمران؟ فأخطأ ولَحَنَ أيضاً بقوله (أبي)، فلم يأذن له إبراهيم حتى يُصحِّح خطأه فقال له: قُلْ (أبو) وادخُل (57F[49]).
الامتناع عن التحديث لغير طلاب العلم: أخرج الخطيب البغدادي هذه النصوص(58F[50]): قال شعبة: “رآني الأعمش وأنا أحدِّث قوماً، فقال: ويحك يا شعبة! تُعلِّقُ اللؤلؤ في أعناق الخنازير؟!”. وقال مالك بن أنس: “مِن إهانة العِلم أن تحدِّث كلَّ مَن سألك”.
التقليل مِن رواية النصوص حتى تُفهَم: أخرج الخطيب البغدادي النصوص التالية(59F[51]): قال خالد الحَذّاء: “كنا نأتي أبا قِلابة، فإذا حدّثنا بثلاثة أحاديث قال: قد أكثرتُ”. وقال شعبة: “اختلفتُ إلى عمرو بن دينار خمسمائة مرة، وما سمعت منه إلاّ مائة حديث، في كلّ خمسةِ مجالسَ حديثٌ”. وقال عبد الله بن داود: “كنتُ آتي الأعمش فرسخاً، ولم أسمع منه في مجلس قطُّ أربعةَ أحاديث إلاّ مرّة واحدة”.
قال د. صالح أحمد العلي رئيس المجمع العلمي العراقي: “المِعيار الأساسيُّ لصحة العلمِ هو كفايةُ الراوي وأمانتُه” (60F[52]).
حكم ضبط الحديث وغيره: مَن يقرأ أحكامَ ضَبْطِ الحديث وكيفيّتَه وآدابَه يَعلَمُ أنّ مَن يَضبِطُ الحديثَ لا بدّ أن يكون عالِماً أو نحوَه، وخاصّةً أنّ بعضَ العلماء قالوا بوجوب هذا الضَّبْطِ، قال الإمام السَّخاويُّ عن حكم ضبط الحديث وغيره: “ويَنبغي استحباباً مُتأَكِّداً، بل عبارةُ ابن خَلاّد(61F[53]) وعياض(62F[54]) تقتضي الوجوبَ، وبه صَرَّحَ الماورديُّ لكنْ في حقّ مَن حَفِظَ العِلمَ بالخطِّ لطالب العِلم”(63F[55]).
المطلب الثالث: الحرص على تقوية الإجازة ونوع التلقي:
معلومٌ أنّ علماء الحديث حريصون على تقوية نوع التلقّي عن المحدِّث، فإن استطاعوا سماع الحديث مِن المحدِّث لا يَنزلون إلى الإجازة به، وكذلك يَحرصون بقوّةٍ على طلب الإسناد العالي، فكلّما علا الإسنادُ قلّ احتمالُ الخطأ، وقد اختلفوا في اعتبار العلوّ: فبعضُهم يَعتبرها بحسب عدد رجال السَّنَد: فمَن كان عنده حديثٌ ثلاثيٌّ أقوى وأعلى إسناداً ممّن عنده هذا الحديثُ رباعيًّا، وبعضُهم يَعتبرها بحسب ضَبْطِ الرواة: فالرباعيُّ مِن أئمة الضبط أعلى مِن الثلاثي مِن غيرهم، وبعضُهم يَعتبرها بحسب الإمامة في العِلم: فالخماسيُّ مِن أئمة الفقه أعلى مِن الثلاثي مِن سائر المحدِّثين، وهكذا، ولا يُفيدُنا هنا تفصيل هذا، ولكنْ لا بدّ لنا مِن استحضار حرصِهم على تقوية الإجازة ونوع التلقّي:
أخرجَ الخطيب البغدادي الآثار التالية(64F[56]): قال محمد بن أسلم الطُّوسي(65F[57]): “قُربُ الإسناد قُربةٌ إلى الله U”. قال الإمام أحمد ابن حنبل: “طَلَبُ إسناد العلوِّ مِن السُّنّة”. وسُئِلَ عن الرَّجلِ يَطلبُ الإسناد العالي، فأجاب: “طَلَبُ الإسناد العالي سُنَّةٌ عمّن سَلَفَ”. قال عليّ بن المديني: “النزول شُؤم”.
قال أبو العالية رُفَيْعُ بن مِهْران الرِّياحي: “كنا نَسمَعُ الروايةَ عن أصحاب رسول الله r ونحن بالبصرة، فما نرضى حتى نركبَ إلى المدينة فنَسمَعَها مِن أفواههم”(66F[58]).
قال جابر بن عبد الله t: “بَلَغَني حديثٌ عن رجلٍ سَمِعَه مِن رسول الله r، فاشتريتُ بعيراً، ثم شَدَدتُ عليه رَحلي، فسِرتُ إليه شهراً، حتى قَدِمْتُ عليه الشام، فإذا عبدُ الله بن أُنَيْس، فقلت للبواب: قل له: جابرٌ على الباب. فقال: ابنُ عبدِ الله؟ قلت: نعم. فخرج يَطَأُ ثوبَه، فاعتنقني، واعتنقته، فقلت: حديثٌ بَلَغَني عنك أنك سَـمِعتَه مِن رسـول الله r في القِصاص، فخَشِـــيتُ أن تموتَ أو أموت(67F[59]) قبلَ أن أَسـمَعه(68F[60]) ، قال: ســمعتُ رسول الله r يقول: … الحديث”(69F[61]).
المطلب الرابع: أمن المعلومات، والحسابات الزائفة، واختراق المواقع والحسابات الشخصية:
هذا المطلب هام جدًّا بسبب:
بُعد طلاب العِلم عنه: وهذا البُعد ظاهر وواضح لكلّ مَن يخالطهم عبر وسائل التواصل، وللأسف فإنّ غالبية طلاب الحديث يتحقق فيهم هذا البُعد، ولا تأثير للقلّة ممّن يُقدِّر هذا الخطرَ حقَّ قدره.
اعتقاد بعض طلاب العِلم بعدم أهميته: وهنا الطامّة الكبرى في الموضوع، فأنْ يكون الطالبُ جاهلاً في أمن المعلومات يُعتبر مشكلةً قابلة للحلّ بقليلٍ مِن العلم والاهتمام، ولكن الطامّة الكبرى عندما يكون جاهلاً بأمن المعلومات مع اعتقاده بأنه عِلم غير هام ولا خطرَ في تجاوز تحذيراته وتجاهلها(70F[62])، وكذلك فإنّ بعضهم يتجاهل أمانَ المعلومات لأنه حتى الشركات العظمى تُختَرَقُ، وهذا صحيحٌ، ولكنْ ما لا يُدرَكُ كلُّه لا يُترَكُ جُلُّه، وكلّما زاد عِلمُك بهذا العلم كلّما نَدُرَتْ احتمالاتُ الإضرار بك، والعكسُ بالعكس.
الحقيقة أنه بالغ الأهمية: وهذا ما يَلمسه مَن يتعامل بقوّة مع التقنية الحديثة، ويَرى أمثلة لا حصرَ لها، تَخلُق عنده يقيناً ملموساً بحقيقة خطورة أمن المعلومات وما يتعلّق به.
والمقصود من هذا المطلب تعريفُ القارئ الكريم بأمن المعلومات ونحوه، ثم ذِكرُ بعض الأمثلة التي تبيّن أهميته، ثم بعد هذا يَتحقّق الهدفُ مِن هذا المطلب، وهو قناعة السادة العلماء والإخوة طلاب علمِ الحديث بأهمية تعلّم هذا العلم مع الأخذ بتحذيراته وإعطائها حقَّها من الأهمية(71F[63])، وأنّه في حال تعاملنا مع وسائل التواصل الحديثة دونَ مراعاة قواعد أمن المعلومات فهذا يعني بدايةَ الطريق لهدم علم الإسناد والتلقّي وضياعه.
فإليكم أولاً تعريفاً عامًّا بالمقصود بهذا المطلب، ثم تعريفاً خاصًّا بعنوان المطلب، ثم أمثلةً تُظهِر أهميته.
أولاً: تعريف عام بالمقصود بهذا المطلب: الإنترنت عالَـمٌ واسعٌ، ظَهَرَ حديثاً مِن غير سابق مثال، وفيه مِن المنافع ما لا حدَّ له، وأيضاً فيه مِن الأخطار ما تَشيبُ لِـهَوْلِه الوِلدانُ، والمشكلةُ أن البعضَ استَخدَمَ وسائل التواصل فانبَهَرَ بها وانغَمَسَ بمَنافِعها جاهلاً أنّ أخطارَها الأمنيّة والصّحّيّة والاجتماعية أعظَمُ خَطَراً وأَعمَقُ أَثَراً.
المبحث الثالث: ما لا بد من معرفته من بحوث مصطلح الحديث
سأُبقي مِن هذا المبحث ما فيه نكتةٌ هامة، ولكنّ الأصل والواجب معرفةُ جميع بحوث هذا العِلم.
الإسنادُ مِن خصائص هذه الأمة: ليستْ خصوصيّةُ الأمة بالإسناد تَعني مجرّدَ وجود الإسناد والمسنِدين ومجالسِ الإملاء في ديننا، فالأهمّ مِن هذا أنّ العلماء لا يحتجّون بأيّ نقلٍ إلاّ إذا كان عندهم به سندٌ مقبولٌ، حتّى إذا كان أحدُ العلماء يَعرفُ الأثرَ ويحفظه ولكنه لا يملك سنداً منه إليه فإنّ هذا العالم لا يُبيح لنفسه الاحتجاج بالأثر حتّى يعثر على سندٍ منه إليه، فهذا المعنى هو المقصود الأهم من كون الإسناد دِيناً وأنه من خصائص هذه الأمة، صحيحٌ أننا تقريباً افتقدنا هذا المعنى في زمننا، ولكنه يَبقى معنىً أصيلاً في ديننا، وهذا مثال لهذه الفكرة كي تتضح الصورة: صنَّف الإمام أبو القاسم عبيد الله بن أحمد الأزهري المتوفَّى 435هـ كتاباً واحتاج للاستشهاد ببعض رواياتِ حديثٍ يَعلمُها ويَحفظُها ولكنه لا يرويها بإسنادٍ متصلٍ منه إليها، وكان الخطيب البغدادي شابًّا عمرُه 20 سنة وعنده إسنادٌ معتبرٌ لهذه الروايات، ممّا اضطرّ الإمام أبا القاسم _وعمره 57 سنة_ ليسأل الخطيب البغدادي أن يقرأها عليه، فوافق، فجلس الخطيبُ الشابُّ مجلسَ المحدِّث، وجلس الإمام الكبير مجلسَ الطالب، وقرأ عليه ما أراد. (72F[64])
ما جاء في سماع من كان ينسخ وقت القراءة: قال الشيخ ابن الصلاح: “اختلف أهلُ العلم في صحّة سماع مَن ينسخ وقتَ القراءة”. ثم قال بعدَ عرضه أقوالَ العلماء وخلافَهم: “وخيرٌ مِن هذا الإطلاق التفصيل، فنقول: لا يصحّ السماع إذا كان النسخُ بحيث يمتنع معه فهمُ الناسخِ لِـمَا يُقْرَأُ، حتى يكون الواصلُ إلى سمعه كأنه صوتٌ غُفْلٌ، ويصحُّ إذا كان بحيث لا يمتنع معه الفهم، كمثل ما رُوِّينا عن الحافظ العالم أبي الحسن الدارقطني أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصَّفّار، فجلس ينسخ جزءاً وإسماعيلُ يملي، فقال له بعض الحاضرين: لا يصحّ سماعك وأنت تنسخ. فقال: فَهمِي خلافُ فهمِك. ثم قال: تحفظُ كم أملى الشيخُ من حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا، فقال الدارقطنيّ: أملى ثمانيةَ عشرَ حديثًا. فعُدَّت الأحاديثُ فوُجِدتْ كما قال، ثم قال أبو الحسن: الحديثُ الأول منها عن فلانٍ عن فلان، ومَتْنُه كذا، والحديثُ الثاني عن فلان عن فلان، ومَتْنُه كذا … ولم يزل يذكر أسانيدَ الأحاديث ومتونَها على ترتيبها في الإِملاءِ حتى أتى على آخرِها، فتعجب الناسُ منه”(73F[65]).
ما جاء في استفهام الكلمة من غير الشيخ: قال الخطيب البغدادي: ” قال خلف بن تميم(74F[66]): سمعتُ من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوَها, فكنتُ أستفهم جليسي, فقلت لزائدة(75F[67]): يا أبا الصلت! إني كتبت عن سفيان عشرة آلاف حديث أو نحوها, فقال لي: لا تحدث منها إلاّ بما تحفظُ بقلبك وتسمعُ أذنُك. قال: فالقيتها. قال أبو بكر: قد أجاز غيرُ واحد مِن الأئمة الاستفهامَ مِن المستملي ونحوه, إلاّ أنّ المستحبّ عندي أن يُبيّن ما حصل الاستثبات فيه”(76F[68]).
الرُّؤى ليستْ مَصدَراً للحديث ولا غيرِه بالإجماع: الرؤى المناميّة لا يُؤخَذُ مِنها حديثٌ، ولا حكمٌ بالجرح أو التعديل على راوٍ، حتى ولو صَدَرَتْ مِن ثقةٍ إمامٍ وحتى لو كان الـمَرئي رسولَ الله r ذاتَه، علماً بأنّ جميع المسلمين يَعتَقِدونَ بأنّ الرُّؤى حقٌّ، وأنّ رؤية النبيّ r في المنام حقٌّ، وهم يُصَدِّقون الرائيَ إن كان ثقةً إماماً، ولو تَتَبّعنا عَمَلَ أئمةِ الحديث والجرح والتعديلِ لوجدناهم يؤلِّفون الأجزاء الحديثيّة في الرؤى، أو يُخَصِّصونَ باباً لها، أو يَذكرونَها في دروسِهم ومؤَلَّفاتِهم، مُصَدِّقينَ لها إنْ كان الإسنادُ إلى الرائي الثقةِ صحيحاً، ومع هذا كلِّه فإنّ هؤلاء الأئمة لا يُجيزون أبداً جَعْلَ الرؤى الثابتةِ عن الرائي الثقةِ مَصدَراً مِن مَصادِرِ الأحاديث عن النبيّ r، ولا مَصدَراً مِن مصادرِ التشريع والحلال والحرام والجرح والتعديل وغيرها مِن أحكام الإسلام، فمثلاً: الخطيبُ البغداديُّ قد خَصّص باباً بعنوان (ذِكرُ ما رآه الصالحون في المنام لأصحاب الحديث مِن الحِباء والإكرام) (77F[69])، ومِن الرؤى التي أخرجها فيه هذا المنامُ الذي فيه التنفيرُ مِن ثقةٍ!: قال حَوْثَرَةُ بن محمد الـمِنْقَرِي البصري(78F[70]): رأيتُ يزيدَ بن هارون الواسطيَّ(79F[71]) في المنامِ بعدَ موته بأربع ليال، فقلتُ: ما فَعَلَ الله بكَ؟ قال: “تَقَبَّلَ الله مني الحسناتِ وتجاوزَ عني السيئاتِ، ووَهَبَ لي التَّبِعات”. قلت: وما كان بعدَ ذلك؟ قال: “وهل يكون مِن الكريم إلاّ الكرمُ؟! غَفَرَ لي ذنوبي وأَدخلَني الجنة”. قلت: بِمَ نِلتَ الذي نلت؟ قال: “بمجالس الذِّكر، وقولي الحقَّ، وصِدقي في الحديث، وطولِ قيامي في الصلاة، وصبري على الفقر”. قلت: ومنكر ونكير حقٌّ؟ قال: “إي واللهِ الذي لا إله إلاّ هو، لقد أَقعداني وسألاني، فقالا لي: مَن ربُّكَ؟ وما دينُك؟ ومَن نبيّك؟ فجعلتُ أنفُضُ لحيتي البيضاءَ مِن التراب، فقلت: مِثلي يسأل؟ أنا يزيد بن هارون الواسطي، وكنتُ في دار الدنيا ستين سنةً أعلِّمُ الناس؟ قال أحدُهم: صَدَقَ، وهو يزيد بن هارون، نَمْ نومةَ العروس، فلا رَوْعَ عليكَ بعدَ اليوم. قال أحدُهم: أكتبتَ عن حَرِيز بن عثمان(80F[72])؟! قلت: نعم، وكان ثقةً في الحديث. قال: ثقةٌ، ولكنه كان يُبغِضُ عليًّا، أَبغضَه اللهُ عزّ وجلّ”.(81F[73])
الصالحون أحدُ مصادرِ الموضوعاتِ والكذب: قال الإمامُ النوويُّ: “قولُه في صالحٍ الـمُرِّي(82F[74]): (كَذَبَ) هو مِن نحوِ قولِ يحيى بن سعيد: لم نَرَ الصالحين في شيءٍ أَكذَبَ منهم في الحديث. معناه: ما قالَه مسلمٌ: يَجري الكذبُ على ألسنتهم مِن غيرِ تَعَمُّدٍ. وذلك لأنهم لا يعرفون صناعةَ هذا الفنّ، فيُخبِرون بكلِّ ما سمعوه، وفيه الكذبُ، فيكونون كاذبِين؛ فإنّ الكَذِبَ: الإخبارُ عن الشيءِ على خلافِ ما هو سهواً كان الإخبارُ أو عمداً، وكان صالحٌ هذا مِن كبار العبّادِ الزّهّادِ الصالحين، وهو صالحُ بنُ بَشِيرٍ البصري القاضي، وكان _رحمه الله_ حَسَنَ الصوتِ بالقرآن، وقد مات بعضُ مَن سَمِعَ قراءَتَه، وكان شديدَ الخوفِ مِن الله تعالى، كثيرَ البكاءِ، قال عفّان بن مسلم: كان صالحٌ إذا أَخَذَ في قصصه كأنه رجلٌ مذعورٌ يُفزِعُكَ أمرُه مِن حزنه وكثرةِ بكائه كأنه ثَكْلَى”(83F[75]).
اختبار الشيوخ بالسِّنَّينِ: قال الحافظ ابن الصلاح: “رُوِّينا عن سفيان الثوري أنه قال: لـمّا استَعمل الرواةُ الكذبَ استَعملنا لهم التاريخ. ورُوِّينا عن حفص بن غياث أنه قال: إذا اتَّهمتم الشيخَ فحاسِبُوه بالسِّنَّينِ. يعني احسبوا سِنَّه وسِنَّ مَن كَتَب عنه، وهذا كنحو ما رُوِّيناه عن إسماعيل بن عَيّاش(84F[76]) قال: كنت بالعراق، فأتاني أهل الحديث فقالوا: ها هنا رجلٌ يُحدِّث عن خالد بن مَعْدَان(85F[77])، فأتيتُه فقلت: أيَّ سنةٍ كتبتَ عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ثلاثَ عَشْرةَ. يعني: ومائة، فقلت: أنت تزعم أنك سمعتَ من خالد بن معدان بعدَ موته بسبع سنين! قال إسماعيل: مات خالد سنة ستٍّ ومائة”(86F[78]).
إسماع ضعيف السمع: تَعرّضَ علماء المصطلح لموضوعِ (إسماع الأصمّ)(87F[79])، وهذا يَدلُّ أنه ولو كان الطالبُ قريباً مِن الشيخ، وصوتُه يَصِلُ إليه، ويَرَيانِ بعضَهما، أي: متقاربانِ في مجلسٍ حقيقيٍّ، ثم بعدَ هذا لا يَستطيعُ الطالبُ أنْ يَسمعَ السماعَ الحقيقيَّ لصوتِ الشيخ، فإنه يجبُ على الشيخ أنْ يَرفع صوتَه لِيُسمِعَ الطالبَ ولو كانت العِلةُ من الطالب، وحتى لو كان الشيخُ لا يريد رَفْعَ صوتِه، فكلُّ هذا يدلنا على عموم أهمية أنْ يسمع الطالبُ صوتَ الشيخ.
سماعُ الكلام لا يَعني بالضرورة أنه حقيقي: لقد تَنَبّه علماؤنا إلى أنّ سماع الصوت والكلام لا يَعني بالضرورة والحَتْمِ أنه صَدَرَ عن مخلوقٍ حقيقي(88F[80])، بل قد يكون صادراً مِن آلاتٍ صَنَعَها الإنسان، قال الإمام القَرَافي: “والكلامُ قد يَحصُلُ مِن الجماد”، ثم ذَكَرَ بأنه لا يَكفي أن نَسمعَ الصوتَ فنقول: إنه لا بدّ مِن شخصٍ صاحبٍ لهذا الصوت؛ لأنّ الصوتَ يُصنَعُ في غير الإنسان. (89F[81])
في الذي يَسمعُ الشيخَ مِن وراء حجابٍ: أي: الطالب الذي يجلس خلفَ ستارٍ فلا يرى وجه المحدِّث، بحيثُ يَسمعُ الطالبُ صوتَ المحدِّثِ إنْ قرأَ المحدِّثُ نفسُه، أو يَعلَمُ الطالبُ بوجودِ المحدِّثِ إنْ سَمِعَ المحدِّثُ عَرْضاً، قال الإمام النووي: “يَصِحُّ السماعُ ممّن هو وراءَ حجاب إذا عُرِفَ صوتُه إنْ حدَّثَ بلفظِه، أو حضورُه بمَسْمَعٍ منه إنْ قُرِئَ عليه، وينبغي أن يجوزَ الاعتمادُ في معرفة صوتِه وحضورِه على خبر مَن يُوثَقُ به، وعن شعبة: إذا حَدّثَ المحدِّثُ فلم ترَ وجهَه فلا تروِ عنه؛ فلعلّه شيطانٌ. وهذا خلافُ الصوابِ وخلافُ ما قاله الجمهور”(90F[82]).
اختراق الثقات: قال الحافظ ابن حجر في الصنف السادس مِن أصناف واضِعِي الحديث: “كمَن ابتُلِيَ بِـمَن يَدُسُّ في حديثه ما ليس منه، كما وَقَعَ ذلك لحمّاد بن سلمة مع رَبِيبه، وكما وقع لسفيان بن وكيع مع وَرّاقه، ولعبد الله بن صالح كاتبِ الليث مع جاره، ولجماعة من الشيوخ المصريين في ذلك العصر مع خالد بن نجيح المدائني”(91F[83]).
ضَبْطُ المحدِّث لسماعِ الطلاب: يظنُّ البعضُ بأن مَهمّة الشيخ المحدِّث تنحصر بإسماعِ مرويّاته، ولكنّ الحقيقة أن الأفضل والأكمل للشيخ المحدِّث أن يتابع ضَبْطَ طلابه وتوثيق مرويّاتهم(92F[84])، ومَن أراد إدراكَ هذه المسألة من خلال شرحٍ مُطوَّلٍ لمثالٍ لها فلْيقرأ كتابَ عبد الفتاح أبو غدة (صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين)(93F[85])، وسأنقلُ عنه هنا أهمَّ ثلاثة أمورٍ فَعَلَها الإمام أبو عَمرو بنُ الصلاح عندما أَسمَعَ طلابَه في دمشق في دار الحديث الأشرفيّة كتاباً كبيراً جداً، هو كتاب (السُّنَن الكبرى للحافظ أبي بكر البيهقي الشافعي):
1- ذِكْرُ أسماء جميع طلابِ الحديث(94F[86]) السَّامعين لكلِّ مجلسٍ من هذه المجالس، ويُعَرِّفُ ذَاكرُ الأسماءِ كلَّ طالبٍ سَمِعَ المجلسَ باسمه ولقبه وكُنيته ونسبه، ثم يَختِمُ بذِكر اسمه وأنّه ضَبَطَ الأسماء بخطِّ يده.
2- ضَبْطُ حالِ كلِّ طالبٍ في كلِّ مجلس من هذه المجالس، فيَذكُرُ مَن سَمِعَ المجلسَ بغير فَوَاتٍ، ومَن سَمِعَها بفَوَاتٍ، ومَن سَمِعَها مع نومٍ في بعضها، ومَن سَمِعَها مع إغفاءٍ أحياناً، ومَن سَمِعَها وهو يَتحدَّثُ خلالَ السَّماع، ومَن سَمِعَها وهو ينسخُ خلالَ ذلك، ومَن سَمِعَ وقد جَمَعَ كلَّ هذه الأحوال! بل يَذكرُ بكاءَ ابن طالبة العِلم إنْ بكى.
3- شهادة الإمام ابن الصلاح بخطِّ يده على صحّة وضَبْط جميع مجالس السّماع المقروءة عليه مجلساً مجلساً، وعددُها 757 مجلس إملاء.
ثم قال عبد الفتاح أبو غدة: “فهذا السّماعُ الذي بين يديك _وقد تَمَيَّزَ بالضبط والإتقان والإحصاء والتسجيل_ يَدُلُّ على ما كان عليه المحدِّثون الكبار مِن عنايةٍ بالرواية ضَبْطاً وأداءً، ومِن عنايةِ الرُّواةِ المتلقِّين عنهم سَمَاعاً وتَحمُّلاً، في كتابٍ كبيرٍ، فكيف يكون ضبطُهم وعنايتُهم بكتابٍ صغيرٍ أو جزءٍ لطيفٍ؟!”.
مُثْبِتُ الأسماء أو كاتِبُ الطِّبَاق: ويُطلَق عليه أيضاً (مُثْبِتُ السَّماع) أو (كاتِبُ السَّمَاع) أو (كاتِبُ الغَيْبَةِ)، وكلُّها بمعنىً واحد(95F[87])، قال محمد أحمد دُهْمان مُبَيِّناً معنى الطِّباق: “الإجازةُ أو الطِّبَاقُ: حينَما تُكتَبُ الإجازةُ للحاضرين والمستمعينَ يُذكَرُ فيها أسماؤهم، ويُكتَبُ للمُتَغَيِّب اسمُه وإلى جانبه: (وَفاتَه مِن باب كذا إلى كذا)، وقد يُجمَلُ فيُكتَبُ اسمُه وإلى جانبه: (مع فَوْتٍ)، وتُكتَبُ هذه الشهادةُ في آخر صفحاتِ الكِتاب، ويُذكَرُ فيها أسماءُ جميع الحاضرين واسمُ كاتبها، ويُوقِّعُ الشيخُ في آخرها بعدَ أن يُؤَرِّخها ويَذكُرَ المكانَ الذي قُرِئتْ فيه كاسم المسجد أو المدرسة أو داره أو البستان أو القرية أو سطح المسجد أو نحو ذلك(96F[88])، وتُسَمَّى (طَبَقَة)، وجَمعُها (طِبَاق)، وهي الـمُراد بما يَرِدُ كثيراً في تراجم بعض العلماء (وكَتَبَ الطِّبَاق)، وهو وَصْفُ مدحٍ، أي: إنّ الـمُتَرجَمَ كاتبٌ ضابطٌ ثقةٌ حسنُ الخط”(97F[89]).
حِفْظُ السَّماع أو الطِّباق: قال محمد أحمد دُهْمان: “وتُحفَظُ النسخةُ [أي: نسخة الكتاب المقروء في مجلس الإملاء] التي عليها الطِّبَاقُ بمسجدٍ أو مدرسةٍ كسِجِلٍّ لأسماء الطلاب الذين قرؤوا الكتاب على الأستاذ، وسمعوه بحضوره، وكثيراً ما يَلجَأُ المؤرِّخون إلى هذه الطِّباق لمعرفة مشايخ مَن يُريدون تَرجمته وما سمعه من الكتب.
وحينما يَدَّعي(98F[90]) شخصٌ سماع كتابٍ يُطالَبُ بنصِّ الطَّبَقَة لِيُبرِزَها إنْ كان الشيخُ كَتَبَ له ذلك على نسخته الخاصة، وإلاّ فعليه أنْ يُعيِّنَ المكان الموجودَ فيه نسخةٌ مِن هذا الكتاب وفي آخره شهادةُ الشيخ بحضوره السماعَ.
وكثيراً(99F[91]) ما يُزَوِّرُ بعضُ الناس هذه الطِّباق، فيَمحي أو يَحُكُّ اسمَ أحد السامعين للكتاب، ويَضَعُ مكانَه اسمَ نفسِه، ولكنّ العلماء ينتبهون إلى ذلك ويُبيّنونَ تَزويرَه، ويَطعَنون في أمانته، ويصفونه بأنه (كذّاب)، أمّا إذا اضْطُرَّ الكاتبُ إلى حكِّ كلمة فعليه أن يكتب إلى جانبها (صَحَّ) ويُوقِّع الشيخُ باسمه إلى جانبها”(100F[92]).
لا قيمةَ ولا اعتبارَ لخوارق العادة: معلومٌ أنّ المحدِّثين لم يَقبَلوا بأن تكون خوارقُ العادةِ أو الرؤى مَصدَراً مِن مصادرِ أقوال النبي r ولا غيرِه، ولا حتى مصدراً مِن مصادرِ التوثيق والتضعيف ولو كان الرائي ثقةً والمرئيُّ رسولَ الله r، لذلك لم يخوضوا في هذه الأبحاث في كتب المصطلح؛ لأنها مرفوضةٌ جملةً وتفصيلاً ولا يمكنُ قَبولُها ولو اجتمعتْ فيها جميعُ الشروط التي يمكنُ شَرْطُها للتحقُّق من صحّةِ الإسناد إلى الرائي الثقةِ أو صاحبِ الكرامةِ الخارقةِ للعادة، كلُّ هذا الرفضِ حاصِلٌ على الرَّغمِ مِن أنهم يُقِيمونَ وزناً للرؤيا حتى في ثبوت الحديث(101F[93]) وتوثيق الرواة(102F[94])، وعلى الرغم _أيضاً_ مِن تصديقهم بوجودِ خوارقِ العادة، بل ربما كذّبوا بعضَ الأولياء والصالحين بنظرهم كما سبق (103F[95])، وربما نَشَرُوا كراماتٍ عن أئمةٍ انتقلوا مِن مكانٍ لمكانٍ بسرعةٍ غيرِ عاديّة، أو عمّن سَمِعُوا صوتَ مَن يَبعُدُ عنهم أشهراً مِن السفر، أو عمّن سَمِعَ كلامَ الجنِّ المؤمنِ وحاورَهم، إلى غير ذلك مِن خوارق العادة(104F[96])، وسأكتفي بمثالٍ واحدٍ هنا، وهو ما ذَكَره ابنُ عمر y: أنّ عمرَ t وَجَّه جيشاً، ورَأَّسَ عليهم رجلاً يقال له: سارية، فبينما عمرُ يخطبُ فجَعَلَ ينادي بأعلى صوتِه: “يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ” ثلاثاً، ثم قَدِمَ ساريةُ، فقال: “هُزِمنا، فبينَما نحن كذلك إذْ سَمِعنا صوتَ عمر: يا ساريةُ الجبلَ! ثلاثاً. فأَسندنا ظهورَنا بالجبلِ، فهَزَمَهم الله”(105F[97]).
الفصل الثاني: وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وأحكامها الحديثية
المبحث الأول: وسائل التواصل المباشر
المطلب الأول: التواصل الشخصي بالصوت أو بالصورة:
ما المقصودُ بـ (وسائل التواصل المباشر الشخصي بالصوت أو بالصورة)؟ إنّ وسائل التواصل المباشر نوعان: عامّة وشخصية:
فأمّا العامّة فالمقصودُ بها البثُّ الحيُّ عن طريق الرّائي التلفاز أو الإنترنت، بحيث إنه يَستطيعُ أيُّ شخصٍ سماعَ الـمُتَكلِّمينَ أو رؤيتَهم سواءٌ كان البثُّ مجانيّاً أم لا، والضّابطُ لكون التواصل عامًّا: أنه يُمكنُ لأيِّ شخصٍ ادّعاءُ السماع دونَ عِلم أيِّ شخص آخر.
وأمّا الشّخصيّةُ فالمقصودُ بها أنّ طَرَفَي التواصل يَعرفون بعضَهما سواءٌ كانا واحداً مع واحدٍ أم أكثر مع أكثر، كما إذا تواصل الطالبُ أو الطَّلَبَةُ مع المحدِّث عبرَ الجوال أو عبرَ الإنترنت بحيث يَعرِفُ الطَّلَبَةُ بعضَهم ويَعرِفُ المحدِّث الطَّلَبَة ولو على وجه الإجمال، ففي هذه الحالة يكون الطَّلَبَةُ معروفين مَضْبوطي العدد مَحصورينَ ولو عموماً، والضّابطُ لكون التواصل شخصيًّا: أنه لا يمكن لأيِّ شخصٍ ادّعاءُ السماع مع الطَّلَبة مِن غير عِلمِهم وعِلم الشيخ.
والآنَ يَبدأُ الكلامُ عن حكم السماع عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ الحديثةِ المباشِرةِ الشخصيةِ، فأوّلاً ذِكْرُ أدلّة الـمُصَحِّحين للسماع، ثم ثانياً ذِكْرُ أدلّة القائلين بعدم الصّحّة(106F[98])، ثم ثالثاً ذِكْرُ الترجيح، والله أعلم.
أوّلاً: أدلة صحّة السماع عبرَ وسائل التواصل المباشر الشخصية: ثمة بعض الأدلة التي يمكن الاحتجاج بها على أن التواصل عبر الوسائل المباشرة يُعتبَرُ سماعاً حقيقياً، كَمَا لو كنت بجسدك تجلس أمام الشيخ في مجلس حقيقيّ واحد، وتَسمع منه مباشرة، أي: يحقّ لك أن تقول: سمعتُ الشيخ، وحدثني، ونحوها من عبارات السماع الحقيقي، بدليل:
كلنا يشعر ويعلم يقيناً أننا عندما نتواصل مع المحدِّث فإننا نسمعه حقيقةً وكل كلمة يقولها فهو يقولها فعلاً في نفس اللحظة التي أسمعه بها، ولا نجد أي فرق بين أن نسمع صوت المحدِّث ونحن خارج المسجد وبين أن نسمعه ونحن خارج دولته.
إن سماع المحدِّث عبر وسائل التواصل المباشرة أفضل وأقوى من سماع صوت المستملي الذي يُبَلِّغُنا ما يقوله المحدِّث، بل إن السماع عبرَ المستملي قد يَصلُنا مُغايراً لِما قاله الشيخ؛ لأنّ المستملي قد يخطئ في السماع أو في الفهم أو في الأداء، كما هو معروف في كتب التاريخ، وهذا لا يمكن أن يحدث في حالة السماع المباشر عبرَ وسائلِ التواصل الحديثة.
علينا تَطويرُ وسائل العِلم وعدمُ التقيّدِ باصطلاحاتِ القدماءِ وأعرافِهم طالما أنّ التطويرَ والتحديثَ لا يتعارضُ مع أحكامِ الشريعة.
ثانياً: أدلة عدم صحّة السماع عبر وسائل التواصل المباشر الشخصيّة:
إن ضَبْطَ العلماء لـ(اتحاد المجلس) واضحٌ ومُحَدَّد، وهو لا ينطبق على وسائل التواصل المباشرة، لذلك فلا يمكن قياسها عليه، ولا إنزال أحكامه الاصطلاحية عليها، فهذا قياسٌ مع الفارق الكبير والجوهري وإنْ كان ثمة خُدْعة بصرية وسمعية توحي باتحاد المجلس، كما سيأتي بيانه الآن في الرد على أدلة الخصم.
لماذا تعتبرون أن وسائل التواصل المباشر الحديثة هي مسألةٌ جديدةٌ وتحتاج قياساً أو اجتهاداً لبيان حكمها وضوابطها؟! فاعتباركم هذا خطأ من أصله، وهذا ما يبطل كلامكم كاملاً بجميع قياساته وتفصيلاته، فوسائل التواصل المباشر الحديثة هي تماماً مثل القديمة مع فارق تقليص الوقت، وهذا لا عبرةَ به، وهذا سردٌ للتطور كي تتضح الصورة: إذا كان الشيخ في المغرب وكان الطالب في المشرق: فسابقاً كان المحدثُ يحدث فيسمعه طالبٌ، ثم يطلب الطالب من المحدث إجازةَ طالبِ المشرق، فيجيزه، ثم يسافر الطالب سفراً طويلاً حتى يصل إلى المشرق فيُبلّغ طالب المشرق بالإجازة، وهنا يستطيع طالب المشرق أن يروي عن المحدث بالإجازة أو أن يروي عن الطالب عن المحدث بالسماع، ومع تقدّم العلم قلّ الوقت حتى صار الطريق يأخذ عدة أشهر بالحافلات، ثم تقدّم فصار يأخذ عدة أيام بالسيارة، ثم تقدم فصار يأخذ عدة ساعات بالطائرة، ثم تقدّم فصار الطالب يُسجّل صوت المحدث وصورته ثم يشاهدها طالب المشرق، فلم يتغير الحكم، ثم تقدّم العلم فصار التسجيل يصل بغيرِ حَمْلِ الإنسان وصار يصل بثوانٍ قليلة، حيث إن المحدث يتكلم فتقوم آلات بتحويل صورته وصوته إلى ذبذبات كهربائية، ثم يتم نقل هذه الإشارات خلال ثوانٍ إلى المشرق، ثم تقوم آلات الطالب بالمشرق بتحويل الذبذبات الكهربائية إلى صوتٍ مسموع يماثل تماماً صوت المحدث وصورةٍ مرئية تماثل تماماً صورةَ المحدث، هذا هو التوصيف الحقيقي للمسألة، لذلك فحكمها مثل حكم الإجازة في القرون السابقة ولا يختلف الحكم؛ لأنّ زمن وصول ما قاله المحدث قلّ مِن الزَّمن الطويل إلى عدة ثوانٍ، وأمّا إيهام الناس بأن هذه مسألةٌ جديدةٌ وأنها تحتاج اجتهاداً جديداً أو قياساً على مسألة مشابهة فهذا غير صحيح.
وإنّ علماءنا بعدَ تَدوين الأحاديث قد نَقَلوها لنا مضبوطةً ضبطاً يُضاهي ضَبط آلات التسجيل، فهل يعني هذا أن نقول: حدَّثنا الإمام البخاريُّ!؛ لأننا مُتَيَقِّنون مِن أنه حَدَّث؟! قال العلاّمة عبد الفتاح أبو غدة: “إن علماءَنا المتقدمين _رضي الله عنهم_ نَقَلوا لنا هذا الدِّين وعلومَه بضَبطٍ وإتقانٍ يُضاهي ضَبطَ الآلاتِ الـمُسَجِّلةِ اليومَ”(107F[99])
إن الشرط الرئيس للتلقي المباشر هو المشافهة، فإذا كثُر الطلاب حتى استحالت المشافهة واضطررنا للاستعانة بالمستملي _وهو بشرٌ حيٌّ_ فقد اختلف العلماء في قَبول هذا السماع كما سبق(108F[100])، فإذا كان السماعُ من المستملي نازلاً _ولو قليلاً بسبب هذا الخلاف_ عن قوّة السماع مشافهةً فليس من الممكن قياس هذا على مَن بينهما آلاف الأميال، والواسطةُ آلاتٌ وليست بشراً، وما يَسمعُه الطالبُ هو صوتٌ مطابقٌ تماماً لصوت المحدِّث قد صَنَعَتْه الآلاتُ وليس نفسَ صوت المحدِّث.
ثالثاً: الرد على أدلة المخالفين:
إنّ حقيقةَ السماع أو الرؤية لوسائل التواصل المباشر أنك تَرى رسماً مشابهاً تماماً للمحدِّث، وكذلك السماعُ، فإنك تَسمعُ صوتاً مشابهاً تماماً لصوتِ المحدِّث، والحقيقةُ أنك لا تَرى نفسَ شخصية المحدِّث ولا تَسمعُ نفسَ صوتِه، وإنّ جميعَ العبارات التي استخدمها الخصمُ هي غيرُ صحيحة، والمقصودُ منها إثارةُ الحالة النفسية فقط، فعباراتُ (كلنا) (يشعر) (يعلم) (يقيناً) (نسمعه) (حقيقةً) (في نفس اللحظة التي أسمعه بها) (لا نجد أي فرق)….إلخ كلُّها غيرُ صحيحة، وإنما هدفُها مسايرةُ ما نراه ونسمعه مِن تمثيلٍ للصورةِ والصوتِ وليس الحقيقة.
إنّ الاستشهادَ بالسّماع مِن المستملِي وقياسَ السماعِ منه على السماع مِن آلةِ التواصل الحديثة قياسٌ مع الفارق، وسببُ الغشاوةِ في الرؤيةِ _عندَ الاستشهادِ والقياسِ على المستملِي_ هو شدّةُ تأثّر طلابِ العلم اليومَ بما يَرونه ويَسمعونه عندَما يُشاهدون آلةَ التواصلِ المباشرِ الحديثة، ونكرِّرُ التأكيدَ على الفارق الجوهريّ بين النقل عبرَ وسيلةٍ إنسانيةٍ حيّةٍ وبين النقل عبرَ آلاتٍ جامدة، وإنّ ممّا يؤكِّد هذا الفارقَ أنّ أحدَ كبارِ العلماء المعاصِرين المخضرَمين _الذين أدركوا طويلاً وسائلَ التلقي القديمة ووسائلَ التواصل الحديثة_ أخبرنا بأنّه ثمة مجالسُ لابن الصلاح قد نُقِلتْ لنا عبرَ علماء ثقاتٍ وبالتفاصيل الكاملة، حتى إنّ الصورة تتكامل في أذهاننا وكأنّ هذه المجالسَ قد سُجِّلتْ بالآلات الحديثة ثم رأينا تسجيلَها عِياناً، فهل يجوزُ لنا بعدَ سماعنا لكلامِ هذا العالم أن ندّعي سماعَنا مِن ابن الصلاح أو أن نقول: “سمعتُ ابن الصلاح قبل 800 عام!”، وهذا كلامُه أنقله حرفيّاً رغم طوله، قال عبد الفتاح أبو غدة: “هذه رسالةٌ لطيفةٌ سميتُها: (صفحة مشرقةٌ من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين)، أوردتُ فيها نصًّا من نصوص سماع الحديث الشريف وتلقِّيه عن أئمتِه بالمشافَهة والإسناد، جاء ذلك النصُّ في آخر المجلّد الثامن من الكتاب الفَخْم الضَّخْم العظيم (السُّنَن الكبرى) للإمام البيهقي رحمةُ الله تعالى عليه.
رواه عنه بالسَّند إليه الإمامُ الحافظُ ابنُ الصلاح الشَّهْرَزُوري الـمَوْصِلي ثم الدمشقي، في دار الحديث الأشرفية بدمشق سنة 634هـ، في مجالسَ بلغتْ في المجلّد الثامن فقط 90 مجلساً، وتَحمَّلَه عن الحافظ ابن الصلاح وسَمِعَه منه شيوخُ العلم والحديث وطُلاّبه في أدَقِّ صورةٍ وأَضبطِ سماعٍ لتلك المجالس، التي كانت تُساقُ فيها روايةُ ذلك الكتاب الجليل مع العَرْض والمقابلة له على نسخةِ المؤلِّف الإمام البيهقي ونسخة الحافظ ابن عساكر الدمشقي.
وهي صورةٌ رائعةٌ ممتِعة، تُعرِّفنا بما كان عليه المحدِّثون الكبارُ من الضبط والإتقان والعنايةِ البالغة والتجويد العجيب لرواية الحديث بالسماعِ والإسناد، في مجالسهم وفي أخذ الرواة عنهم، حتى في الكُتُبِ الكبار كهذا الكتاب الحافل العظيم (السُّنن الكبرى)، وتُـمَـثِّلُ لنا في قِدَمِها من نحو ثماني مئة سنة ما كأنّا نشهدُه اليومَ في الوسائل الضابطة الدقيقة المصوِّرة كالتِّلْفاز.
فهي صورةٌ _غيرُ ناطقة ولا صَوْتيّةٍ_ تُسجِّلُ تلك المجالسَ الحديثيّة، وحالَ الشيخ المحدِّث، وحالَ العلماءِ الطّلاّب الحاضرين فيها: سَماعاً وتلقِّياً، وحُضوراً وغِياباً، ويَقَظةً ونَوماً، وانتباهاً واشتغالاً، وتحدُّثاً ونسخاً، وفَوَاتاً واستكمالاً، كأنك تَشهدُهم في مجالسِ التحديث والتسميع، ولكن يَنقُصُها تسجيلُ الصوتِ والكلام، فهي صورةٌ صافيةٌ واعية لسماعٍ وتَحمُّلٍ وأداءٍ وأمانةٍ علميةٍ بالغة، تَـمَـيَّزَ بها آباؤنا وعلماؤنا المحدِّثون y، وتَميَّزَ عنهم فيها أيضاً الحافظُ الإمامُ ابن الصلاح t” (109F[101]).
وثمة دليلٌ ثانٍ على أنّ الاستشهادَ بالسماع مِن المستملي وقياسَ السماع منه على السماع مِن آلة التواصل المباشر استشهادٌ باطلٌ وقياسٌ مع الفارق، فأنتم بَنيتم استشهادَكم وقياسَكم على أنّ المستملِي هو ناقلٌ لكلامِ المحدِّثِ الـمُملي، ثم ساويتم بين نقلِ المستملي وبين نقل آلاتِ البثِّ المباشر، وهذا خطأٌ مِن أصلِه فضلاً عن الخطأِ في القياس مع الفارق، فالعلماءُ الذين أجازوا السماعَ مِن المستملي إنّما أجازوه لأنّ المستملي هو قارئٌ على الشيخ، ويَكفينا هذان النَّقلَانِ لتوضيحِ الفكرة وإثباتِها:
النَّقل الأول: قال الإمام النووي مُوَضِّحاً فائدةَ اتّخاذ المستملي إذا كثر الجمع: “والفائدة فيه توصُّلُ مَن يَسمعُ لفظَ الـمُملي على بعدٍ منه إلى تَفَهُّمِه وتَحقُّقِه(110F[102])، وأمّا مَن لم يَسمعْ إلاّ المستملي فلا يجوزُ له روايةُ ذلك عن الـمُمْلي إلاّ أنْ يُبَيِّنَ الحالَ(111F[103])” (112F[104]).
النَّقل الثاني: قال الإمام السخاوي في ترجيحه قَبولَ السماعِ مِن المستملي بشرطِ أن يَسمَعَه الشيخُ(113F[105]): “وهذا هو الذي عليه العملُ بينَ أكابر المحدِّثين _الذين كان يعظمُ الجمعُ في مجالسهم جداً، ويجتمع فيها الفِئامُ مِن الناس، بحيث يبلغُ عددُهم ألوفاً مؤلَّفة، ويصعد المستملون على الأماكن المرتفعة، ويبلِّغون عن المشايخ ما يُـمْلون_ أنّ مَن سَمِعَ المستمليَ _دونَ سماعِ لفظِ الـمُملي_ جاز له أن يرويه عن الـمُملي، يعني: بشرطِ أنْ يَسمعَ الـمُملي لفظَ المستملي _وإنْ أطلقه ابنُ الصلاح_ كالعرض سواءً; لأنّ المستملي في حكم القارئ على المملي”. ثم قال ما مُختَصَرُه: “وحينئذٍ فلا يقال في الأداء لذلك: سمعتُ فلاناً، كما تقدّم في العرض، بل الأحوطُ بيانُ الواقع، كما فعلَه البخاريُّ وابنُ خزيمة وغيرُهما مِن الأئمة ممّن كان يقول: أَفهَمَني فلانٌ بعضَه، …، قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: ما كتبتُ قطّ مِن فِي المستملي، ولا التفتُّ إليه، ولا أدري أيَّ شيءٍ يقول، إنما كنتُ أكتبُ عن فِي المحدِّث. وكذا تَورَّعَ آخرون وشَدَّدُوا في ذلك، قال ابن كثير: وهو القياس، والأوّلُ(114F[106]) أَصلَحُ للناس”(115F[107]).
مِن المسائل المتَّفَقِ عليها بيننا أنه لا يجوز ولا يصحُّ اقتداءُ المأموم خلفَ تلفازٍ تُبَثُّ فيه صلاةُ الـحَـرَمِ المكِّيّ بثًّا مباشراً حتى ولو كان يَسمعُ صوتَ الإمام ويرى صورتَه، وهذا يعني أنّ النقل المباشر يختلف عن اتحاد المجلس، فلا تصحُّ المساواةُ بينَهما.
ثالثاً: ما أُرجِّحُه حول حكم السماع عبرَ وسائل التواصل المباشر الشخصية:
قبل ذكر ما أرجّحه سأستعرضُ وإيّاكم أغلبَ الأفكار التي مرّتْ مِن أوّل الرسالة حتى الآن، كي نَبني عليها حكمَ السماع:
(وجوب وضرورة إعادة بناء الحضارة الإسلامية)، (إمكانية أن نَشهَدَ انقراضاً لهذا العِلم)، (الحسابات الشخصية على الإنترنت قد تكون وهميةً وغيرَ حقيقية)، (تزايدُ أعداد مستخدمي طُرُقِ التواصلِ الاجتماعيِّ الحديثةِ للحصول على الإجازات)، (يجب ضبط طُرُق التلقّي الحديثة، ومعرفةُ أحكامها، وتمييزُ المقبول منها مِن المردود، قبلَ أن تتّسع التجاوزاتُ، فتصل إلى حدّ انهيارِ علم الإجازات وتلاشيه)، (ضَعْفُ طلاب العِلم عموماً وطلاب الحديث خصوصاً)، (تزايد محاولات القضاء على عِلم الحديث)، (حذّرَنا _نحن المسلمين في آخر الزمان_ رسولُ الله r مِن قَبول كلام مَن يُحدِّثنا بما لم نسمعه نحن ولا آباؤنا)، (وحذّرَنا _أيضاً_ مِن أنه سيأتي زمانٌ يَتَمثّل فيه الشياطينُ بهيئة المحدِّثين، فيُحدِّثون الناسَ بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، فيَنشرُ مَن سَمِعهم هذه الأحاديثَ)، (الإسنادُ خَصِيصةٌ فاضلةٌ مِن خصائص هذه الأمة، وسُنةٌ بالغة من السُّنن المؤكَّدة، بل مِن فروض الكفاية)، (“لِيُبَلِّغ الشاهدُ منكم الغائبَ”)، (لم يكنْ هذا العِلم في زمانٍ قطُّ تَعلُّمُه أَوجَبَ منه في زماننا هذا؛ لذهابِ مَن كان يُحسِن هذا الشأن، وقلَّةِ اشتغال طَلَبةِ العلم به)، (العِلمُ المكتملُ القواعد والأصول المقرَّرُ بألفاظٍ وتعابيرَ اصطلاحيّةٍ لا يَحِقُّ لأحدٍ أنْ يحاول تأصيلَ غيرِ ما اكتمل مِن قواعده، ولا أنْ يُقَرِّرَه بغير اصطلاحاته التي تَقرَّرَ عليها؛ لأنّ في فِعلِ شيءٍ مِن هذين الأمرين إضاعةً لذلك العِلم وتدميراً له)، (جميع المراحل التي مرَّ بها عِلمُ الحديث كانتْ تَطوّراتُها ونضوجُها نابعاً مِن الردّ على أخطار نشأتْ في كلّ مرحلة، وهذا ينطبق على مرحلةِ زمانِنا الآن _مرحلةِ الثورة الإلكترونية_ مع زيادةِ شيءٍ جديدٍ، وهو أنه على علماء الحديث في هذا العصر أن يستفيدوا مِن هذه الثورة الهائلة العلمية في إعادة بَعْثِ هذا العِلم)، (يجبُ على مَن يريدُ إبداءَ رأيه وحُكمِه في موضوعِ بحثِنا أنْ يكون عالماً بعِلمَينِ اثنين: عِلم أمن المعلومات وطُرقِ الاحتيال ووسائلِ الحماية والحسابات الزائفة ونحوِها، وعِلم المصطلح وضوابطِه وآدابِه، وذلك كي يَتَصوّر المسائلَ مِن كلِّ حيثياتها، فيكون الحكمُ عليها حكماً صحيحاً)، (نورُ العِلم وبركتُه حقٌّ، وهو غير حفظِ المعلومات)، (نور العِلم وبركتُه أساسيّانِ لطالب الحديث وإلاّ ضَلَّ وأَضَلَّ، ولا يَتَحَصَّلُ نور العِلم ولا بركتُه إلاّ بالمشافهة؛ لِخاصِّيّةٍ جَعَلَها الله تعالى بين الـمُعلِّم والـمُتعلِّم، يَشهدُها كلُّ مَن زاول العلمَ والعلماء، ولأنّ قراءةَ الكتب أو سماعَ الأشرطة المسجَّلة اليومَ مِن غير مُشافهةِ العالِمِ لا تُعطي المعرفةَ الصحيحةَ الكاملة، ولا تُفيدُ العلمَ النَّقِيَّ المضبوطَ القويم، فهي مُعِينةٌ لا مُعَلِّمة، ومذكِّرة لا مُقَوِّمة، ولهذا قالوا: “مَن كان شيخُه الكتابَ كان خطؤه أكثَرَ مِن الصواب”)، (بالنسبة لعِلم الإجازات والتلقي: كلّما عظمت المشقةُ كلّما زاد الأجرُ وزاد الانتفاع بنور العلم)، (يُمنَعُ وضع العِلم في غير أهله)، (يُسَنُّ الحرصُ على تقوية الإجازة ونوع التلقي)، (الأصلُ في تلقّي الحديث أن يَسمعَ الطالبُ قراءةَ الشيخ مِن غير أيّ واسطة مهما كانت)، (المنقطع ضعيفٌ ولو كان بين ثقتين إمامين)، (اختلفوا في قَبول سماع مَن كان ينسخ وقتَ القراءة)، (اختلفوا في حكم استفهام الكلمة مِن غير الشيخ)، (اختلفوا في قَبول السماع مِن المستملي)، (يجب معرفة كيفية تحقق عدالة الراوي وأحكامها في عصرنا مع مراعاة اختلاف الزمان بحسب قواعد عِلم المصطلح)، (الرُّؤى ليستْ مَصدَراً للحديث ولا غيرِه)، (الصالحون أحدُ مصادرِ الموضوعاتِ والكذب)، (يجب التّقيّدُ بأقسام التحمّل والتلقّي وصِيَغ الأداء)، (تجب معرفة الثقات والضعفاء المعاصِرين وأحكامهما، ثم تطبيقُها على نَقَلَة أخبارِ التلقّي وغيرها في عصرنا)، (الغريبُ خَطَرٌ، والمشهورُ أمانٌ)، (يجب اختبار الشيوخ بالسِّنَّينِ وجميعِ الطُّرُقِ حتى في عصرنا)، (ثمة خلافٌ في “نحوه” و”مثله”)، (ثمة خلافٌ في التمييز بين “حدّثنا” و”أخبرنا”)، (سماعُ الكلام لا يَعني بالضرورة أنه كلامُ إنسانٍ حقيقي)، (اختلفوا في الذي يَسمعُ الشيخَ مِن وراء حجابٍ)، (اختراقُ الثقاتِ فَنٌّ قديم)، (تزوير الأئمة فَنٌّ قديم)، (يجب ضَبْطُ سماعِ الطلاب وحفظُه)، (مِن وظائف طلاب العِلم والعلماء: مُثْبِتُ الأسماء أو كاتِبُ الطِّبَاق)، (لا قيمةَ ولا اعتبارَ لخوارق العادة كأهل الخطوة وسماعِ البعيد والسماعِ مِن الجنّ ونحوِها)، (اتحاد المجلس شرطٌ في بعض الأحكام الشرعية)، (علينا أنْ ننشر مجالس الإملاء على وسائل الإعلام قدْرَ استطاعتنا، ولكنْ لا يُعتَمَدُ السّماعُ إلاّ بحسب الضوابطِ لهذا السّماعِ الـمُحدَث). وغير هذا ممّا تَقَدَّم الكلامُ عليه أو الإشارة إلى وجوب معرفته مِن مصادرِه ولم يُذكَر الآن، وكذلك يَحسُنُ الاطلاعُ على ما سيأتي في الفصل الثالث والرابع.
والآن _وبعدَ هذا السَّردِ للـمُقدِّماتِ_ اتَّضَحَتْ الفكرةُ العامّة لمجموعها، وأصبحَ بإمكاننا الوصول إلى النتيجة التالية حولَ حكم السماع عبرَ وسائل التواصل المباشرِ الشخصيّة:
أوّلاً: إنّ السماعَ مشافهةً في مجلسٍ مُتَّحِدٍ أَفضَلُ مِن السماعِ عبرَ وسائل التواصلِ المباشر الشخصيّة، وأعلى منه في كلِّ الأحوال والاعتبارات، وإنّ السماعَ مشافهةً هو طريقُ العِلم وسبيلُ العلماء وبه وَحْدَه يَنتَقِلُ نورُ العِلم وبركتُه وسِرُّه مِن الشيخ إلى الطالب.
ثانياً: يَصِحُّ السماعُ عبرَ وسائل التواصل المباشِر الشخصيّة إذا تَحَقَّقَتْ شروطُ صحّة السماع، وأمّا إذا اختلَّتْ فلا يَصِحُّ السماع ولا يُقبَلُ.
وهذه شروط صحّة السماع عَبـْـرَها:
أولاً: يجبُ إيضاحُ أنّ السماعَ كان عبرَ وسائل التواصل المباشر: وهذا الإيضاحُ يكونُ بأيِّ عبارةٍ واضحةٍ صريحةٍ لا لَـبْـس فيها ولا تدليس، وهذا الشرطُ ضروريٌّ؛ كي لا يُتّهَمَ السامعُ بالكذب أو الغِشِّ أو التدليس.
ثانياً: إثبات السماع بأيّ طريقةٍ ما عدا إخبار السامِعِ ولو كان ثقةً: يجب إثباتُ السّماع بأيّ طريقةٍ، ولا يُقبَل خبرُ الثّقةِ عن نفسِه بأنه سَمِع، فصحيحٌ أنّ خبر الثقة عن نفسه بأنه سَمِعَ مِن المحدِّث مقبولٌ إجماعاً، إلاّ أنه مرفوضٌ غيرُ مقبولٍ _إجماعاً أيضاً_ عندَما يُخبِرُنا عن سماعِه بواسطة كرامةٍ أو سماعِه من النبيّ r في المنام، والسببُ في قَبول الخبر الأوّل ورفض الثاني على الرَّغم مِن صدورهما عن الشخص نفسِه أنه _في الحالة الأولى_ ثمة قرائنُ يُمكننا مِن خلالها تَمييزُ صحّةِ خبره مِن بُطلانِه وتَمييزُ صدقِه مِن كذبه، كما أنّ الكَذَبَةَ يَصعُبُ عليهم جدًّا ادّعاءُ السماع الحقيقي بسبب كثرة القرائن التي تُظهر كذبَهم، وأمّا في الحالة الثانية فلا توجدُ قرائنُ واضحةٌ نستطيع مِن خلالها تمييزَ الصادق من الكاذب، كما أنّ عدمَ وجود القرائن يَفتحُ الباب أمامَ الكَذَبَةِ لادّعاء السماع، فمِن أجل هذين السَّبَبينِ وغيرِهما فإننا بحاجة لإثبات السماع، وإلاّ فهو مرفوضٌ ولو صَدَرَ مِن ثقةٍ سَدًّا لبابِ عدمِ إمكانية التمييز بينَ الصادق والكاذب. (116F[108])
ثالثاً: ضَبْط تفاصيل الإجازة: يجب ضبطُ تفاصيل معلومات الإجازة، وهي: مكانُ الشيخ، مكانُ الطالب، تاريخُ السماعِ بالتفصيل، وسيلةُ السماع، كيفيةُ إثباتِ السماع، ونحوُها، سواء كانت هذه التفاصيل مكتوبةً في إجازةِ الشيخِ للطالبِ أم محفوظةً في صدر الطالب والشهود.
رابعاً: التّقَيُّد بجميع ضوابط السماع والتلقّي الحقيقي: يجب التقيّد بجميع ضوابط السماع والإجازات التي ذكرها علماء هذا الفن مِن شروط الصحّة وآدابِ الشيخ والطالب والتلقّي وكل ما يتعلّق بهذا الفنّ، وليس مِن الـمَقبول أنْ يأتي في عصرنا مَن يحاول تغييرَ القواعدِ أو الآدابِ بحجّة تغيّر الزمان والوسائل، وهذا الشرطُ يحتاجُ لذكر جميع الضوابط والآداب المتعلِّقة بالتّلقّي والإجازات، ولكني لن أذكرها هنا استغناءً بذكرها في المباحث السابقة واللاحقة.
خامساً: إجازة الشيخِ لكلّ مَن سَمِعَ عبرَ وسائل التواصل المباشر الشخصية: وعدم الاكتفاءِ بالسماع عبرَها فقط، فهذا الاحتياطُ واجبٌ هنا لشدّةِ غموضِ المسألة، بخلافِ مسألةِ الإجازة بعدَ السماع مشافهةً، فتلك يُندَبُ فيها الإجازة احتياطاً مِن عدم سماعِ كلمةٍ ونحوِها.
سادساً: الالتزام بضوابطِ أمنِ المعلومات واحتياطاته: المقصود مِن هذا الشرط معرفةُ كيفية التعامل مع أمن المعلومات، والحِرصُ على الطرق الآمنة مِن الخِدَع والاختراقات وغيرها كما سَبَقَ بيانُها(117F[109])، وهذا شرطٌ هامٌّ ولا يمكنُ الاستغناءُ عنه على الرغم مِن بُعْدِ طلبة الحديث عنه وقلّةِ معرفتهم به، وخصوصاً أنّ الإنترنت وجميعَ برامجه ومواقعه بيدِ أعداء الإسلام كاملاً حتى الآن، وهذا في عصرنا يماثلُ سابقاً ما لو وُجِدَ بعضُ طلاب الحديث الذين يُراسِلون الـمُسنِدينَ عن طريقِ البريدِ الخاصِّ باليهود والنصارى والمجوس ونحوِهم، فهل يُقبَلُ هذا التّراسلُ عَـبْـرَهم إلاّ إذا كان الـطالبُ والشيخُ عالِمَينِ بمَكْرِ البريد وطُرُقِ التَّثَبُّتِ والتَّحقّق مِن سلامة التّراسل؟!
المطلب الثاني: وسائل التواصل المباشر العامّ:
سَبَقَ (118F[110]) قبل َ قليل أنّ وسائل التواصل المباشر نوعان: عامّة وشخصيّة، وأنّ الضّابط لكون التواصل عامًّا: أنه يُمكنُ لأيِّ شخصٍ ادّعاءُ السماع بدون عِلم أيِّ شخص آخر، والمقصود: لا نستطيع التّحقّق مِن صحة دعواه، وأنّ الضّابطَ لكون التواصل شخصيًّا: أنه لا يمكن لأيِّ شخصٍ ادّعاءُ السماع مع الطَّلَبة بدون عِلمِهم وبدون عِلم الشيخ، والمقصود: نستطيع التّحقّق مِن صحة دعواه.
فكلُّ ما ذُكِرَ حول التواصل المباشر الشخصي يَنطبقُ هنا على التواصل المباشر العامّ، ما عدا مسألتَينِ:
الأولى: أنّ التواصل الشخصيّ أكثرُ ضبطاً ومصداقيةً من العامّ، وذلك أنّ التواصل الشخصيّ لن يستطيع ادعاءه كلُّ شخص غالباً؛ لأننا يمكن أن نختبر صدق الـمُدَّعِي بالسؤال عن رقم المحدِّث أو البرنامج الذي تواصل عبرَه أو الطريقةِ التي وَصَلَ بها إليه أو الكيفيةِ التي عامَلَه بها….إلخ، وأمّا بالنسبة للتواصل العامّ فكلُّ هذه الأمور لا تُفيدنا شيئاً في كشف كذبِ المدَّعِين؛ لأنهم بمجرد أن يقولوا بأنهم سمعوا الشيخَ أثناءَ البثِّ المباشرِ لمجلسه للإملاء فإننا لا نملك اختبارهم بأيّ سؤالٍ يُبيّن لنا حقيقةَ سماعِهم للمجلسِ مباشرةً أم تسجيلاً، هذا إذا كانوا قد سَمِعُوا أصلاً.
والثانية: أننا إذا قَبِلْنا هذا النوعَ مِن التلقي فلن نستطيع تمييزَ الصادقِ مِن الكاذب، وهذا أقوى دليلٍ على ردّ ورفض هذا النوعِ ولو كان مُدَّعِي التلقي عَـبْـرَه صادقاً، فكلُّ مَن ادعى السماع مِن محدِّث _وهو لم يَلْقَه بالوسائل العادية_ فإنه كاذبٌ وحديثُه مردودٌ موضوع جزماً بإجماعِ الأمّة، حتى ولو كانوا يعتقدون صلاحَه وأنه مِن الممكن أن يكون قد لَقِيَه بخارقٍ للعادة، وهذه أربعةُ أدلةٍ قد سَبَقَ الكلامُ عنها بتوسّعٍ مع الأمثلة(119F[111]):
الأول: عدم قَبول المحدِّثين ادعاءَ أي شخص بأنه سمع من المحدِّث على سبيل الكشف، على الرَّغم من قَبولهم وتسليمهم حصولَ هذا لبعض الصالحين، كما سَبَقَ (120F[112]) في قصة عمر t عندما قال: “يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ”.
الثاني: لم يعتبر علماءُ الحديث ادعاءَ أيّ شخص أنه مِن أهل الخطوة على الرَّغم من قَبولهم وتسليمهم حصولَ هذا لبعض الصالحين، وثمة عشراتُ القصص التي رواها علماء الحديث المحقّقون.
الثالث: لم يعتبر علماءُ الحديث ادعاءَ أيّ شخص أنه رأى رسول الله r في الرؤيا فأخبره بحديثٍ أو صحّح له حديثاً أو كذّبه(121F[113])، فكلُّ هذا لم يعتبروه، بل يَطعنون فيمَن يعتمد عليه، على الرغم من أنهم يعلمون أن رؤيا رسول الله r حقٌّ، وأنّ العلماء الصالحين يرون الحبيبَ r ويُحدِّثهم ويحدِّثونه، بل ربّما سألوه عن مسائل علميّة، والأعظمُ مِن هذا أنه وَرَد أن بعضَ أئمة الحديث والجرح والتعديل والعلل كان يسأل رسول الله r في الرؤيا ويَأخذ بأمره فيها، ولكنّ إجماع الأمة مستقرٌّ على عدم اعتبار أي قيمةٍ للرؤيا أو ما يُقال فيها حتى لو كان الرائي صالحاً؛ وذلك لأنه لا يمكن ضبط الصادق من الكاذب في الرؤيا(122F[114]).
الرابع: لم يعتبر علماءُ الحديث ادّعاءَ أيّ شخص بأنه تلقّى الحديث عن الجنّ المؤمنين، عِلماً بأنّ الجميع يؤمن بالجنّ ويعلمون بأن أعمارهم أطولُ مِن أعمار البشر بكثير، ولكنّ رَفْضَ العلماء هذا التلقّي كان بسبب عدمِ إمكانية التحقّق من ثبوته، وعدمِ إمكانيةِ التمييزِ بينَ الصادق والكاذب.
وكذلك الوضعُ هنا: إذا قلنا بقَبول السماع من وسائل التواصل العامِّ غيرِ المضبوطِ فلن نستطيع تمييزَ الصادق مِن الكاذب؛ لذلك سنَردّ الجميعَ سواء كان صادقاً أم كاذباً.
ملحوظة هامّة: ثمة خَلْطٌ بين السماع الحقيقي وبين اليقين بأنّ المحدِّث قال كذا: إنّ الذين يَقبلون السماعَ عبرَ وسائل التواصل المباشر ويَعتبرونه سماعاً حقيقياً إنما اختلَطَ عليهم الأمرُ فلم يُـمَيِّزوا بين اليقين بأنّ المحدِّث تَكَلَّم بكذا وكذا وبينَ أنْ يَسمعوا هذا الكلامَ حقيقةً، فعندما يَسمعون مِن التلفاز أو مِن الجوال يَتيقّنون أنّ المحدِّث يتكلّم ويقول الأحاديث، ولكن لا عِبْرَةَ ولا أَثَرَ لهذا اليقين في حرمةِ قول السامع: (حدَّثنا) و(سمعتُ). وأوضحُ مثالٍ للتمييز بين اليقين بالكلام وبينَ صحّةِ قولِ (حدّثنا) هو القرآن الكريم، فنحن متيقِّنون قطعاً بأنّ رسول الله r قال ناقلاً عن الله U: (قل هو الله أحد)، ولكنْ لا يجوز لنا أن نقول: “سمعتُ رسولَ الله r”!، وهنا كذلك.
حكم السماع عبرَ وسائل التواصل المباشر العامّ: بعدَما استعرضنا الفروق بين وسائل التواصل المباشر الشخصيّ وبينَ العامّ نصلُ إلى النتيجة التالية:
لا يَصحُّ التلقّي والسماعُ عبرَ وسائل التواصل المباشر العامِّ، ولا يجوز للطالب أن يقول: (حدّثنا) و(سمعتُ) ونحوَها في هذه الحالة، حتى ولو نَصَّ صراحةً على أنه سَمِعَ عبرَ وسائل التواصلِ المباشر العامّ؛ وذلك سَدًّا لباب انعدامِ التمييز بين الصادق والكاذب بدليلٍ خارجيٍّ عن الـمُدَّعِي، وحتى ولو أَثْبَتَ سماعَه عبرَها بشهادة الثقات؛ لأنّ العلماءَ أجمعوا على عدم اعتبار التلقّي عبرَ خوارق العادة حتى ولو كنا مُتيقِّنين مِن صدقِ الـمُدَّعِي، والله أعلم.
المبحث الثاني: وسائل التواصل غير المباشر
المطلب الأول: التلقي من التسجيلات الصوتية أو المرئية:
المقصود بالتلقّي عبرَ وسائل التواصل غير المباشر _أي: التسجيلات الصوتية أو المرئية_ هو سماعُ التسجيلِ المحفوظِ لصوتِ الشيخِ أو مشاهدةُ التسجيلِ المحفوظِ بالصوت والصورة للشيخ.
حُكمُه: إذا كان التلقّي عبرَ وسائل التواصل المباشر فيه ما فيه مما استعرضناه في المبحث الأول السابق فإذاً لا شكّ أنّ التلقّي عبرَ وسائل التواصل غيرِ المباشر باطلٌ ولا يَصحّ أبداً مِن الناحية الحديثيّة سواءٌ كان سماعُ التسجيلِ في حياةِ الشيخ أم بعدَ وفاتِه، بل إنه لا يُقبَلُ الأخذُ به لا على سبيلِ التلقّي المباشر ولا على سبيل الإجازة عبرَ المراسلات نهائياً، ولا يُقبَلُ كلامُ أيِّ طالب علم ربَّما يأتي ويقولُ بقَبولها.
والدليلُ على هذا الحكم دليلانِ:
الأول: كلُّ ما سبق بيانُه (123F[115]) عندَ الكلام على وسائل التواصل المباشر.
الثاني: وهو الدليلُ القطعيُّ والكافي وحدَه والذي لا يَحتمِلُ خلافاً معتبَـراً: أننا إنْ قلنا بصحة التلقّي عن طريق التسجيلات فإنّ هذا يَعني نهايةَ علوم التلقّي والإجازاتِ والإسنادِ والرحلةِ والجرحِ والتعديل(124F[116])، التي هي مِن خصائص هذه الأمة، وكلُّ هذه العلوم مِن فرض الكفاية، فيَنبغي ويجبُ علينا أنْ نحافظَ عليها لأنها فرض كفاية ولأنها مِن خصائص هذه الأمة حتى نوصلها كالـمَحَجَّةِ البيضاء إلى مَن بعدَنا كما تَلقّيناها ممن قبلَنا.
أي: إذا قلنا بصحةِ التلقّي مِن التسجيلات فهذا يَعني أنْ نُسجِّلَ اليومَ لجميع العلماءِ الموجودين جميعَ الكتب، ثم ننشرَ هذا التسجيل، وبذلك تَنتهي الرحلة وينتهي الإسناد وتنتهي حاجتُنا لتمييز الراوي المقبول مِن غيرِه، كما ويمكن لأيّ شخص _حتى لو عاش بعدَ ألف سنة!_ أن يقول: “سمعتُ المحدِّث يقول قبلَ ألف سنة! الأحاديث التالية….”، وبذلك نكون قد ضحكنا على أنفسنا وخَدَعْنا عِلمَنا بأن قَبِلنا وصَحَّحنا السماعَ والتحديثَ والمشافهةَ بين رجلَينِ بينهما ألفُ عام! وهذا هو الانقطاعُ عينُه، فكيف نجعله مسنَداً متّصلاً ولو تَيَقّنّا من صحّة التسجيل؟! فهذا لا يختلف عن يقيننا بالمنقول بالتواتر، ومع هذا لا يصحّ أن نقول: “سمعتُ النبيَّ r يقول كذا” حتّى الأحاديثَ المتواترةَ لفظاً، أو حتى القرآنَ الكريمَ كما سبق (125F[117]).
مثلاً: هل يجوزُ اليومَ أن يَقبلَ طالبُ العلم بقولِ غلامٍ: “سَمِعتُ وحَدَّثَنا مُسنِدُ العَصر محمد ياسين الفاداني” المتوفى عام 1410هـ؟! لأنه سَمِعَ تسجيلاً له وهو يُملي الحديثَ المسلسلَ بالأولية(126F[118]).
ملحوظة هامة: كلامنا في هذا المطلب عن حكم التلقّي عبرَ وسائل التواصل غيرِ المباشر مِن حيثُ قَبولُه حديثيًّا أو رفضُه، ومِن حيثُ صحّةُ قولِ السامع: (حدّثنا) و(أخبرنا) و(أجازنا) ونحوَها مِن الناحية الحديثيّة وعِلمِ المصطلح وهذا الفنِّ، ولم نَتعرَّض نهائياً لموضوع أهمّيّة تسجيلِ دروس العلماء وضرورةِ نشرها ووجوبِ اهتمام طلابِ العِلم وعمومِ المسلمين بسماعها ومشاهدتِها، وحَبَّذا لو يُخصِّصُ بعضُ طلاب العلم رسالةَ ماجستير أو دكتوراه أو نحوَها للحديث عن أهمية هذا العمل وفوائده، كي يحرص الطلابُ والشيخُ على تسجيل الدروس ونشرها، وللحديثِ بالتفصيل عن المواقع المتخصِّصةِ بهذه التسجيلات، وكيفيةِ التعامل معها، إلى غيرِ هذه المواضيع البالغة الأهمية لجميع طلاب العلم في عصرنا.
المطلب الثاني: المراسلات المكتوبة:
ما المقصودُ بالمراسلات المكتوبة؟ المقصودُ أن تكون المراسلةُ بين الطالب وبين الشيخِ كتابةً عبرَ وسائل التواصل الحديثة، سواءٌ كان المكتوبُ الـمُرسَلُ حديثاً واحداً أو أكثرَ ولو كتاباً كاملاً(127F[119]) أم كان صيغةَ الإجازةِ كأَجَزْتُك ونحوِها، فالمهمُّ في هذا المطلب أن تكون المراسلةُ بالكتابة.
حكم المراسلات المكتوبة: واضحٌ أنّ أحكامَ المراسلةِ المكتوبةِ عبرَ الوسائلِ الحديثةِ وضوابطَها هي نفسُها أحكامُ المراسلةِ المكتوبةِ في العصورِ السابقةِ وضوابطُها، ما عدا أنه يجبُ اشتراطُ التأكّد مِن أمن المعلومات؛ وسببُ هذا الشرط أنه كان البريدُ سابقاً أميناً في إيصال الرسائل، حتى لو وُجِدَتْ خيانةٌ فهي نادرةٌ، فلا حُكْمَ لها، وأمّا في عصرنا فإنّ معرفة المتراسلِينَ عبرَ الإنترنت لأمنِ المعلومات ضروريٌّ بسبب تزايد الخيانات فيها كما سبق تفصيلُه (128F[120]).
المطلب الثالث: إعطاءُ الشيخِ الطالبَ نسخةً إلكترونيةً عن كتابه الـمُجازِ به:
المقصود بهذا المطلب أن يُعطِيَ الشيخُ للطالب نسخةً إلكترونيةً عن كتابه الـمُجازِ به الذي ضَبَطَه على شيخِه أو ضَبَطَه بنفسِه أو اعتمَدَه واختارَه مِن عِدَّةِ نُسَخِ مطبوعةٍ منشورةٍ، سواءٌ كانت النُّسخةُ الـمُعطاةُ بصيغةِ صورةٍ أو pdf أو Word أو غيرِها مِن الصِّيَغ الإلكترونية.
حكمُ هذا التلقّي: هذا النوع مِن التلقّي يأخذُ جميع أحكام المناولة وضوابطها، وهو مثلُها تماماً، ما عدا أنه يجب تَذَكُّر أنّ أخذَ نسخةٍ ورقيّةٍ مطبوعةٍ أفضلُ مِن أخذِ نسخةٍ إلكترونيةٍ؛ وذلك لثلاثة أسباب:
الأول: ما نَجِدُه مِن أنّ تَعَلُّقَنا النفسيَّ بالكتابِ المطبوعِ الوَرَقيِّ أقوى مِن تَعَلُّقنا بالنسخة الإلكترونية، وكذلك القراءةُ مِن الكتاب المطبوعِ أفضلُ وأَقوى أَثَراً مِن القراءة مِن النسخةِ الإلكترونية.
الثاني: كلّما زاد التَّعب والجَهْدُ في كتابة الكتاب باليد أو بذلِ ثمنِه كلّما كان النفعُ والانتفاعُ ونورُ العِلم أكثر.
الثالث: التزويرُ والكذب في النسخ الورقيّة أصعبُ وأقلُّ مِنه في النُّسَخِ الإلكترونية.
ويَلتَحِقُ بهذا المطلب ما لو وجدَ الطالبُ نُسخَةَ شيخٍ إلكترونيةً منشورةً على الإنترنت سواءٌ كانتْ نسخةُ الشيخ مخطوطةً أم مطبوعةً، فما حُكمُها مِن حيثُ التلقّي؟
الجواب: أحكامُها وضوابطُها هي أحكامُ الوِجادةِ نفسُها، مع مراعاة تزايد احتمالات التزوير في النُّسخِ الإلكترونية، ومع مراعاةِ تزايدِ انتشار النسخ الإلكترونية للمطبوعات والمخطوطات وسهولةِ الحصول عليها؛ لذلك فلا أنصحُ بالتعويل على هذه الوجادة ولا اعتبارُها إلاّ إذا وُجِدَتْ قرائنُ تُرَجِّحُ صحتَها، والله أعلم.
المطلب الرابع: المراسلات الصوتية والمرئية والمكتوبة:
ما المقصودُ بالمراسلات الصوتية والمرئية؟ بعضُ برامج التواصل عبرَ الأجهزةِ المحمولة والحواسبِ تُتيحُ إمكانيةَ تسجيل المحدِّث للرسالة الصوتية أو المرئية، وبعد الانتهاءِ مِن تسجيلها مباشرةً يتمّ إرسالُها خلال ثوانٍ كي تكون متاحةً للطالب، لِيَبدأ بسماعها أو رؤيتها، والعكسُ بالعكس.
هل تُعتبرُ المراسلاتُ الصوتيةُ والمرئيةُ مباشرةً أم غيرَ مباشرةٍ؟ المراسلاتُ الصوتيةُ والمرئيةُ غيرُ مباشرة؛ حيث إنه يتمّ تسجيلها، فإرسالُها، فسماعُها، وإن كان جهازُ الطرفِ الثاني مفتوحاً فإنه يتلقّاها بسرعة، وإن كان مغلقاً أو غيرَ مُتَّصِلٍ بخدمةِ التواصلِ فإنه يتلقّاها عندَ فتحه، وحتى عندما يَستقبلُها جهازُه فإنه لا يستطيعُ البدءَ بسماعها حتى يَنتَهيَ تحميلُها على جهازه، كما يمكن أن يَسمعَها فوراً أو أن يُؤجِّلَ سماعَها، فمِن كلِّ هذه الاعتبارات نجدُ بأنّ هذه الوسيلةَ تأخذ أحكامَ الاتصال غيرِ المباشر تماماً، ولكنّ سببَ السؤالِ بشأنها هو تَوَهّمُ إشكاليّةِ سرعةِ وصولِها فقط، ولا شكَّ أنه لا عِبرةَ بسرعةِ الوصولِ طالما أنه يَتِمُّ تسجيلُ الرسالةِ كاملةً ثم البدءُ بسماعِها ولو بعدَ ثانيةٍ أو أجزائِها.
ملحوظة: ثمة فرقٌ بين أن يسجّل الشيخُ الصوت ثم يرسله فيبدأ الطالب بالسماع مباشرةً بعدَ الانتهاء من التسجيل وبين أن يتكلّم الشيخُ فيسمعه الطالب، ولهذا الفرْقِ شبيهٌ في الفقه: فالماءُ القليلُ إذا كان راكداً فوقعتْ فيه نجاسةٌ قليلة فإنه ينجس ولو لم يظهر أثرُها، وأمّا لو كانت كمّيّةُ الماءِ نفسُها جاريةً في شلاّلٍ صناعيٍّ ووقعتْ النجاسةُ القليلةُ نفسُها في المكان الجاري ولم يظهرْ أثرُها فلا ينجس، كما هو معلومٌ.
حكم المراسلات الصوتية والمرئية والمكتوبة: المراسلاتُ الصوتيةُ والمرئيةُ والمكتوبة هي مراسلاتٌ غيرُ مباشرةٍ حتى ولو كانت قريبةً جدًّا مِن صورة المباشرة، لذلك فإنها تَدخُلُ ضمن أحكامِ المراسلات غير المباشرة في العموم.
هذا، وإنّ مَضمونَ المراسلاتِ الصوتيةِ والمرئيةِ والمكتوبةِ نوعان، ولكلِّ نوعٍ حكمٌ:
النوع الأول: أن يكون المضمونُ قراءةَ الشيخ للأحاديث أو للكتاب: وهذا النوعُ يأخذُ أحكامَ سماعِ التسجيلاتِ الصوتيةِ والمرئية، أي: لا يَصحُّ التلقّي عبرَها وهو باطلٌ مِن الناحية الحديثيّة، بل إنه لا يُقبَلُ الأخذُ بها لا على سبيلِ التلقّي المباشر ولا على سبيل الإجازة عبرَ المراسلات نهائياً.
النوع الثاني: أن يكون المضمونُ الإخبارَ عن الإجازة: مثل أن يكتبَ الشيخُ للطالب: (أجزتُك بكذا) ونحوَها مِن عباراتِ إجازةِ الشيخ للطالبِ، وهذا النوعُ يأخذُ أحكامَ المراسلاتِ المكتوبةِ، أي: تَصِحُّ الإجازة مِن الشيخ للطالب مع مراعاة أمن المعلومات.
المبحث الثالث: خلاصة ما سبق عن طريق السؤال والجواب:
الجواب: يَصحُّ السماع، ويجب تقييدُ التلقّي بذِكر وسيلة السماع، ولا يَخفى أنّ هذا السماعَ أَقلُّ مِن السماع مشافهةً مِن حيث البركةُ ونورُ العِلم، وقد سَبَقَ تفصيلُ الجواب (129F[121]).
الجواب: لا يَصحُّ السماعُ مطلقاً مِن النواحي الحديثية والتلقّي والإجازات والإسناد، ولكن لا تَخفى أهميّةُ سماع تسجيلات العلماء، وذلك لزيادةِ المعلومات وليس للإسنادِ وبركةِ التلقِّي مشافهةً.
جواب جميع هذه الأسئلة: يجبُ تطبيق جميع قواعد المصطلح وطُرُق التلقّي وكيفية معرفة الجرح والتعديل وطُرُق التَّثَبّت(130F[122]) على جميع العلماء وطلاب العِلم وفي قَبولنا للأخبار أو ردِّنا لها، وفي الحادثة التالية تأصيلٌ وتوضيحٌ مُختَصَرٌ لقولنا: “أعرفُ فلاناً” أو “لا أعرفه”:
شَهِدَ رَجلٌ عند عمر t بشهادةٍ، فقال له: لستُ أعرفكَ، ولا يَضرّكَ أن لا أعرفك، ائْتِ بمن يعرفكَ. فقال رجلٌ مِن القوم: أنا أعرفه. قال عمر: بأيّ شيءٍ تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل. قال: هو جارك الأدنى الذي تَعرف ليلَه ونهاره ومدخلَه ومخرجه؟ قال: لا. قال: فعامَلَكَ بالدينار والدرهم اللذينِ بهما يُسْتَدَلُّ على الورع؟ قال: لا. قال: فرفيقُكَ في السّفر الذي يُسْتَدَلّ به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا. قال: لستَ تعرفه. ثم قال للشاهد: ائْتِنِي بمن يعرفكَ(131F[123]).
وهذه القواعدُ والضوابطُ لا تَختلف من عصرٍ إلى عصرٍ ولا مِن مِصرٍ إلى مصرٍ، ما عدا بعض التساهل في مسائل: الضبط، والتقوى، ومخالفة العُرف، فيمكن أن تختلف اختلافاً مَقبولاً عندَ المحدِّثين باختلاف الزمان والمكان.
لذلك فلا يُقبلُ التوثيقُ اعتماداً على منشوراتٍ أو صورةٍ ونحوها، فسابقاً لم يكن العلماء يوثِّقون عالماً مِن خلال قراءة كتبه، واليومَ كذلك، بل اليومَ ازدادَ النفاقُ وتَطوّرَتْ وسائل الخداع والسرقة العلمية بشكل مهولٍ، وهذا يوجب التَّشدُّد في التوثيق وليس التراخي، وخاصةً أيضاً أنّ الإعلامَ بيد أعدائنا فيَرفعون الجاهلَ الضالَّ حتى يَظُنّ الناسُ أنه شيخُ الإسلام، ويَتجاهلون العالِمَ الحقَّ حتى لا يَعلمه الناسُ ولو جيرانَه.
ملحوظة: استقرأَ د. عواد الخلف آراء 182 طالب جامعي متخصّص في علوم الحديث، فكانت النتيجةُ كارثيّةً صاعِقةً، وسأنقل بعضَ النتائج مُؤَكِّداً على نتيجةِ أنّ الغالبيّة العُظمَى لا تربطُ بين عِلم الحديث وبين تطبيقه عمليًّا:
175 طالب، بمعدل: 96.1 % يؤيّد تغييرَ منهج تعلم علوم الحديث،
180 طالب، بمعدل: 98.01 % لا يَربط بين علوم الحديث النظرية وبين تطبيقه عملياً،
122 طالب، بمعدل: 67 % يَتذمَّر مِن أنّ الأستاذ لا يستخدم الوسائل الحديثة. (132F[124])
الجواب: نعم تَصحُّ الإجازةُ عن طريق المراسلة بالوسائل الإلكترونية، فهي مثل الإجازة عبرَ البريد القديم، وقد سَبَقَ تفصيله (133F[125])، والله أعلم.
الفصل الثالث: آداب التلقي والإجازات
المبحث الأول: آداب التلقي والإجازات عموماً
قبلَ سردِ آدابِ التلقّي والإجازاتِ عموماً لا بدّ مِن التأكيدِ على أنّ هذه الآدابَ ليستْ آداباً ومندوباتٍ وسُنناً يُفَضَّلُ الالتزامُ بها والعملُ بتعاليمها، بل هي آدابٌ يَجبُ العملُ بها، فإنْ تَرَكَ طالبُ الحديث ولو أدباً واحداً فإنه قد ارتكَبَ جُرماً شَنِيعاً وخَلَلاً عظيماً بميزان العِلمِ والعلماء، وهذه بعضُ الأدلةِ على هذه الفكرةِ الهامة:
طالبُ الحديثِ داعيةٌ إلى الله عموماً وإلى عِلمِ الحديث خصوصاً: فإذا كان صاحبَ خُلقٍ وأدبٍ استجابَ الناسُ لدعوته(134F[126]) وقَبِلُوا عِلمَه، وإنْ كان غيرَ ملتزمٍ بالآدابِ فتكفينا هذه الآيةُ لنعلمَ مدى تنفيرِ الناس مِن دين الله ومِن العِلم إنْ كنّا غيرَ مؤدَّبي الباطنِ، فما بالنُا بالظاهر؟! قال الله عزّ وجلّ: {ولو كنتَ فظًّا غليظَ القلب لانفضّوا مِن حولك} [آل عمران، 159].
نَصَّ العلماءُ على وجوبِ التزامِ طالبِ العِلمِ بآدابِ طَلَبِ العِلم: قال الحافظُ الخطيبُ البغدادي: “الواجبُ أنْ يكون طَلَبَةُ الحديث أكملَ الناسِ أدباً، وأشدَّ الخَلق تواضعاً، وأعظمَهم نزاهةً وتديُّناً… قال الإمامُ محمد بن عيسى الزجاج: مَن طلبَ هذا الحديثَ فقد طلبَ أعلى أمورِ الدنيا، فيجبُ أن يكون خيرَ الناس”(135F[127]).
بل فَضَّل العلماءُ الأدبَ على العلِم نفسِه: قال الحافظُ الخطيبُ البغدادي: “قال إبراهيم بن حَبِيب بن الشهيد: قال لي أبي: يا بُنَي! ايْتِ الفقهاءَ والعلماء، وتَعلَّم منهم، وخُذْ مِن أدبهم وأخلاقهم وهَدْيهم؛ فإنّ ذاك أحبُّ إليّ لكَ مِن كثيرٍ مِن الحديث… قال مَخْلَد بن الحسين: نحن إلى كثيرٍ مِن الأدب أَحوَجُ منا إلى كثيرٍ مِن الحديث”(136F[128]).
ففي هذا المبحث سأسردُ آدابَ طالبِ الحديث والإجازاتِ وآدابَ المحدِّث، وسأكتفي بالآدابِ الهامّة في عصرِنا وخاصةً المتعلقة بشكلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشر بتعاملنا مع وسائلِ الاتصال الحديثة، فلن أذكرَ آدابَ استعارةِ الكتب، ولا آدابَ التعاملِ مع الكاغَدِ والكتابِ المطبوع، ولا آدابَ المشي في الطريق، ولا كيفيةَ الوقوف على باب المحدِّث، ولا المشيَ على بساطِ الشيخ حافياً مع البدءِ بخلعِ اليسرى، ونحوها(137F[129])، وإنْ كانتْ تعطينا فكرةً عن مدى اهتمام العلماء ببيان أدقِّ تفاصيلِ آدابِ طَلَبِ العِلمِ وطالبِ العلم، وبيانِ تفاصيلِ الحالات، وعدمِ الاكتفاءِ بالكلام العامِّ.
وما سأنقله في هذا المبحث مأخوذٌ مِن كتابِ الإمامِ الحافظِ المؤرخِ أبي بكر الخطيب البغدادي المتوفَّى 463هـ (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)؛ لأنه أَعظَمُ وأَجمَعُ وأَقدَمُ كتابٍ في بابه(138F[130])، وسأكتفي بوضع رقم الجزء والصفحة في نهاية القول بين قوسين [ ] تقليلاً مِن الحواشي.
تصحيح النية: يجبُ على طالبِ الحديث أن يُخْلِصَ نيتَه في طلبه، ويكونَ قَصدُه بذلك وجهَ الله سبحانه وتعالى، قال إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي لِثُلَّة مِن طلاب الحديث: “مَن طَلَب َهذا العِلم لله تعالى شَرُفَ وسَعِدَ في الدنيا والآخرة، ومَن لم يَطلبه لله خَسِرَ الدنيا والآخرة” [1/83].
الحذر من التباهي بالعلم: فليحذر طالبُ العلم مِن أن يكون قصدُه اتّخاذَ الأتباع، وعَقدَ المجالس، والمفاخَرةَ بالعلم؛ فإن الآفة الداخلة على طلابِ العلم أكثرُها من هذا الوجه، قال النبيّ r: “لا تَعَلَّمُوا العِلمَ لِتُباهُوا به العلماءَ، ولا تُماروا به السُّفهاءَ، ولا تَـخَيَّــرُوا به المجالسَ، فمَن فَعَلَ ذلك فالنارَ النارَ” (139F[131]).
العَمَلُ بالعِلم: قال عليّ بن أبي طالب t: “يا حَمَلَةَ العلم! اعملوا به، فإنما العالِمُ مَن عَمِل بما عَلِم، ووافقَ عَمَلُه عِلمَه” [1/133]. وقال أبو رجاء مطر بن طهمان الوراق السلمي: “إنما يَنفعُ الله بالعِلم مَن عَلِمَه ثم عَمِلَ به، ولا يَنفعُ به مَن عَلِمَه ثم تَرَكَه”[1/133].
كفاية النفس والأهل من الكسب الحلال قبل طلب العِلم: كان أميرُ المؤمنين شيخُ عصره سيِّدُ الحفاظ الإمامُ الفقيهُ(140F[132]) سفيان الثوري يقول للذي يأتيه لطلبِ العِلم: “هل لك وَجْهُ معيشة؟” فإنْ أَخبَرَه أنه في كِفايةٍ أَمَرَه بطلبِ العِلم، وإنْ لم يكن في كفايةٍ أَمَرَه بطلب المعاش. [1/144]
حفظ القرآن أوّلاً: قال الوليد بن مسلم: “كنا إذا جالسنا الأوزاعي _فرأى فينا حَدَثاً_ قال: يا غلام! قرأتَ القرآن؟ فإنْ قال: نعم. امتحنَه، وإنْ قال: لا. قال له: اذهبْ تعلَّمْ القرآن قبلَ أن تطلب العلم” [1/160].
الاهتمام بالملبس والهيئة: قال إبراهيم: ” كانوا إذا أَتَوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى سَمْته، وإلى صلاته، وإلى حاله، ثم يأخذون عنه” [1/193].
الوَقار والهيبة والسَّكينة: قال مالك: “إنّ حقًّا على مَن طلب العلم أن يكون له وَقارٌ وسكينة” [1/232].
قلّة الضحك والمزاح: قال الخطيب البغدادي: “يجب على طالب العلم أن يتجنّب اللعب والعبث والتبذّل في المجالس بالسخف والضحك والقهقهة وكثرة التنادر وإدمان المزاح والإكثار منه، وإنّما يُستجازُ من المزاح يسيرُه ونادره وطريفه، الذي لا يُخرِجُ عن حد الأدب وطريقة العلم، فأما متصله وفاحشه وسخيفه وما أوغر منه الصدرو وجلب الشرّ فإنه مذموم، وكثرةُ المزاح والضحك تَضَعُ مِن القَدْر وتُزيلُ المروءة” [1/232].
حفظ اللسان عمّا لا يليق بطالب العلم: قال الحسن البصري: “كان الرجلُ يَطلبُ العلم، فلا يلبثُ أن يُرى ذلك في تَخَشُّعه، وهديه، ولسانه، وبصره، ويده” [1/216].
كثرة العبادة: قال سفيان بن عُيينة: “كان الشابُّ إذا وقع في الحديث احتسبه أهلُه”. قال أبو بكر: يعني أنه كان يجتهد في العبادة اجتهاداً يقتطعه عن أهله، فيحتسبونه عند ذلك. [1/217]
كثرة الصيام: قال وكيع: “كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم”(141F[133]).
قيام الليل: قال عاصم بن عصام البَيهقي(142F[134]): “بتُّ ليلةً عند أحمد ابن حنبل، فجاء بالماء، فوضعه، فلمّا أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله! رجلٌ يطلب العلم لا يكون له وِردٌ من الليل!” [1/217].
حضور مجلس الحديث مبكراً: إنْ كان مجلس الإملاء في غير وقت الفجر فإنّ مَن يحضُرُ إلى مجلس الإملاء قبلَ بَدْئِه بزمنٍ يَستَفيدُ وينتفعُ بالمنافع العِلميّة والبركة أكثر ممن يَحضُرُ عندَ البَدْءِ، فضلاً عن التأخّر.
البُكُور إلى مجالس الحديث: وإذا كان مجلس الإملاء في وقت الفجر فهذا أعظم بركة، والمطلوب فيه البُكُور، قال أحمد ابن حنبل: “كنت ربّما أردتُ البكور إلى الحديث، فتأخذ أمي ثيابي وتقول: حتى يُؤَذِّن الناسُ وحتى تُصبِحوا. وكنتُ ربّما بكَّرتُ إلى مجلس أبي بكر بن عيّاش وغيره” [1/224].
أدب الاستئذان على المحدِّث: قال الخطيب: “إذا وَجد الطالبُ الراويَ نائماً فلا ينبغي له أن يستأذن عليه، بل يجلس وينتظر استيقاظه، أو ينصرف إن شاء” [1/235]. قال ابن عباس t: “وجدت عامة علم رسول الله r عند هذا الحي من الأنصار، إنْ كنت لآتي الرجل منهم، فيقال: هو نائم، فلو شئت أن يوقظ لي لأوقظ، فأجلس على بابه تسفي الريح على وجهي التراب حتى يستيقظ متى استيقظ، فأسأله عما أريد، ثم أنصرف”(143F[135]).
لفظ الاستئذان: سئل أبو هريرة t: أَيُؤذَنُ للرجل يطلب الدخول ولم يقل (السلام عليكم) فقال: “لا، حتى يأتي بالمفتاح: السلام”(144F[136]).
التعريف بالنفس: قال جابر بن عبد الله y: “استأذنتُ على النبي r في دَينٍ كان على أبي، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أنا. فقال: أنا، أنا. كأنه كَرِه ذلك”(145F[137]).
طِيبُ النَّفْس إنْ لم يأذن المحدِّث: يستأذن الطالب على شيخه ثلاث مرات، فإنْ أَذِن له، وإلاّ رَجَعَ طيبةً نفسُه، وهنا يجب التأكيد على طيب النفس مع علمك بأن الشيخ موجود، ولا يَحتاجُ أن يعتذر منك أو أن يُبيّن لك سبب عدم إذنه لك، قال الله U: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور، 28]، واستأذن أبو موسى على عمر بن الخطاب ثلاثاً، فلم يُؤذَن له، فانصرف، فأرسل إليه عمر، فدعاه، فقال: ما شأنُك رجعتَ؟ قال: سمعت رسول الله r يقول: “مَن استأذن ثلاثاً فلم يؤذَن له فلْيرجع”(146F[138]).
تقديم الأكابر: كان الحسنُ بن صالح الهمداني الثوري وأخوه عليٌّ توأمين، فخَرَجَ الحسنُ من بطن أمّه قبلَ علي، ثم صارا عالِمَينِ ثقتَينِ صالحين مُستويَينِ في الفضل، فلم يَجتمعا في مجلسٍ إلاّ قَدَّمَ عليٌّ أخاه حسناً عليه في المجلس وفي الكلام(147F[139]).
تعظيم المحدِّث وتبجيله: قال الإمام البخاري: “ما رأيت أحداً أَوقَرَ للمحدِّثين من يحيى بن معين”[1/273]. وقال أبو عبد الله يحيى بن عبد الملك الموصلي(148F[140]): “رأيتُ مالك بن أنس غيرَ مرّة، وكان بأصحابه من الإعظام له، والتوقير له، وإذا رَفَع أحدٌ صوتَه صاحوا به، وكان إلى الأُدْمَة ما هو”[1/272]. وقال الخطيب البغدادي: “وإذا خاطب الطالبُ المحدِّثَ عظَّمه في خطابه” [1/273].
هيبة الطالب للمحدِّث: قال إسحاق الشَّهِيدي(149F[141]): “كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى أصل منارة المسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد ابن حنبل وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيامٌ على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم: اجلس. ولا يجلسون هيبةً له وإعظاماً” [1/277].
الاعتراف بحقِّ المحدِّث: قال شعبة: “إذا سمعتُ مِن الرجل الحديثَ كنتُ له عبداً ما حَيِيَ، فكلما لقيتُه سألته عنه” [1/288]. أي: كلّما رأى أحداً يعرف هذا الرجلَ الذي حدَّثه الحديثَ يسأله عنه ويذكر فضله عليه.
توقير مجلس الحديث: كان الطلاب يجلسون في مجالس الحديث مُوَقِّرين لها مُعَظِّمين لحُرمتها، حتى بلغ التعظيم في بعض مجالس العلماء أن يكونوا كأنهم في صلاة؛ فلا يتكلم أحد، ولا يتبسّم أحد، ولا يُبرَى فيها قلم، ومِن هذه المجالس مجلس عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي ووكيع بن الجراح. [1/291 بتصرّف]
حُسْن الإصغاء: قال الخطيب البغدادي: “أول ما يلزم الطالب عند السماع أن يَصمت ويُصغي إلى استماع ما يرويه المحدِّث” [1/292].
خفض الصوت وقتَ سماع الحديث: قال حَمّاد بن زيد(150F[142]): “كنا عند أيوب، فسمع لَغطاً، فقال: ما هذا اللغط؟ أمَا بَلَغهم أن رفع الصوت عند الحديث عن رسول الله r كرفع الصوت عليه في حياته؟!” [1/295].
اللطف عند سؤال الشيخ: قال الخطيب البغدادي: “وإنْ لم يبلغه صوت الراوي لِبعده عنه سأله أن يرفع صوته سؤالاً لطيفاً لا سمجاً ولا عنيفاً” [1/296].
عدم تكرار الاستفهام لغير ضرورة: قال وكيع بن الجراح: “مَن فَهِمَ ثم استفهم فإنما يقول: اعرفوني، إني أُجيد أخذ الحديث” [1/297].
عدم نقل خلاف قول الشيخ الفقهي أمامَه: قال الخطيب البغدادي: “ولا يَحكي عن غيره خلافَ روايته، قال علي بن أبي طالب t: ولا تَقولَنّ: قال فلانٌ. خلافاً لقوله” [1/300].
التركيز على الشيخ في الدرس: قال مِسعَر: “كنتُ في حلقة، فجعلتُ أَلتفتُ إلى حلقة أخرى، فقال لي رجلٌ منهم: ما فاتك من العلم أكثر” [1/301].
إخفاء المعرفة بما يقوله الشيخ: قال معاذ بن سعيد: “كنا عند عطاء بن أبي رباح، فتحدّث رجل بحديث، فاعترض له آخر في حديثه، فقال عطاء: سبحان الله! ما هذه الأخلاق؟! ما هذه الأحلام؟! إني لأسمع الحديث مِن الرجل وأنا أعلم منه، فأريهم من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً، ولقد سمعته قبل أن يولد” [1/303].
استشارة المشايخ في الأمور العلمية والخاصة: قال د. محمد عَجَاج الخطيب: “وهذه عادة أكثر طلاب الحديث في استشارة شيوخهم في رحلاتهم وخاصّة أمورهم” [المقدمة ص32].
عَقْدُ مجالس الإملاء للعامة: بدأتْ تزدهر مجالس الإملاء لطلاب العلم ولله الحمد، ولكن يجب أن لا نغفل عن عقد هذه المجالس للعامة أيضاً، وفي تاريخنا نجد أن بعض المجالس كان يحضرها عشرات الآلاف من الناس، ثم لم يخرج منهم إلاّ بضعةُ علماء، قال إسرائيل(151F[143]): “كَثُرَ مَن يطلب الحديث في زمن الأعمش، فقيل له: يا أبا محمد! ما تَرَى ما أكثرهم؟! قال: لا تنظروا إلى كثرتهم، ثُلثُهم يموتون، وثلثهم يلحقون الأعمال، وثلثهم: مِن كلِّ مائةٍ يُفلِحُ واحد” [1/170]. وعلينا أن ننشر العلم حتى لو زَهِد به الناس وتَوَجّهوا للملهيات، أخرج الخطيب البغدادي [1/306-307] أن عطاء الخراساني كان إذا لم يجد أحداً يحدِّثه أَتَى المساكين فحدَّثَهم، وأنّ إسماعيل بن رجاء كان يجمع الصِّبيان فيحدِّثهم، وأنَ وكيعاً كان يذهب إلى العمّال وقتَ فراغهم ليُحدِّثهم متواضعاً، وأنه كان يقول: “هؤلاء قومٌ لهم معاشٌ لا يقدرون يأتوني”. وأنّ أبا عبد الله محمد بن فراس العَطّار قال: “كان الوليد بن عتبة الأشجعي يقرأ علينا في مسجد باب الجابية(152F[144]) مصنَّفاتِ الوليد بن مسلم، فكان رجلٌ يجيء وقد فاته ثلثُ المجلس، ربعُ المجلس، أو أقلُّ، أو أكثرُ، فكان الشيخ يعيده عليه، فلمّا كثر ذلك على الوليد بن عتبة منه قال له: يا هذا! أيُّ شيءٍ يلبث بك؟ الله محمود(153F[145])، لئن لم تَجِئ مع الناس من أوّل المجلس لا أعدتُ عليك شيئاً. قال: يا أبا العباس! أنا رجلٌ مُعيلٌ، ولي دكانٌ في (بيت لِـهْــيَاْ)(154F[146])، فإنْ لم أشترِ لها حُويجاتِها مِن غُدوةٍ، ثم أغلق، وأجيءُ أعدو، وإلاّ خشيتُ أن يفوتني معاشي. فقال له الوليد: لا أراك ها هنا مرةً أخرى. فكان الوليد بن عتبة يقرأ علينا المجلس، ويأخذ الكتاب، ويمرُّ إلى بيت لِـهْـيَـاْ حتى يقرأ عليه المجلس في دكانه”.
ولا يَتَّسِعُ الـمَقامُ لذِكرِ سائرِ الآداب، على أنّها جميعَها بالغةُ الأهميّة، لذلك سأسردُ بعضاً ممّا بَقِيَ سرداً، فمِن الآدابِ أيضاً: (إذا روى المحدِّثُ حديثاً فعَرَضَ للطالب في خلالِه شيءٌ أراد السؤال عنه أنْ لا يسأله عنه في تلك الحال، بل يصبرُ حتى ينهيَ الراوي حديثه، ثم يسأل عمّا عرض له). (لِيَتَجَنَّبْ الطالبُ سؤالَ المحدِّث إذا كان قلبُه مشغولاً). (ولا ينبغي أن يسأله التحديثَ وهو قائمٌ ولا هو يمشي؛ لأنّ لكلّ مَقامٍ مَقالاً، وللحديثِ مواضعُه). (ولْيُحسِنْ كيفيّةَ السؤال وتعيينَ المسؤول عنه). (وإذا أجاب المحدِّثُ الطالبَ إلى مسألته وحدَّثه، فيجبُ أن يأخذ منه العفو ولا يُضْجِره؛ فالإضجارُ يُغَيِّرُ الأفهامَ ويُفسِدُ الأخلاقَ ويُحيلُ الطِّباع). (الرِّفقُ بالمحدِّث واحتمالُه عندَ الغضب). (ينبغي للطالب أن يَعرفَ عُيونَ عِلم الشيخ قبل أن يسألَه؛ كي يسألَه عنها ويَدَعَ الضعيفَ ونحوَه مِن عِلمه). (ينبغي كتابة العِلم وتقييدُه). (لكيفية الحفظِ عن الشيخِ طُرُقٌ وأساليب). (مذاكرةُ المحفوظات بين الطلبة). (إعارة الكتب لِمَن يحافظُ عليها ويُعيدُها عاجلاً، وعدم البخل والامتناع، مع ضبطِ الإعادة وتقييدِها، ثم يَشكرُ المستعيرُ المعيرَ). (يُحسنُ الخطَّ والكتابة بما يحافظ عليه ولو طال الزمن وضعف البصر). (يلتزمُ بآداب الكتابة مِن مثل: التسمية والحمدلة والصلاة على النبي r كاملةً وذكر أحبّ أسماء الشيخ وتاريخ الكتابة والبلاغات ونحوها). (ضبط الشيخِ للطلاب، وضبطُ الطلاب لبعضهم، والمحافظةُ على هذا الضبط). (التزامُ قواعد الإملاء والكتابة وآدابها). (تَقييد الأسماء والكلمات بالشَّكلِ والإعجام، والحذر مِن الأخطاء والتصحيف والإيهام). (معارضةُ ما كتبه على سائر الطلاب). (يجب بعد الفراغ مِن نسخِ الكتاب معارضتُه مع الأصل؛ فإنّ ذلك شرطٌ في صحة الرواية من الكتاب المسموع، وكلّما كثرتْ التعليقاتُ والتصويباتُ كان أوثقَ). وأَكتَفي بهذا المقدار القليل مِن الآداب، فإنّ هذا المبحث يحتاجُ رسالةً كاملةً، والله أعلم.
وأختم هذا المبحث بكلامٍ جامعٍ بليغٍ لإمامِ الفصاحةِ والعلم، وكلّما أَعدتُ قراءته أَتأثّرُ وأَفهمُه أكثر، قال علي بن أبي طالب t: “يا طالبَ العِلم! إنّ العِلم ذو فضائلَ كثيرةٍ: فرأسُه التواضع، وعينُه البراءة مِن الحسد، وأُذُنه الفهم، ولسانُه الصدق، وحفظه الفحص، وقلبُه حسن النية، وعقلُه معرفة الأشياء والأمور الواجبة، ويده الرحمة، ورِجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقرُّه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلمة، وسيفه الرضى، وقوسه المداراة، وجيشه محاورة العلماء، وماله الأدب، وذخيرته اجتنابُ الذنوب، وزاده المعروف، وماؤه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه صحبة الأخيار” [1/142].
المبحث الثاني: آداب التلقي والإجازات عبر وسائل التواصل الإلكترونية
ثمة آداب تتعلق بوسائل التواصل الإلكترونية فقط، ولا شك أنها آداب لم تكن قبل وجود هذه الوسائل، ولكنها تندرج تحت عموميات آداب تعامل المسلمين فيما بينهم أو آداب طلاب العلم، وفيما يلي ذكرٌ لبعضها:
التأكيد على تطبيق جميع الآداب العامة للتلقي والإجازات: وسبب التأكيد هذا أنّ بعضَ طلاب العلم يَسهُل عليهم التقيّد بالآداب العامة في الحياة الواقعيّة، ولكنْ فيما يظهر واضحاً أنه نفسَه يَهون عليه تركُ هذه الآداب عندما يكون في البيئة الافتراضية وهو يجلس في غرفته الخاصة مثلاً، والحقيقة أنه يجب التقيد بجميع آداب طلب الحديث وآداب الحوار والمراسلة والتواصل في جميع الحالات والأزمنة والأمكنة كما سبق بيانه (155F[147]).
التقيد بقوانين وسيلة التواصل الاجتماعي: لكل صفحة أو موقع أو منتدى ونحوها قوانين وضوابط يضعها المسؤولون، فينبغي التقيد بهذه القوانين وعدم تجاوزها مهما كان سبب التجاوز مهمًّا بنظر المتجاوِز، إلاّ في حالات نادرة للغاية بحيث إن الغالبية العظمى ارتاحت لهذا التجاوز ورأته ضرورياً فعلاً.
عدم نشر أي شيء لا علاقة له بشكل مباشر بتخصّص الصفحة أو الموقع: وهذا الموضوع بالغ الأهمية وكثيراً ما يتمُّ تجاهله، وللأسف فإنه شديد الإزعاج للكثير ومع هذا يمارسه البعض بكل بساطة، بل ربما يبرّر لنفسه خطأَه بمبررات أقبح من الخطأ، فمثلاً: نشر أحد طلاب العلم على موقع متخصص بالإجازات والإسناد (فيديو) لإقامة حدّ الزنا، فبدأتْ التعليقات والنقاشات، ثم بدأ عدة أشخاص بالتذكير بأن المنشور خارج موضوع المجموعة، ولكنّ الغريب أن الناشر أصرّ على أنّ المنشور من صُلْب موضوع الإجازات!!! وعلّل رأيه بأنّ ثمرة العلم العمل.
مراعاة فارق التوقيت: إذا كان الشيخ والطالب في مكانَينِ مُتقارِبَينِ زماناً فلا شكَّ أنّ الطالبَ لن يتواصل مع الشيخِ في وقتٍ غير مناسبٍ، كوقتٍ مبكِّرٍ أو متأخِّرٍ أو في أوقاتِ الصلوات جماعةً، ولكنّ المقصودَ هنا التنبيه على المكانَينِ المتباعِدَينِ زماناً، فما أَسْهَلَ أن يُخطِئَ الطالبُ في هذه الحالة.
إرسال رسالة قبل الاتصال: يحسنُ بالطالبِ إرسالُ رسالةٍ عبرَ الإنترنت أو الهاتف، يَذكُرُ فيها اسمه كاملاً مع سائر المعلوماتِ التي يَرَى أن الشيخَ يرغب بمعرفتها باختصارٍ عموماً مع كونِها مناسبةً لتَمهيدِ التواصل بعدَها.
التحدث مع ابن الشيخ أو أحد تلامذته قبل التواصل معه: يحسنُ التواصل مع أحد الـمُقَرَّبينَ من الشيخِ والتنسيقُ معه قبلَ التواصل مع الشيخ، وذلك بما يناسبُ مراعاةَ قمّة الأخلاق مع وُرَّاثِ النّبوّة.
المبحث الثالث: أخطاء طلاب الحديث في تعاملهم مع وسائل التواصل الحديثة:
توطئة خاصة بهذا المبحث: جاء في المقدّمة: “فمِن الممكن أن نشهد انقراضاً لهذا العِلم في السنوات القليلة القادمة”(157F[148])، وأظنّ أن بعضَ طلاب الحديث الذين قرؤوا هذا التحذير صُدِموا مِن مستوى خطورته، بل ربّما أنكروه ورَدُّوه؛ لذلك جاءت هذه التوطئة الهامة قبل البدء بموضوع المبحث، وهذه التوطئة تشمل فكرتين اثنتين:
الفكرة الأولى: إنّ البناءَ كَمَا يحتاجُ بنّائينَ كذلك يحتاجُ حَفَظَةً له مِن الـمُخرِّبين، وإلاّ لن يكتمل البناءُ ولن يبقى، وهكذا علمُ الحديث، لقد علا بناؤُه وارتفع شأنُه وعظمت مكانتُه واشتدّ ساعدُه، وكلُّ هذا ما كان ليتمّ لولا همّةُ العلماءِ في البناء وأيضاً لولا هِـمَّـتُهم في الدفاع عنه وحفظِه مِن الـمُخَرِّبين الهادمين له ولو كانوا مِن الصالحين(158F[149])، ولا أَوضحَ في هذا المعنى مِن قول الإمام الشافعيّ بأنّ سببَ وجودِ وبقاءِ عِلم الحديث في العراق هو شعبةُ، فلماذا؟ قال الإمام الشافعيُّ: “لولا شعبةُ ما عُرِفَ الحديثُ بالعراق؛ كان يجيءُ إلى الرَّجلِ فيقول: لا تُحَدِّثْ، وإلاّ استعديتُ عليك السلطانَ”(159F[150]). وقد عَقَدَ الخطيبُ البغدادي فصلاً كاملاً بعنوان: (ذكرُ ما يجب على الحفّاظ مِن بيان أحوال الكذّابين، والنكير عليهم، وإنهاء أمرهم إلى السلاطين) (160F[151]). وجميعُ عِلم (الجرح والتعديل) يَدخلُ تحت هذه الفكرة، بل بَلَغَ العِقاب لِمَن يحاولُ هدمَ صَرْحِ عِلم الحديثِ إلى قتلِه شرَّ قِتلةٍ والقاتِلُ أصحابُ الحديثِ وليس السلطانَ!!، قال بِشرُ بنُ موسى الأَسَدِيّ البغدادي: “سمعتُ يحيى بن معين يقول: ويلٌ للمحدِّثِ إن اسْتَضْعَفَه أصحابُ الحديث، قلتُ له: يَعملُون به ماذا؟ قال: إنْ كان كذوباً سَرَقُوا كُتُبَه، وأَفسدوا حديثَه، وحَبَسُوه وهو حاقنٌ حتى يأخُذَه الـحَصْرُ [أي: بَوْلُه الـمَحبوس]، فيَقتلوه شرَّ قِتْلَةٍ” (161F[152]).
الفكرة الثانية: إنّ كثرةَ الكذب والتّزوير تؤدِّي لتكذيب الجميع ورفضِ الكلّ، حيث سيُعامَل الجميعُ معاملةً واحدةً سواءٌ الصادقُ والكاذبُ أو الأصليّ والـمُزَوَّرُ، وكي تتضح الفكرة فسأضرب مثالاً واحداً(162F[153]) مشابِهاً حَدَثَ فِعلاً ولكنْ في موضوع مغايرٍ لموضوع بحثنا:
سأضربه مِن سوريا على الرغم مِن أنه ينطبق على جميع دول العالم بلا استثناء؛ لأنني شاهدُ عِيانٍ على بضعِ أمثلة منها، فمِن المعروف أن جميع الشهاداتِ الدراسيةِ التي تُصدِرُها سوريا مقبولة حتى الآن، وهذا على الرغم من وجود آلاف حالات الغشّ على مختلف الأصعدة، ابتداءً مِن غشّ الطالب بإدخال ورقةِ معلوماتٍ مخفيّةٍ إلى قاعة الامتحان، وانتهاءً بالحصول على شهادة العالميّة (الدكتوراه) مِن أرقى جامعات سوريا _ وهي جامعة دمشق _ مِن طلابٍ سَلَّمُوا ثبوتيّاتهم ثم استَلموا الشهاداتِ على طاولةٍ في مَرْقصٍ بضواحي دمشق مِن غير أن يكون لهم أيُّ صلةٍ بأيِّ دراسةٍ، ومع هذا كلِّه فإن جميع الشهادات السورية الرسمية معتَرَفٌ بها في أصقاع الأرض، لماذا؟ لأن نسبة هؤلاء الغَشَشَة مقارنةً مع الطلاب النظاميين ضئيلةٌ جدًّا جدًّا، حتى إنها لا تكاد تُذكَر أو تؤثِّر، الآن _وبعدَ كلِّ هذا التوضيح المتَّفق عليه فيما أظنّ_ أصلُ إلى ما أريد التشبيه به فيما يتعلّق بموضوعنا، فقبل قرابة العقدَينِ مِن الزمن تمّ بيع الأسئلة لأعداد كبيرة نسبياً مِن الطلاب؛ لذلك لم تعترف كثير من الجامعات العالمية بالشهادة الثانوية السورية في تلك السنة فقط، لماذا على الرَّغم مِن أنهم يعترفون بجميع الوثائق السورية للنظام نفسِه منذ ما قبلَ هذه الحادثة بثلاثة عقود وحتى يومنا هذا؟
الجواب: لأنّ في هذا العام بالذات ارتفعتْ نسبةُ الغِشّ إلى مستوياتٍ غير مقبولة.
ما وجهُ الاستشهاد؟ وأين مكان الشاهد؟ وما سببُ هذا التمثيل والقياس؟ الجواب: لما كان الغشّ ضِمْنَ نسبٍ ضئيلةٍ تَقبّل العالَم هذا، فلمّا ارتفتْ النسبةُ رفضوا جميع الشهادات سواءٌ منها المغشوشُ والصحيحُ.
وهذا الحالُ نفسُه للإجازات والتلقّي، فقد كان الغشّ والكذبُ موجوداً منذُ عصرِ التابعين حتى ما قبلَ بضع سنوات فقط، ولكنه لا يؤثر على قَبول إجازاتِ الصادقينَ، بل حتّى المستورينَ، مع رَدِّنا لِما فيه شبهةٌ أو دليلٌ على كذبه، ولكنّ الكارثةَ _ والتي رأيتُها بنفسي وما أزال أراها تَتّسعُ _ أنّ طلاّب الحديث لا يتعاملون مع وسائل الاتصال الحديثة وفقَ قواعد التحديث والتلقّي، وأنّ نسبةَ الخداع والكذب تَزدادُ يوماً بعد يومٍ بشكلٍ مُضطردٍ، فإن استمرّ الحالُ هكذا فسيأتي يومٌ قريبٌ جدًّا ترتفعُ نسبةُ الكذب حتى تَصلَ لرفضِ جميع الإجازات دونَ تمييزٍ بينَ راوٍ صادقٍ عَدلٍ وبينَ راوٍ كذاب؛ لأن المشكلة لن تكون في الراوي بل ستكون في النسبة المرتفعة باضطرادٍ في الإجازات المزوّرة.
نَعم، إنّ الله يَحفظُ دينَه، ولكنْ أيضاً سيأتي زمانٌ يَرفعُ الله فيه العِلم، فعَلينا العملُ بكلّ طاقتنا ليَزدهرَ علم الإجازات، ولْنحذرْ أنْ يقول أبناؤنا: “في عصر آبائنا انتهى علمٌ خاصٌّ بهذه الأمة”، اللهَ اللهَ أيها السادة العلماء ويا طلاب العلم بهذا الجزء مِن ديننا.
وقبلَ إنهاء الكلام حول هذا التمهيد سأضربُ مثالاً يُنذِرُ بالخطر الذي أوضحتُه الآن: يوجد موقعٌ(163F[154]) خاصّ بالإجازات وفيه بضعة آلاف من طلاب العلم، أعلن منذ فترة قريبة جداً عن مجلس يذاع مباشرة عبر وسائل الاتصال الحديثة، حيث سيقرؤون صحيح مسلم كاملاً على شيخ عنده إجازة بالقراءة لبعضه وبالإجازة العامة لسائره، وبعد أن قرؤوا عليه جزءَه المقروء أعلنوا عن انتهاء الأحاديث التي تلقّاها الشيخ بالقراءة وبدء المتلقَّى بالإجازة العامة، فقال الشيخ: بل عندي سماع لنصف صحيح مسلم، فاستمروا حتى النصف، ثم قال لهم: بل عندي سماع لكامله، فاستمرّوا بالقراءة حتى أنهوه، ثم أعطَوا إجازة لجميع مَن قال بأنه حَضَرَ المجلس، وهكذا سيقول الجميع بأنهم سمعوا صحيح مسلم كاملاً على فلانٍ الذي سمعه كاملاً ….إلخ، والذي يُنذر بالكارثة التي نتحدّث عنها _ وهي عدمُ تطبيق قواعد المصطلح على وسائل التواصل الاجتماعية _ أنّ الجميع قَبِلُوا هذه الإجازة بلا أي مشكلة، ولكنْ بعد انتهاء كل شيء كتب طالبُ علم موفّق ومنتبهٌ لهذه الطامّة: “إن حكم هذا الشيخ أنه ثقةٌ تَغيَّرَ بأَخَرَة، ولا تصحّ إجازته الآن؛ لأنه فَقَدَ شرط الضبط”، فمَا كان مِن جميع المنتسبين للمجموعة _وبمن فيهم مسؤولُها، وهو مشهورٌ بالعلم والفضل والصلاح، ومتخصِّص بعلم الأسانيد_ إلاّ أن ردّوا عليه كلامه، وثبَّتوا صحة الإجازة بالسماع!!!
هذا المثال صارخٌ وواضحٌ على خطر هذه المسألة إنْ لم نعالجها بحسب ضوابط علماء هذا الفن.
وبعد أن انتهينا من هذه التوطئة الهامة نبدأ بموضوع مبحثنا الحالي، وهو (أخطاء طلاب الحديث في تعاملهم مع وسائل التواصل الحديثة):
بما أنه (وبضدِّها تتميزُ الأشياء)، وبما أنّ أهمّ أدبٍ من آدابِ طلاب الحديث تجنّبُ الأخطاء والمذمومات، لذلك سأذكر في هذا المبحث جملة من الأخطاء أو المذمومات التي رأيتها من بعض الإخوة الأفاضل في مواقع التواصل الاجتماعي، ولن أميّز بين الخطأ الفاحش وبين الخطأ الطفيف؛ لأن الكلّ خطأٌ، وهو غير مقبول بل فاحشٌ عندما يصدر من طلاب الحديث(164F[155])، فإليكموها:
الخروج عن علوم الحديث: يتساهل بعض مسؤولي المواقع الإلكترونية بحذف المنشورات التي لا علاقة لها بموضوع موقع التواصل الاجتماعي أو بالمنشور الحديثي، مثلاً: الدعاية لتمويل صالون رياضي للنساء، وهذا التساهل يسبب ابتعاد طلاب الحديث والعلم عن هذه المواقع؛ لأنهم دخلوا هذه المواقع لطلب الفائدة الخاصة بعلم الحديث، فعندما تعطيهم فوائد لا تتعلق بما دخلوا من أجله فإنهم لن يتشجعوا على الدخول ثانيةً، وهذا موضوع يتّفق عليه جميع طلاب العلم، ولكنني أحببت التنبيه عليه؛ لأنه قد تساهل معه بعضُ مَن هو مقتنع به، حتى وصل لفشل الموقع بالكامل، بل ربما صار ينشر نقيض رسالته!!!، وهذا الخطأ منتشر في جميع الصفحات التي رأيتها بلا استثناء!!!(166F[156])، فمثلاً: مجموعة (غرفة أهل الحديث و الأثر لمجالس السماع على النت عبر برنامج الأنسبيك) وعلى الرغم من وجود قرابة 1200 عضو فيها وعلى الرغم من نشاط المجموعة في النشر إلاّ أنني وكثيراً من طلاب الحديث قد تركنا هذه المجموعة؛ لأن المسؤولين تساهلوا بنشر ما لا يمت لهدف المجموعة بصلة، حتى وصلوا الآن إلى أن الصفحة تنشر الدعايات والمشاركات المختلفة، بل نادراً ما يتم نشر منشور يتعلق بعلم الحديث!، وهذا إذا تجاوزنا منشورات الأخوات اللائي يضعن صورتهن الشخصية بغير حجاب!
نشر بعض الطلاسم والكلامِ غيرِ المفهوم: مثلاً(168F[157]): نشر أحد طلاب العلم كلاماً عن الإعجاز اللغوي لم أفهم منه شيئاً سوى صفّ الكلمات والجمل.
عرض ما فيه إساءة لديننا: مِن المعلوم أنه في كل موقع إلكتروني فإنه توجد مساحة مخصَّصة لعرض ما يريده مسؤولو الموقع بشكل دائم، فمثلاً: في المجموعات على صفحات الفيسبوك يوجد منشور مثبَّتٌ دائماً في أعلى الصفحة، وهذا مفيد جداً في توضيح أهم فكرة للمجموعة، ولكن المشكلة عندما يطول هذا المنشور مع احتوائه على صورة كبيرة، فحينئذ تقل نسبة الراغبين في تصفح المجموعة أو الانتساب إليها.
ويمكن تصنيف هذه المشكلة بثلاثة أنواع، ولكلّ نوعٍ حلّ:
النوع الأول: الصفحات الخاصة بالكامل، وهذا النوع يسهُلُ ضبطُه، فما على المسؤولين إلاّ أخذُ هذا التنبيه بقوة، مثال هذا النوع لصفحة مضبوطة بشكل ممتاز: (غرفة رواية لبث مجالس السماع).
النوع الثاني: الصفحات الخاصة بالكامل ولكنها متعاقدة مع Google مثلاً لتنشر إعلاناتها في الصفحة، فعليهم أن يتابعوا الإعلانات؛ كي يحذفوا ما لا يتناسب مع أخلاق المسلمين.
النوع الثالث: الصفحات التي يُنشؤها أصحابها على مواقع تَنشر ما تشاء على هذه الصفحات، مثل صفحات الفيسبوك، وصفحات اليوتيوب، وفي هذه الحالة تكمن المشكلة الحقيقية لما أتكلم عليه في هذا التنبيه، وحالياً لا يوجد أي حل فردي لهذه المشكلة(170F[158])، ولكني أرجو من جميع مَن يقرأ كلامي هذا أن يرسل رسالة إلى إدارة الشركة المستضيفة يُعبِّر فيها عن رغبته في تقييد الإعلانات على صفحته بنوعٍ يتناسب مع دين المسلمين وعاداتهم(171F[159]).
قلّة اتباع القواعد الصحّيّة: ثمة قواعد صحية للتعامل مع الحاسب والمحمول والجوال، وللأسف فإن بعض طلاب العلم بعيدونَ عن الاهتمام بهذه القواعد الصحية، لذلك أرجو منكم معرفة جميع القواعد الصحية للتعامل مع جميع وسائل التواصل الحديثة، وهذا موضوع واسع ويحتاج صوراً لتوضيحه، وليس من صُلب موضوعنا؛ لذلك سأكتفي بهذا التنبيه مُؤَكِّداً أنّ التقصيرَ في هذا الباب ربّما أدَّى للعمى أو آلام الظهر أو غيرِها مِن آلاف الأمراض، ولاتَ ساعةَ مَندَمِ.
كثرة الأخطاء الإملائية والنحْوية: إن الكتابة الصحيحة لغةً ونحْواً بالغةُ الأهمية لعِلم الحديث على الرغم من أنه عِلم مختلف، ولكنّه يعطي فكرة عن جهل طالب الحديث بأهم علوم الآلة لدراسة علوم الحديث، فكيف إذا علمنا بأن أغلب المنشورات والتعليقات تحتوي على هذه الأخطاء! وليس من العذر المقبول أن يقول الخاطئ: “إنني أحسن الكتابة الصحيحة ولكنني أفعل ما يفعله سائر الناس”، بل إنّ اللائق بطلاب الحديث _وخاصةً في صفحات التواصل_ أن يكون كلامهم وكتابتهم فيها من الفصاحة والبلاغة ما يُظهِر فضلَهم وأهليّتهم لقيادة الأمة وإنارة طريقها.
كتابة اسم طالب الحديث بغير اللغة العربية: بعض طلاب العلم يكون اسمهم مكتوباً بغير حروف اللغة العربية، وهذا نوعٌ من الغُربة عن لغة القرآن والحديث والأمة، ومَظهرٌ مِن مظاهر الاستعمار الفكري، ودليلٌ مِن أدلة ضَعف الاعتزاز بلغتنا وتاريخنا وحضارتنا، ولا أستثني من هذا إلاّ حالتين:
الأولى: مَن كان يعيش في بيئةٍ غير عربية، أو كان أغلب متابعيه لا يقرؤون الحروف العربية، وهنا أُثنِي على الذين يكتبون اسمهم بالحروف العربية حتى في البيئةِ غيرِ العربية.
الثانية: مَن لم يقبل البرنامجُ أو المضيفُ اسمَه بالحروف العربية.
التوسّع الزائد في قَبول أنواع ضعيفة من التلقي: قبْلَ ضَرْب أمثلة لهذا التوسّع لا بدّ مِن التنويه إلى أن الأنواع الضعيفة من التلقي كانت ضعيفةً في السابق، وكان العلماء يتجنبونها كما سبق(172F[160])، ولكنْ الآن ينبغي تأكيد تَجنّبها وزيادة إضعافها، بل ردّها وعدم اعتمادها؛ وذلك لأنها سابقاً كانت غير مؤثرة على أنواع التلقي القوية المعتمدة، أمّا في عصرنا فإننا إذا اعتمدناها ولو بصيغة الضَّعف فإنها ستكون سبباً قويًّا في إضعاف الأنواع القوية مع تقوية الميوعة في طلب الإجازات والإسناد بالإضافة لعدم استطاعتنا ضَبْطَ هذه الإجازات، فمثلاً: الإجازة العامة لأهل العصر، هذه من الإجازات الضعيفة سابقاً، وينبغي أن لا تكون معتمدة الآن أصلاً، مثلاً: ذكر منشورٌ الإجازةَ العامة للسيد علوي بن عباس المالكي رحمه الله، فتهافتَ طلابُ العلم للبحث عن تاريخها كي يُثبتوا إجازةً لأنفسهم من الشيخ، فإذا استقرّ الحال على قَبول أمثال هذه الإجازات الضعيفة وانتشر اعتمادُها فإننا ربما نصل إلى عدم النظر في كل علم الإجازات والتلقي، والاكتفاء بمعرفة أطول المسلمين عمراً كي نأخذ منه أعلى الإجازات!
عدم تقيّد الرجال بضوابط الإسلام في التعامل مع النساء: معلومٌ أن الإسلام قيّد تواصل الرجال مع النساء بقيود وضوابط تفصيليّة، وأنه فصَل بين الرجل وبين النساء عموماً، وجرتْ العادةُ على تقيّد الرجال بهذا وخاصةً طلاب العلم، ولكنّ هذه الضوابطَ بدأتْ تُتجاوز في وسائل التواصل الحديثة، وبدأتْ المحرَّماتُ تسري حتى بين طلاب العلم وبين طالباته، وهذا وإنْ كان نادراً حتى الآن _ولله الحمد_ إلاّ أنّ خطورتَه وسهولةَ الانزلاق به حثّاني على التأكيد عليه، ولعلّ سبب هذا التساهل يكمن في أن بيئة التواصل الإلكترونية هي بيئة افتراضية وليست حقيقية، لذلك نشاهد بعض طلاب العلم يكلّم المرأةَ ويضاحكها ويمازحها بالكلام أو بالكتابةِ وبينَهما آلافُ الكيلومترات، ولعلّه ولعلّها لو جلساْ في مجلسٍ حقيقيٍّ لغَلبَ الحياءُ عليهما، ولكنّ هذا ليس مبرِّراً.
الخلوة الإلكترونية: معلومةٌ أحكامُ خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، ومعلومةٌ أحكام تعامل الرجل معها، فكلُّ هذه الأحكام عندَما يكونانِ في مكانٍ حقيقيٍّ، ولكنّ الذي أريد التحذيرَ منه هنا أنّ الخلوةَ كما تكون في المكان الحقيقيِّ كذلك تكون في المكان الإلكترونيّ، والمقصودُ بالخلوة الإلكترونية: أن يكون الرجلُ وحيداً مع جهازه ويتواصلَ مع المرأة الأجنبية الوحيدةِ مع جهازها، فهذا التواصلُ بهذه الحالةِ مِفتاحٌ لشَرٍّ مُستَطيرٍ وفاتحةٌ لبابِ فتنةٍ عريضةٍ وبدايةٌ لانحرافٍ لم يُحِبّاه ولم يَتَوقّعاه، وما أكثرَ الأمثلةَ، فالحذرَ الحذرَ.
مشاهدة صور النساء: معلومٌ حكمُ النظر إلى النساء، ولكنّ سهولة النظر عبر الإنترنت بالإضافة لإمكانها بدون اطلاع مخلوقٍ حثّاني على التأكيد عليه(175F[161]).
المجاملات الاجتماعية بين المحارم: معلومٌ أن صلة الرحم مِن أعظم الطاعات، وأنّ لها ضوابط شرعية تفصيلية، سواء كانت بين الزوجين أم بين المحارم أم بين الأقارب، بل بين عموم المسلمين رجالاً ونساءً، ولكنّ الخطأ الفاحش الذي بدأ يظهر هو فِعْل هذه المجاملات والصِّلات أمامَ العُموم في البيئة الافتراضية، وضابطُ هذا الخطأ: (ما تقوله لزوجتك أو محارمك أو أقربائك من النساء أمامَ الناس في الحقيقة فقُلْه في البيئة الافتراضية العامّة، وما لا تقوله أمامَ الناس في الحقيقة فلا تَقُلْه في البيئة الافتراضية العامّة)، وكذلك النساءُ مع محارمهنّ وأقربائهنّ وصديقاتهنّ.
تخصيص اسم وهمي للطعن في السادة العلماء، ومدحهم عند استخدام الاسم الحقيقي: وهذا عملٌ شائن.
هَجْر وسائل التواصل وبغضها والابتعاد عنها بسبب تجربة فاشلة: ومِن أظرف ما مرّ معي أن أحد طلاب العلم المهتمين بالحديث والإسناد والإجازات أنشأ حساباً ودخل لمجموعة متخصصة في الإسناد، وفي أوّل دخولٍ وجدهم يتحاورون حول ثبوت إسناد أحد علماء العراق المعاصرين، فشارك في النقاش بعِلمٍ وكلامٍ موزونٍ مع الأدلة، فردّ عليه أحد طلاب العلم ردًّا قاسياً، فأجابه، وممّا قاله: “وإذا كان هذا أوّلَ دخولٍ لي فبدأتَ بسوء الظن … فإني أستأذنكم وأستسمح من الشيخ وكنت أحب أن أستفيد كثيراً من خلال البحث والمذاكرة فهو تخصصي _ولله الحمد_ لكن بتهورك وغطرستك على إخوانك وسوء ظنك كنتَ حائلاً في ذلك”(176F[162]). ثم انسحب ولم أره بعدها أبداً.
إطالة فترة الرد أو التجاوب: حيث إن بعض المحاورات المكتوبة تتسم بكثرة الأخذ والعطاء والأسئلة والأجوبة، ومِن المعيب إطالة فترة الجواب بحيث إنّ الطرف الآخر يكتب وينتظر الرد طويلاً، بل أحياناً يكتب شيئاً ثم يغادر فيسأله البعض فلا مجيب.
عدم متابعة المنشور: إن الذي ينشر منشوراً عليه أن يتابعه، ومِن الخطأ عدم الإجابة عن التعليقات المستفسرة، أو تأخر الإجابة عنها لفترات طويلة.
نشر سؤالٍ أو لُغزٍ ثم لا يجيبُ عنه: مثلاً: نشر أحد طلاب العلم صورة شيخ محدّث طالباً ممّن يعرفه التعريفَ به، وذلك لشحذ الهمم لمعرفته، ولكن المشكلة أن الناشر نسي التعريف به بعد أن لم يعرفه أحد!
عدم تقيّد المسؤولين بقوانين موقع التواصل الاجتماعي: إن عدم تقيد الزوار مرفوض، ولكن المشكلة تتعاظم إذا كان الذي لا يتقيد هو المسؤول!، فمثلاً: المسؤول عن موقعٍ متخصص بالأسانيد نشر صورته مع مدرِّبٍ عالميٍّ(180F[163]) في أحد علوم البرمجة العصبية، وأنا وإن كنتُ معجباً بهذا المجال، ولكن أمثال هذا الخطأ فاحشة.
تعظيم الذات: إن تعظيم الذات ومدحَها مذمومٌ حتى ولو كان صادقاً إلاّ في حالات نادرة للغاية، وبعض طلاب الحديث ينشر منشوراً كاملاً في المجموعات ليس فيه إلاّ صورتُه مكتوباً عليها اسمُه المسبوقُ بألفاظ الثناء والمديح، ولن أذكر مثالاً على هذا الخطأ؛ لأن التمثيل هنا نَشْرٌ للخطأِ وفضيحةٌ بلا فائدة.
التَّعرّض لأموال الناس: دعاني أحد طلاب الحديث والأسانيد لدخول موقعه الشخصي، فلمّا دخلتُ تَعجّبت من وجود إعلان ثابت وواضح لرقم حسابه الشخصي في البنك، فأظنّ أنّ هذا أسلوب من أساليب التّسوّل الحديثة، وهي ممجوجة وخاصة من طالب العلم والحديث، وإلاّ فسيتحقّق في أمثال هذا الطالب قول الفضل بن موسى السِّيناني: “طلبُ الحديث حِرفةُ المفاليس، وما رأيتُ أذلَّ مِن أصحاب الحديث” (181F[164]).
إرسال رسالة جماعية عشوائية: بعض برامج الجوال تتيح إمكانية إرسال رسائل جماعية لجميع جهات الاتصال في الجوال، والمشكلة أن بعض طلاب العلم يرسل رسائل دعوية للجميع، وهذا يعني أن أصحاب الأرقام المخزنة في الجوال سيَطّلع كلُّ واحدٍ منهم على سائر الأرقام كلّها مع معرفة كامل التفاصيل التي وضعها صاحب الرقم في ملفّه الشخصي ضمن البرنامج، وهذا من الخطأ في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي لعدة أسباب، ومنها: أن البعض لا يرغب بنشر معلوماته إلى جميع أصدقاء صديقه، وأن البعض لا يرغب بالانشغال بإعلامات وصول الرسائل من كل شخص ضمن المجموعة وخاصة أن أغلب الرسائل تكون مجاملات وليست معلومات علمية.
اتهام الآخرين من طلاب العلم بالسوء: وهذا بابٌ عريضٌ في وسائل التواصل الاجتماعي، وخطره مستطير.
عدم اعتماد قواعد المصطلح لقَبول الخبر أو ردِّه، وللقَبول مِن المسنِدينَ، ولقَبولِ منشوراتِ طلابِ العِلم أو العامّةِ، ولسائرِ الأحوال: هذا بابٌ واسعٌ، وأصلُه أنه يجبُ علينا معرفةُ قواعدِ علومِ الحديث وآدابِه واصطلاحاته وكلِّ فروعِه، ثم تطبيقُ هذه العلومِ في حياتِنا العِلميّة وفي حياتِنا الدُّنيويّة، وهذا البابُ يحتاجُ رسالةً خاصةً له مع دراساتٍ بَحثيّةٍ واستطلاعاتٍ وغيرِها، فأكتفي بذِكره فقط.
التّودّد لأصحاب المناصب وتعظيمهم بما ليس فيهم: قال حمدان بن الأصبهاني: “كنت عند شريك النخعي، فأتاه بعض ولد المهدي، فاستند إلى الحائط وسأله عن حديث، فلم يلتفت إليه، فأعاد عليه، فلم يلتفت إليه، فقال: كأنك تستخفّ بأولاد الخلافة! قال: لا، ولكنّ العلم أزين عند أهله من أن يُضيِّعوه. قال: فجثا على ركبتيه، ثم سأله، فقال شريك: هكذا يُطلب العلم” (182F[165]).
حَثُّ الغير فقط على الصدقة وإغاثة المسلمين: إنّ أَولَى الناس بالخير هو الداعيةُ نفسُه، والعلماءُ دائماً يُؤكّدون على هذا المعنى، وإنّ وسائل التواصل الحديثة سهّلَتْ طلبَ إغاثة المسلمين بالمال، فلْيَعلمْ طالبُ العِلم أنّ عليه أن يبدأ بنفسه فيَتَصدّق ولو بالقليل، قال قراد أبو نوح: “رأى عليّ شعبةُ قميصاً فقال: بكم أخذتَ هذا؟ قلتُ: بثمانية دراهم. قال لي: ويحك! أما تتقي الله؟! تَلبس قميصاً بثمانية! أَلا اشتريتَ قميصاً بأربعة وتصدّقتَ بأربعة” (183F[166]).
إدمان وسائل التواصل: هذا مرضٌ معروف عالمياً بالنسبة لعموم الناس، ولكنه ليس معروفاً في بيئة طلاب العِلم حتى الآن، وأظنّ أنه سيتزايد بتسارعٍ في بضع سنين؛ لذلك أدرجتُه ضمن الأخطاء استباقاً وتحذيراً، وخاصةً أنني مِن المصابين به الذين يعالجون أنفسهم منه الآن.
الانشغال بالتصفّح أثناء السماع: ينبغي أن يستمعَ الطالبُ وينصت طيلةَ وقت قراءةِ الشيخ، ولا ينشغلَ بأيِّ شيءٍ، سواءٌ التصفّحُ للشبكة العنكبوتية أم لغيرها مِن برامج الحاسب وملفّاته، وكذلك عدمُ الانشغال بالجوال أو الأمور الدينيّةِ أو الدنيويّةِ.
إبقاء الجوال أثناء الدرس: ينبغي عدم الانشغال بالجوال أثناء السماع، وقد أفردتُ الجوال بالذكر لأنه أكثرُ ما يَشغلُ الطالبَ إنْ كان حديثاً، والأفضلُ إغلاقُه نهائياً؛ كي لا ينقطع الطالبُ عن السماع بسبب اتصالٍ واردٍ ولو كان مِن شخص مهمٍّ، فعندما يجده مغلقاً فلن يَعتب، ولكنه سيعتب إن رنّ الجوال ولم تردّ.
إبقاء (الميكرفون) في حال عدم الكلام: أغلبُ المواقع والبرامج المتخصِّصة ببثِّ مجالس الإملاءِ تَمنعُ تفعيلَ الصوتِ مِن غير الشيخِ والمشرِف، ولكن مع هذا ينبغي الاحتياطُ بوضع (الميكروفون) بحالة عدم العمل.
عدم التقيّد بالآداب العامة للعلاقات الاجتماعية: ثمة قواعد وضوابط وآدابٌ عامّة يُراعيها عمومُ الناس وخاصةً أصحابُ الأخلاق السامية، سواءٌ كانوا مسلمين أم لا، وهذه الآدابُ العامّة هامّةٌ لعموم الناس ولكنّها بالغةُ الأهمية لطلاب العِلم ووُرّاثِ النُّبوّة وخُلَفاءِ صاحبِ الخُلُق العظيم r، فمثلاً: بعضُ الشباب أو الفتيات يُناديه أبوه أو أمُّه فيتأخّرُ عنها لانشغاله بالأجهزة الإلكترونية، ثم عندما يُلَبِّي النِّداءَ يَحضُرُ حاملاً جهازَه مُتابعاً عَمَلَه عليه وناظراً إلى شاشته، ثم يقول لأبيه: نَعَم! (184F[167])
أكتفي بهذا المقدار مِن أخطاء طلاب الحديث في تعاملهم مع وسائل التواصل الحديثة، ويمكنُ إفرادُ رسالةٍ كاملةٍ حولَ موضوعِ هذا المبحث وحدَه، وأختمُه بأدبٍ يَشتَمِلُ على مجموعةِ آدابٍ؛ كي أؤكِّدَ على فكرتِه، وهو: عدم التقيد بآداب طلب العِلم المذكورة آنفاً، فقد سبقَتْ (185F[168]) آدابُ التلقّي والإجازات وآدابُ طلاب العلم عموماً، وبما أن هذا الموضوع هام جداً، وأنّ بعض طلاب الحديث المعاصرين لا يبالون به ولا يلتزمون بآدابه، لذلك لن يُكتَفَى بما سبق ذِكرُه مِن تَعدادٍ لآداب طالب الحديث، بل سأذكرُ ما يَفعله بعضُ طلابِ الحديث مِن نقضٍ لهذه الآداب، كي يَلمَسَ طالبُ العِلم سوءَ الفعل إضافةً لمعرفته السابقة بحُسنِ الأدب:
وأكتفي بهذا المقدار مِن (عدم التقيّد بآداب طلب العِلم المذكورة آنفاً).
المبحث الرابع: أخطاء طالبات الحديث في تعاملهنّ مع وسائل التواصل الحديثة:
جميع آداب طلاب الحديث مطلوبة من طالبات الحديث، وثمة آداب تتعلق بالطالبات فقط سأذكرها في هذا المبحث المستقل. هذا، وإنّ سرد الأخطاء سيكون ضمن الضوابط التالية:
والآن نشرع بسرد أخطاء طالبات العلم في تعاملهنّ مع وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة:
وضع صورة الوجه صورةً شخصية للحساب: ويزداد الخطأ قبحاً كلّما زادت عمليات التجميل والتعديل على الصورة، وخاصةً إن كانت الصورة مع (الغندرة) وأنواع (المكياج)، ويزداد أكثرَ كلّما ازدادت حركات الوجه جاذبيةً وكلّما ازدادت (مُديلات) الحجاب جاذبيةً.
وثمة بعض طالبات العلم اللاتي يميزنَ بين الغالبية العظمى من المواقع والبرامج التي تلتزم بإتاحة رؤية الصورة الشخصية لجميع الناس وبين النادر من المواقع والبرامج التي تعطي إمكانية تحديد مَن يرى الصورة الشخصية، ولكن هذا التمييز خطأ وخاصةً مع كثرة اختراق المواقع والبرامج ومع كثرة انتشار ظاهرة رؤية الزوج والأخ والأب والابن لشاشة حاسب المرأة أو جوالها عمداً أو عَرَضاً.
وضع صورة إحدى ملكات الجمال سواءٌ السافرات أم المحجبات! كصورةٍ شخصية للحساب.
وضع صورة طفلة صغيرة بالغة الجمال، أو وضع صورة ابنة صاحبة الحساب، أو وضع صورة أنثى كرتونيّة جذابة: فهذه الصور تُذَكّر الرجل الناظر لحساب هذه الأنثى بالجمال الأنثوي الجذّاب والرائع، وإنه نوعٌ مِن أنواع المكر النسائي، فمثلاً: عندنا في دمشق نجد أنّ المرأة المحتشمة الحييّة إن خرجتْ من بيتها مع ابنتها الصغيرة الجميلة فإنها تُلبسها لباساً ساتراً لجسدها، وأمّا إن كانت المرأةُ غيرَ محتشمة وغير حييّة _ولو كانت مغطِّيةً لجميع بدنها ووجهها_ فإنها تُلبِس ابنتَها لباساً فاضحاً يكشف أغلب جسمها وتعطّرها، والدليلُ أيضاً على أنّ هذا نوعٌ مِن أنواع قلّة الحياء والحشمة والأدب أنّ الشباب الفاسدين يفهمون هذه الرسالة فيحترمون المرأة الأولى ويتغزّلون بالثانية.
وضع صورة كاملة لصاحبة الحساب أو نحوها _كما سبق الآن_ كصورة ثابتة مثل خلفية الحساب: ويزداد الخطأ كما سبق بيانُه الآن.
نشر الصور التي تظهر فيها صاحبة الحساب: ويزداد الخطأ كما سبق بيانه الآن.
التعليق في المواقع أو على المنشورات بكلامٍ يتعارض مع حياء المرأة المسلمة(188F[171]): مثلاً التعليق بنحو (هاهاهاها) و(فائدة راااااااائعة) و(لفتة جمييييييييلة) …إلخ، فلْتَعلمْ طالبةُ العلم أنّ الضابط في هذا الموضوع هو (ما يمكن أن تقوليه في الأماكن العامة فقوليه في المنشورات والتعليقات العامة، وما تستحين أن تقوليه هناك فلا تقوليه هنا)، فطالبةُ العلم لا يمكن أن تضحك بحيث يسمعها الرجال الأجانب، فينبغي أيضاً أن يَمنعها حياؤها وأخلاقُها عندَما تكون وحدَها مِن كتابة مثل هذه الضحكة التي سيقرؤها الأجانب، وهكذا الضابطُ في كل كلمة.
ولا بدّ من التأكيد على أنكِ عندما تعلّقين على منشور صاحبتكِ فإنّ أقرباءها الأجانب عنكِ يقرؤون هذه التعليقات، فعليكِ مراعاةُ هذه النقطة وعدم الغفلة عنها بأن الحساب خاص بصاحبتكِ.
كثرة التعليق على المناشير(189F[172]): وضابط هذا الخطأ: (مقدار الأسئلة والفوائد التي يمكن أن تقوليها في مجلس علمٍ فيه أجانبُ عنك فاكتبيها أو قوليها في وسائل التواصل الاجتماعي، وما لا يمكنك قولُه كثرةً أو نوعاً هناك فلا تكتبيه أو تقوليه هنا).
عدم تقيّد طالبة العلم بضوابط التعامل مع الرجال: الضوابطُ الشرعيةُ والآدابُ لتعاملِ الأنثى مع الرجلِ معروفةٌ، سواءٌ كان الرجلُ زوجاً أم مَحرَماً أم قريباً أم أجنبيّاً.
المجاملات الاجتماعية: هذا الخطأُ يَدخُلُ في عدّةِ تنبيهاتٍ سابقة، ومع هذا فتَكرارُه للتأكيدِ عليه ولكثرةِ وقوعِه.
عدم الحذر في الأماكن النسائية العامة: تواترتْ الأخبار عن انتشار التصوير بالجوالات لنساءٍ عفيفاتٍ،
إصلاح الحاسب أو الجوال عندَ أيِّ مُختَصٍّ: عندما تَضعين جهازك عند مُختَصِّ بإصلاحه تَذَكّري أنه يُمكِنُه الاطلاعُ على كلّ شيءٍ فيه حتى الذي لا تستطيعين أنت الاطلاع عليه، وكذلك يَستطيعُ زَرْعَ برنامج لا تَشعرين به ولكنه يُراقِبُك بالصوت والصورة! لذلك احرصي على إصلاحه عندَ مَن تَثِقينَ بدينه وأمانته وخُلُقه.
وفي ختام هذا المبحث أحبُّ نقلَ هذا الكلامِ المنشورِ على وسائل التواصل الاجتماعي(190F[173]): “إلى العفيفات فقط! استغني عن كلّ اتصالٍ هاتفيٍّ بالرجال، وأوكلي الاتصال لأحد محارمك، أما استلامك وإعطاؤك حاجاتٍ لرجلٍ فلا تفعلي مطلقاً ولو كان من الثقات، للعفيفات فقط: ابتعدتْ ابنة شعيب عليه السلام عن العبارة الموهومة فقالت: {إنّ أبي يدعوكَ ليجزيكَ أجرَ ما سقيتَ لنا} [القصص، 25]، ولم تقل “أنا” “أدعوك” “لأجزيك” أجر ما سقيت “عني”، للعفيفات فقط: حين تعاملين رجلاً أجنبيًّا فلا تتوهمي أنّ الرُّقيّ هو في (الإتيكيت) وبريق (اللباقة)؛ فالكثير من تلك العبارات داخلةٌ في الخضوع بالقول، للعفيفات فقط: قيمتُكِ العظيمة في اعتصامك بدينك، وليست قيمتك بالانبهار بالمشاهير، وملاحقتهم في تويتر والمهرجانات والمدن الترفيهية والواتس أب، فكوني أنت المشهورة بعفافكِ.
تخويفي للعفيفات فقط مِن كلّ مستشار يقف في صفّكِ ضدّ أهلكِ أو ضدّ زوجك، أو مِن رَجلٍ يبدي إعجابه بك، أو يتطفّل بأسئلة عن خصوصياتك، أو يلقي لك التحية دون مبرّر، أو يمتدحك ويُبدِي شوقه إليكِ.
للعفيفات فقط: احذرنَ إبليسَ حين يُبرِّر العلاقةَ مع رجل أجنبي عنكِ بحجة الأخوة في الله، أو الدعوة إلى الله، أو بحجة أن الثقة موجودة، فكلها علاقات محرمة، فلا تخضعنَ.
تذكيرٌ للعفيفات فقط أنْ يُعامِلْنَ كلَّ رجلٍ بصِفته أجنبيًّا عنكِ، سواء كان عالماً، داعيةً، شيخاً، إعلاميًّا، منشِداً، مستشاراً، طبيباً، راقياً، سائقاً، مفسِّرَ أحلامٍ، ممثلاً، فهم سواءٌ في مشاعرهم الفِطرية.
وصيتي للعفيفات فقط ألاّ يُضاحِكْنَ الرجالَ -ولو كانوا صالحين- بكتابةٍ أو بصورةِ الوجوهِ المعبرِّةِ، فلا محلَّ للثقة هنا، كي لا تَفْتِني ولا تُفْتَني.
نصيحتي للعفيفات فقط: كثيرٌ مِن قصص الفضائح والمخازي كانت بدايتها “قصة غرام” و”حبًّا شريفاً”، وقد قيل: “الطريق إلى جهنم مُعبَّدٌ بالنوايا الحسنة”.
نصيحتي للعفيفات فقط: متى أَكثَرَ رَجلٌ رسائلَه بالخاصِّ فأوقفي التواصلَ وبادري إلى إلغاء الإضافة واحفظي دينك وقلبك، وكما قيل: “السلامةُ لا يَعدِلُها شيء”.
وصيتي للعفيفات فقط: احذري مَن يَعرض عليكِ الزواج عن طريق الرسائل الخاصة أو الواتس أب، حتى ولو كان ظاهرُه الالتزام، فالزواج له طريقه الآمن.
وصيتي للعفيفات فقط: أن يتذكرن المقولة: “الخير للمرأة ألا ترى الرجال، وألا يراها الرجال”، وتسريحُ النَّظَرِ في تويتر وفيسبوك مِن أخطر المهالك.
للعفيفات فقط: شَكَتْ امرأةٌ لمستشارٍ أُسَرِيٍّ، فأخَذَ يُلَقِّنُها حقوقَ الزوجة، ويَستدِلُّ بأقوال الفقهاء المعروفة والشاذة، فأَفسَدَ حياتَها، وختاماً: طَلَبَ مقابلتها.
للعفيفات فقط: احذري القنواتِ المنسوبةَ للصلاح التي: تُخرِجُ “المذيع المتأنِّق”، و”المنشِدَ المائع”، و”برامج التهريج”، فليست كلُّ قناة إسلامية تَعرضُ برامجَ مأمونة.
للعفيفات فقط: بعضُ الصالحات يَعجَزُ الفسّاقُ عن الوصول لمشاعرها بسبب جودةِ عفافِها واحتياطها وحفظها لقلبها، ولكن للأسف تَراخَتْ أمامَ التلفازِ فتَعلَّقَ قلبُها بإعلاميٍّ يَظهَرُ في قناة إسلامية.
للعفيفات فقط: احذري كلَّ رجلٍ يَعرض لكِ خدماته دونَ مقابل، فهو ساذجٌ يجهل عواقبَ الأمور، أو أنه يُعطي باليمين لِيغتصِبَ بالشمال، والاحتياط “واجبٌ” لا مستحبٌّ.
للعفيفات فقط: أَخبَرني رجلٌ بتواصله مع امرأةٍ فاضلةٍ خفيفةِ الظّلِّ، وأَخبَرني بأنه يضحك معها، فقلتُ له: هل تَرضى أنْ يَتّصِلَ رجلٌ بزوجتكَ ويضاحكَها؟! فقال: لا. فقلتُ له: إذن اتّق الله.
للعفيفات فقط: احذري الانضمام لـ”المجموعاتٍ الدعوية” في الواتس أب أو غيره التي تَضُمُّ رجالاً ولو ثقاتٍ، بل احذري الانضمام لـ”المجموعات النسائية” مجهولةِ الأعضاء.
للعفيفات فقط: ابتعدي في خطابِ الرجال عن “العبارات الموهِمة” و”الثناء والامتنان”؛ فثناءُ الأنثى يَأسِرُ الرجلَ، وتَذكّري أنّ خِلخالَكِ فتنةٌ، فكيف بمديحكِ؟!
للعفيفات فقط: تَجنّبي الشّكرَ والمديحَ والثناءَ على رَجُلٍ أجنبيٍّ إلاّ بوجودِ مَحرَمٍ، حيث قالتْ في حضرة أبيها:
{إنّ خيرَ مَن استأجرتَ القويُّ الأمين} [القصص، 26]، وما شَكَرَته سابقاً قبلَ وجودِ مَحرمِها” ا.هــ.
الفصل الرابع: نصائح للاستفادة القصوى من وسائل التواصل في مجال التلقي
إنّ الثورة الحديثة في وسائل الاتصال يمكن أن تكون سبباً لبَعْثِ عِلم الإجازات والتلقّي بحيث يَعِزُّ شأنُه ويَعلو قدرُه ويَتَضاعفُ طلابُه أضعافاً مضاعَفة، وسأسرد بعض منافع هذه الوسائل، وذلك كي ينتبه لها طلاب العلم فيؤكدوا على تحصيلها، وكذلك لتشجيع طلاب العلم الذين لم يخوضوا في عالم التواصل الحديث بعدُ على الخوض فيه مع اعتبار هذا العلم من العلوم الهامة وليس نوعاً من الترف العلمي كما كانت النظرة إليه قبل قرابة 10 سنوات.
هذا، وإنّي عاجزٌ عن ذِكرِ جميع الفوائد التي يمكن جنيها من التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بعلم الإجازات والتلقي وبعلم الحديث عموماً، فحقًّا إنها فوائد عظيمة، ونفائس كريمة، وكبريت أحمر، وكلها صارت فجأة بين أيدينا مجاناً، فبعد أن كنا نتعب لتحصيل جوهرةٍ نجد أنفسنا الآن أمام كنوز هائلة وقد قيل لنا: خذوا ما شئتم، فما كان من بعضنا إلاّ أنْ اغترف ونَهَل وما يزال، والبعض الآخر زهد عندما رأى كثرة الجواهر فتركها، فلو كانت الجواهر من جواهر الدنيا فلربما كان مصيباً، ولكن بما أن هذه الجواهر من جواهر الدين والعلم والإيمان لذلك فإني أنصح جميع إخواني طلاب العلم بأن يكثروا منها، وخاصة البعيدون عنها الذين لا يعلمون بوجودها هنا.
ففي هذا المبحث سأعرض عليكم نماذج من هذه الجواهر مع التمثيل لها كي تتضح الفكرة أكثر وتُقدَّر القيمة بشكل أدق، وسيكون عرضي هنا فيه شيءٌ من التفصيل؛ لأن الإجمال هنا يُضيّع بعض الفوائد الهامة الموجودة في التفاصيل.
معرفة العلماء: سابقاً كان من الصعب جداً معرفة علماء غير مصرك، وأتذكر جيداً كيف كان من المتعذر معرفة أي معلومة حتى عن كبار علماء الهند مثلاً، أمّا الآن فإننا نجد أن مجموعات طلاب العلم تضم عشرات الأمصار، وكثير من طلاب العلم يضع صورة أحد علماء بلده أو مسنديها ويُعرّف به، وبذلك يَحصلُ المتابِع لهذه المجموعات على معرفة نادرة بأهم العلماء المسندين في عموم دول العالم، وفي هذا فوائد كثيرة لا تخفى، مثلاً: عثمان بن عبد الله بن عقيل المتوفى سنة 1331هـ.
معرفة أعلى الأسانيد لشيخ ما: مثلاً: عند السؤال عن صحة رواية الشيخ عبد الرحمن الكِتّاني عن أَمَة الله الدهلوية المتوفاة 1357هـ بنت محدِّث الحجاز الشيخ عبد الغني الدهلوي المدني وزوجة الشيخ المسنِد محمد مظهر ابن الشيخ محمد سعيد النقشبندي المدني رحمهم الله ذكر الشيخ أحمد آل إبراهيم العنقري أن لم يبقَ أحدٌ على الأرض يروي عنها إلاّ الشيخ عبد الرحمن الكِتّاني حفظه الله.
أفضل استغلال لرحلة ما: فمثلاً ذهب أحد طلاب العلم لمدينة الإسكندرية بمصر، فسأل في مجموعات طلاب الحديث عن الذين يمكن أخذ الإسناد عنهم في هذه المدينة، فأجابه من يعلم، علماً بأن طالب العلم سابقاً كان يذهب إلى بلدان كثيرة ولا يعرف أن فيها علماء مسندين، فكم فاتنا من خير!
الحصول على كتاب: مثلاً: نصح أحدهم بتحميل كتاب هام في الأسانيد، وهو كتاب (إتحاف ذوي العلم والرسوخ بتراجم من أخذت عنه من الشيوخ تأليف العلامة المؤرخ محمد بن الفاطمي ابن الحاج السلمي المتوفى 1378هـ)
الحصول على مخطوط نادر: مثلاًمخطوط الثبت الكبير للشيخ أحمد بن الصديق الغماري، وهو باسم (البحر العميق في مرويات ابن الصديق).
التعريف بكتاب: مثلاًسأل أحد الطلاب عن كتاب (آفة علوّ الأسانيدللشيخ السيد أحمد عبد الرحيم، وعن تقييم القرّاء له، وغير هذا.
التعريف بمخطوط: مثلاًمخطوط (الدُّرَر السَّنيّة في الإجازات والوصية الكِتّانية)، حيث نشرها د. حمزة الكتاني، وفيها فوائد لمن قرأها.
التعريف بموقع هام: مثلاً: نشر أحد طلاب العلم رابطاً لموقع (httg/)، وهذا الموقع يقدم خدمة فريدة عن غيره، وهي إمكانية الاستماع لأي حديث أو أكثر من صحيح البخاري بحيث تختاره أنت بحسب رقمه أو بابه، وسيتم تطوير الموقع ليشمل غير البخاري.
التعريف بإجازة لأحد المسنِدين: مثلاً: نشر د. يحيى الغوثاني إجازة له بخط يد أحد العلماء الإندونيسيين، وفي هذا عدة فوائد، منها: معرفة الشيخ وهو فضيلة العلامة المسند محمد علي الكَنَفاني رئيس جامعة باندوغ رحمه الله، ومعرفة خطه، ومعرفة أهم مشايخه الذين ذكرهم في الإجازة، وغيرها.
مناقشة مسألة علمية: مثلاً: تمّ عرض نَسَب محدث بلاد الشام الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله الموجود في مَقامه، فأَثبتَ آلُ البيت من آل الكِتّاني بطلان النَّسَب وأَظهروا أخطاءه، ثم أوضحوا عدم أهليّة بعض الكتّاب في الأنساب وفداحة أخطائهم، وغير هذا، طبعاً مع تثبيت أن نسب الشيخ ثابتٌ لآل البيت ولكن ليس من هذا الطريق الباطل.
مناقشة ثبوت سماع أو إجازة بين شيخينِ: مثلاًسأل أحد طلاب العلم حول الطعن برواية الشيخ المسنِد محمد ياسين الفاداني المتوفّى 1410هـ عن الشيخ المسنِد عبد الحميد ابن باديس رحمهما الله، وكان الحوار علمياً مدعَّماً بالأدلة، ومنها وثائق مرئيّة تُثبتُ بطلان الطعن.
مناقشة إسناد ما: مثلاسأل أحد طلاب الحديث: “مَن يخبرنا عن سند الشيخ سلمان الحسيني الندوي عن الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عن الشيخ محمد عبد الحي الكِتّاني؟”، فأجابوه وأرشدوه للذين يمكنه الأخذ عنهم الآن وبأعلى مما سأل عنه.
نقد أحد مجالس إملاء الحديث: مثلاً: بعض طلاب الشيخ المحدّث صبحي بن جاسم البدري السامرّائي عقدوا مجلس إملاءٍ في يوم عاشوراء لقراءة جزء المنذري من طريق شيخهم، فنقدهم د. يحيى الغوثاني وقال بأن شيخهم ليس لديه إسناد به، وكذلك شيوخ شيخهم،
مناقشة ترتيبات مجالس الإملاء: فاستقراء رأي طلاب الحديث قبل اعتماد تفاصيل مجالس الإملاء يعتبر عملاً هاماً لإنجاح مجلس الإملاء، فمثلاًتناقش مجموعة من المسؤولين عن مجلس إملاء في قطر وأخذوا رأي طلاب العلم في الكتاب الذي يرغبون في اعتماده، علماً بأن ما تمّ من مراسلات خاصة بعد هذا المنشور أكثر بكثير من التعليقات العامة.
معرفة وفاة العلماء ونبذة عن سيرتهم: وهذا موضوع هام، فمعرفة تاريخ وفاة الشيخ المجيز من أهمّ ما يجب معرفته عنه، وكان سابقاً ربما توفي العالم الذي نعيش في دولته نفسها ولا نعلم، أمّا الآن عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي فقد ظهر الاهتمام بوفاة العلماء والمسنِدين، وخاصة عندما يترافق خبر وفاتهم مع ترجمة موجزة لهم، مثلاً: إعلان وفاة مع ترجمة العلامة المحدّث المحقّق المسنِد الشيخ أبو الحسن علي القاسمي البَهاكَلْبُوري رحمه الله، المتوفى 1434هـ 2013م.
تراجم علماء هذا العصر: كان سابقاً مِن أصعب أنواع التراجم إيجادُ ترجمة محدّث معاصر في بلدٍ ناءٍ، وأما الآن وعبر وسائل التواصل الاجتماعي فما أكثرَ التعريفَ بالمحدّثين المعاصرين مِن كلّ أصقاع الأرض، فأحياناً يسأل أحد طلاب العلم عن ترجمة عالمٍ ما فيُجيبُه مَن يعرفه، وأحياناً يبادر أحدُ طلابِ العلم بالتعريف بأحدِ علماء الإسناد في بلده، فمثلاً: تمّ نشر ترجمة فضيلة المسنِد المحدّث زين العابدين القاسمي المعروفي رحمه الله المتوفى في عام 1434هـ 2013م.
السؤال عن كيفية الوصول لشيخ ما: مثلاًسأل أحد طلاب العلم عن كيفية الاستجازة من د. يحيى الغوثاني.
التعرف على بعض رجالات الأسانيد: مثلاًعرّف بعضُ طلاب العلم بأحد رجال إسنادنا إلى الإمام البخاري، وهو أبو الوقت السجزي.
السؤال عن أعلى إسناد لكتابٍ ما: مثلاً: السؤال عن أعلى إسناد للصحيحين، فيجيبه مَن يعلم، علماً بأنني سابقاً كنت لا أكاد أستطيع إيجاد شخص واحد يجيبني عن مثل هذا السؤال، وإن وجدت فليست لديه ولا لدى أحد القدرة على تعميم الجواب عن كل العالم الإسلامي.
السؤال عن أعلى إسناد لحديثٍ ما عن طريق شيخٍ معيَّن: مثلاً): سأل أحد طلاب العلم عن إسناد حديثٍ معيّن من طريق شيخ محدّد.
البحث في أحد رجال إسناد القرآن لشيخٍ ما: مثلاً): الشيخ شمروخ الموجود ضمن إسناد القرآن للعلامة المحدّث الجامع عبد الباسط هاشم حفظه الله.
أخبار مجالس الإملاء: وفي هذا تشجيع كبير لنشرها وتداول أخبار انعقادها وخَتمها، مثلاًإعلان ختم مجلس قراءة مسند الإمام أحمد.
الإعلان عن بدء دورات لنشر علوم الحديث: مثلاً: الإعلان عن دورة للمبتدئين بطلب علم الحديث من خلال تحفيظهم الأربعين النووية ثم إجازتهم بها.
تخصيص مواقع لتحفيظ كتب الأحاديث: مثلاً: أقام بعض الأفاضل مجموعة باسم (سلسلة دورات لطلاب الحديث)، بحيث يشجّعون الطلاب على البدء بحفظ كتابٍ حديثيٍّ ما، ثم يسمّعون لهم ويضبطون حفظهم، ثم يجيزونهم، ثم ينتقلون لكتاب جديد، وهكذا.
الدُّعابة العلمية: مثلاًوضع أحد طلاب العلم صورة غلاف كتاب تفسير ابن كثير وقد حقّقه وخرّج أحاديثه وعلّق عليه: الهيثمي والعسقلاني وأحمد شاكر والألباني والأرناؤط!!! وهو مِن طباعة المكتبة العصرية ببيروت.
كشف خداع بعض المسنِدين: كان ولا يزال بعض المسنِدين كَذَبَة في ادعاء الإجازة والسماع، وقد ينطلي هذا على البعض، وخاصة إن رحل هذا المسنِد مِن بلده إلى بلاد بعيدة، فإنه يصعب اكتشاف كذبه، ولكن بفضل وسائل التواصل الاجتماعي فقد صار من الميسور أن يسأل طالب الحديث عن مسنِدٍ قَدِم بلده للتحديث، فيكون الجواب مِن العلماء بحاله، وفي هذا حفظُ سلاسل الإسناد مِن ادعاء الكاذبين، مثلاًثمة عالم فاضل صالح تجاوز عمره المائة عام بل ربما القرن وربع كما ادّعى بعضُهم، اسمه: أحمد فؤاد بن محمد سليم بن سليم طه الزَّبَداني ثم الدمشقي، وهذا العالِم أخبر طلاب العلم أنه قرأ صحيح البخاري وسائر الكتب الستة على محدِّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله، فقَصَدَه طلاب الحديث من كلّ أصقاع العالم، وكان مِن الممكن أن يشتبه أمرُه على الجميع لولا أنه تمّ السؤال عنه عن طريق وسائل التواصل، فادّعى بعضُهم صدقه وادّعى بعضُهم كذبه، وكلٌّ أحضر دليله، وكان نقاشاً علمياً هامًّا.
اختيار موضوع رسالة الماجستير أو الدكتوراه: حيث إن الدارس يطلب مساعدة طلاب الحديث له في اختيار موضوع الرسالة وهيكليتها، وربما حدّد الدارس المجال الذي يريده بحيث يوجّه نصائح الناصحين له إلى المجال المذكور.
سهولة الانضمام للاستدعاء: مثلاًأعلن أحد طلاب العلم بأنه سيزور مسنِداً، وسأل عمّن يحب أن يستجيز له، فانهالت عليه الطلبات للاستجازة من الشيخ، وكان سابقاً مثلُ هذا عسيراً.
إقامة دورات علمية متكاملة: مثلاًتمّ تنظيم دورة (إعداد المحدث)، فلاقت الفكرة قَبولاً وإقبالاً جيداً، وتمّ توزيع شهادات على الناجحين، وهذه فكرة طيبة جداً، وأرجو تطويرها وتعميمها، علماً بأنها تزداد انتشاراً(220F[174])، والحمد لله.
إنّ موضوع (أحكام التلقي عبرَ وسائل التواصل الحديثة) هامٌّ للأُمّة وخطيرٌ وعظيم، وإنّي طُوَيْلِبُ عِلم، ولا يُقبَلُ الكلامُ حولَ هذا الموضوع إلاّ مِن علماء الأمّة، لذلك وضعتُ موضوعاتِ الرسالة في أسئلة أَعرضُها على أسيادي علماء الأمّة، فإن وافقَ قَولي قولَهم فالحمد لله على تَوفيقه لي، وإنْ خالفَ فأستغفرُ الله والقولُ قولُهم.
عِلماً بأنّ هذه الرسالة قد تمّ نشرُها مطلع 1435 هـ، الموافق 2014م على كثير جداً جداً مِن وسائل التواصل والإعلام، وأرسلتُها إلى كلّ مَن أستطيع إيصالها إليهم مِن علماء هذا الفنّ، وحتى الآن لم يأتني أيّ اعتراضٍ على أيّ حكم أو ضابطٍ في هذه الرسالة، بل كان الثناءُ والإعجاب، ولله الحمد أولاً وآخراً.
وهذا نصُّ الأسئلة، عِلماً أنّ بعضها مكرَّرٌ بأسلوبٍ ثانٍ، ولا يَخفَى أنه كلّما تَوسَّعَ الجوابُ والتعليلُ والاستدلالُ كلّما كان أفضل:
انتهت الأسئلة
كانت هذه الرسالةُ صرخةَ مَكْلُومٍ داعياً لتطبيق أحكامِ الإجازاتِ والتلقّي المصطلَحِ عليها عندَ علماءِ الحديث قديماً على وسائل التواصل الحديثة.
كما أنها دَعوةُ مُحِبٍّ لِطلاّبِ الحديث المعاصِرينَ للاستفادة مِن هذه التّقنيّات الحديثة، مع تحذيرهم مِن أخطارها وأخطائِها.
وقد اشتَملتْ _أيضاً_ على مجموعةِ توصياتٍ للنهوض بعلمِ الإجازاتِ في عصرِنا، ومنها:
لقد كَثُرَ التزويرُ في عصرنا، وتَعدَّدَتْ أساليبُه، وكذلك خَفّتْ ضوابطُ الأمانة والعدالة، لذلك أَقترحُ أن يَتِمَّ تشكيل هيئة عالمية لتوثيق الأسانيد، بحيث تُصدِرُ شهاداتٍ للأسانيد التي تَشهدُ بصحّتها وتَختِمُها مع مراعاة الطُّرُق التي يَستحيلُ تزويرُها في عصرنا، وبحيث تَضبطُ جميعَ مجالس الإملاء ضَبطاً عِلميًّا منهجيًّا تامًّا، وقد نَجَحَ أسلافُنا في حماية هذا الفنّ(221F[175])، فعلينا أنْ نحميَه أيضاً، فإنْ لم نحمِه فسينهارُ قريباً _لا سمحَ الله ولا قدّر_ ونحن الخاطِئون الآثمون، كما سبق تفصيلُه مراتٍ في هذه الرسالة.
إنّ عِلم الأسانيد علمٌ واسعٌ جدًّا(222F[176])، وإنّ علماء الإجازات العالِمون بها حقًّا لا ادِّعاءً نادرون في عصرنا نُدرةَ الكبريت الأحمر، ولكنه سيصبح سهلاً للغاية وستصبح معرفتُه في متناوَلِ جميعِ طلاب العلم في حالةٍ واحدةٍ فيما أظنّ، وهي أن تُوضَعَ جميعُ الأسانيدِ ضمنَ برنامجٍ حاسوبيٍّ، وهذا عملٌ هامٌّ للغاية، ويحتاج جهداً مِن ثُلَّةٍ كريمةٍ مِن علماءِ الأسانيد، ثم بعدَ هذا يُبَرمَجُ البرنامج الحاسوبيّ، وهو سهلٌ وبسيطٌ، ثم بعدَ هذا سيُصبِحُ هذا العِلمُ في متناول جميعِ طلاب العلم بكلّ سهولة إلى يوم القيامة، وبذلك يَسهُلُ إحياءُ هذا العلم حتى بين عموم المسلمين كما كان في أسلافنا، والله أعلم.
أنصح بتعالي الأصوات المنادية بالبدء بمشروع (جَمع السُّنّة في كتابٍ واحدٍ)، أي: كتابٌ واحدٌ يَضمُّ جميعَ الأحاديث القدسيّة والمرفوعة والموقوفة والمقطوعة، مع تمييز الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، مع التخريج الكامل لكلِّ خبرٍ، وحكم العلماء عليه.
أوصي الجامعاتِ التي تَضمُّ تَخصُّصاتٍ شرعيةً بعقدِ مجالسِ الإملاء العامّة لجميع طلابها وغيرهم، بحيث تلتزم بعقد مجلسِ إملاءٍ سنويّ عبرَ الإنترنت مع الحرص على عقده في مسجدٍ عامٍّ، وأرجو أنْ لا يُنظَرَ إلى هذا الموضوع مِن خلال مدى مناسبته لأساليبِ التعليم الجامعيّ وقوانينه، وإنما النظرُ إليه مِن كوننا أمةً مبدِعةً وعندَنا عِلمٌ عظيمٌ وميزة ٌليست عندَ أحد، فلْنُدخِلْها ضمنَ النظام الجامعيّ، ولْنَدعُ الجامعاتِ التي تحتوي على التخصّصات الشرعية لاعتمادِها ضمنَ النُّظُمِ الجامعيّة والقوانين الضابطةِ لعملها.
ما تزالُ أساليبُ كتابةِ رسائلِ الماجستير والدكتوراه في الجامعات هي نفسُها الأساليبَ القديمةَ أيامَ المطابعِ القديمة، فأنصحُ بالإعلانِ عن ضوابطَ اختياريّةٍ مبدئياً ثم إلزاميّةٍ بعدَ سنوات، ومنها(223F[177]):
b
ولله الحمد وحده
فِهرست المحتويات
الفصل الأول: مقدمات لا بد منها 6
المبحث الأول: ما لا بد من معرفته قبل البدء 6
المطلب الأول: أهمية الإجازات والإسناد وضبط المرويات حتى في عصرنا الحالي: 6
المطلب الثاني: مراحل نشوء علم الإسناد والتلقي والإجازات: 8
المطلب الثالث: بعض المواقع والحسابات الشخصية الهامة في مجال بحثنا: خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.
المطلب الرابع: المواقع الهامة في مجال أمن المعلومات: 12
المبحث الثاني: ما لا بدّ من استحضاره أثناء البحث.. 13
المطلب الأول: نور العلم وأهمية اللقاء الحقيقي: 13
المطلب الثاني: سبب توسّع العلماء بالإجازة تمكّنُ طلاب الحديث عِلماً وضبطاً: 17
المطلب الثالث: الحرص على تقوية الإجازة ونوع التلقي: 19
المطلب الرابع: أمن المعلومات، والحسابات الزائفة، واختراق المواقع والحسابات الشخصية: 20
المبحث الثالث: ما لا بد من معرفته من بحوث مصطلح الحديث.. 21
الفصل الثاني: وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وأحكامها الحديثية. 28
المبحث الأول: وسائل التواصل المباشر 28
المطلب الأول: التواصل الشخصي بالصوت أو بالصورة: 28
المطلب الثاني: وسائل التواصل المباشر العامّ: 36
المبحث الثاني: وسائل التواصل غير المباشر 38
المطلب الأول: التلقي من التسجيلات الصوتية أو المرئية: 38
المطلب الثاني: المراسلات المكتوبة: 39
المطلب الثالث: إعطاءُ الشيخِ الطالبَ نسخةً إلكترونيةً عن كتابه الـمُجازِ به: 40
المطلب الرابع: المراسلات الصوتية والمرئية والمكتوبة: 41
المبحث الثالث: خلاصة ما سبق عن طريق السؤال والجواب: 42
الفصل الثالث: آداب التلقي والإجازات. 44
المبحث الأول: آداب التلقي والإجازات عموماً 44
المبحث الثاني: آداب التلقي والإجازات عبر وسائل التواصل الإلكترونية 51
المبحث الثالث: أخطاء طلاب الحديث في تعاملهم مع وسائل التواصل الحديثة: 52
المبحث الرابع: أخطاء طالبات الحديث في تعاملهنّ مع وسائل التواصل الحديثة: 62
الفصل الرابع: نصائح للاستفادة القصوى من وسائل التواصل في مجال التلقي 66
الفصل الخامس: رأي علماء الأمة. 70
([1]) هو الحافظ الإمام محدث الشام والعراق مؤرِّخ بغداد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، اشتُهِرَ بالخطيب البغدادي، ولد عام 392هـ وتوفي 463هـ،
([2]) عند الدقيقة 44 من هذا التسجيل المرئي: https://youtu.be/6cgbKunEEQY?t=2673
([3]) ما أجملَ كلام د. أيمن رشدي سويد عندما قال في المحاضرة نفسها: “لا يمكن أن أَفهَم نصوصَ الأئمة إلاّ مقروناً بتلقّي الشيوخ”، وهذه إحدى فوائد الإٍسناد والتلقّي، وكلّ هذا حصل فيما يتعلق بالقرآن الكريم، فكيف سيكون الوضع لو حصل مثله في كتب الحديث الشريف؟! لذلك علينا التأكيد على ضبط الإسناد والتلقي أكثر وأكثر.
([4]) مسند أحمد، ابن حنبل، ومقدمة صحيح مسلم، مسلم بن الحجّاج، وصحيح ابن حبان، محمد بن حِبّان البُسْتِي، تحقيق: شُعَيب الأرناؤوط،
([5]) مسند أحمد، ومقدمة صحيح مسلم،
([6]) أخذتُ هذا من الأَثَرَينِ التاليينِ؛ لأنهما ممّا تستحيل معرفتُه بالرأيّ، وبالنسبةِ للروايةِ عن أهل الكتاب فإن عبد الله بن عمرو بن العاص مِمّن روى عنهم، فأَثَرُه ليس له حُكمُ المرفوع، ولكنْ قال أحمد بن الحسين البيهقيُّ في دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: “وقد رُوِيَ ذلك عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً”،
ويَدعَمُ رفعَه أثرُ ابن مسعود التالي، وأمّا ابنُ مسعود فمِمّن لا يروي عن أهل الكتاب، بل كان يَنهَى المسلمين حتى عن سؤالِهم، فأَثَرُه له حكمُ الرفعِ قطعاً، والله أعلم.
([9]) مقدمة صحيح مسلم، باب في أن الإسناد من الدِّين وأن الرواية لا تكون إلاّ عن الثقات وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل مِن الذبّ عن الشريعة المكرمة، والعِلَل الصغير المطبوع في آخر السنن، محمد بن عيسى التِّرمِذي، تحقيق: أحمد شاكر،
وللتوسع حول هذه الكلمة الهامة وتصحيفاتها انظر: أبو غدة، عبد الفتاح، الإسناد من الدين وصفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين،
([10]) القارِي، علي بن سلطان، شرح شرح نُخبة الفِكَر في مصطلحات أهل الأثر، تحقيق: محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم،
([11]) الزَّرْقاني، محمد بن عبد الباقي، شرح العلامة الزرقاني على المواهب اللدنية بالمِنَح المحمدية للقَسْطَلاني، تحقيق: محمد عبد العزيز الخالدي،
([12]) مسند أحمد، وصحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، وصحيح مسلم،
([13]) مُختَصَرة مِن: العَوني، حاتم بن عارف، مقالة: (بيانُ الحدِّ الذي يَنتهي عنده أهلُ الاصطلاح والنقد في علوم الحديث)، المنشورة ضمن كتاب (علوم الحديث: واقع وآفاق/ ندوة علمية دولية)،
([14]) ومن أعجب هذه المواقف استحلافُ عَبِيدة السَّلماني لعلي بن أبي طالب t في روايته لحديثٍ هل سمعه من النبي r؟! كما في صحيح مسلم،
([15]) قال محمد بن خلاّد: “سمعت يحيى بن سعيد، وذَكَرَ شعبة وسفيان، فقال: سفيان أقلُّ خطأً؛ لأنه يَرجِعُ إلى كتابٍ”. كما في: الحنبلي، ابن رجب، شرح علل الترمذي، تحقيق: هَمّام عبد الرحيم سَعِيد،
([16]) وهذا التصوّر يجعلنا نفهم كلام عبد الرحمن بن مهدي: “لأن أعرف علّة حديثٍ واحد أحبُّ إليّ مِن أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي”. أخرجه محمد بن عبد الله الحاكم في معرفة علوم الحديث، تحقيق: د. السيد معظم حسين،
([17]) انظر بعضَ المعلومات والاقتراحاتِ حولَ هذا المشروع في منشورٍ على الإنترنت باسم: (جَمْعُ السُّنّة النبوية في كتاب واحدٍ .. المشروعُ والتّصوّر) لأحمد علي آل مريع، ويمكن تحميله من هذا الرابط:
https://drive.google.com/file/d/0BzfTA64xr9tWLWFBLWdnUDFocUk/edit?usp=sharing
([18]) البُستي، محمد بن حِبّان، كتاب المجروحين من المحدِّثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد،
([19]) المقصود من عبارة (الحدود الزمانية والمكانية): أن الزمان والمكان هما أهمّ ما يهتمّ به الشيخ والطالب في جميع المراحل السابقة، مثلاً: إمكانية اللقاء، مدّة السفر للوصول للشيخ …إلخ، أمّا في المرحلة السابعة هذه فلا قيمةَ تقريباً للزمان والمكان، فيمكن أن يلتقي الطالب بالشيخ بدون أن يلتقياْ مكانيّاً، كما يمكن تحصيلُ رواياتِ عدّةِ علماء في نفس اليوم وبينَهما سفر طويل.
([20]) أرجو التأكيد على هذه العبارة: “إضاعةً لذلك العِلم وتدميراً له”؛ لأنها واحدةٌ مِن الأفكار التي حذّرتْ هذه الرسالةُ منها مِراراً، وبنَتْ عليها أحكاماً أساسيّةً في موضوع العلاقةِ بينَ الإجازات وبين الإنترنت.
([21]) العَوني، مقالة: (بيان الحدّ الذي ينتهي عنده أهلُ الاصطلاح والنقد في علوم الحديث)
([22]) البُستي، المجروحين، 2/40.
([23]) http://www.almajd.ps/
([24]) الشّاطِبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان،
([25]) الفَسَوِي، يعقوب بن سفيان، كتاب المعرفة والتاريخ، تحقيق: د. أكرم ضياء العُمَري،
وهل اسم المؤلِّف (البَسَوي) نسبة إلى (بَسَاْ) كما على الغلاف، أم (الفَسَوِي) نسبة إلى (فَسَاْ)، كما ذَكَرَ الـمُحَقِّق في مُقدّمته 1/7 مِن غيرِ ذِكرِ خلافٍ؟! ولمعرفةِ الجوابِ مع تأصيلِه وأمثلته انظر البحثَ الرائعَ (كيفية كتابة الحروف الدّخيلة في لغة العرب) مِن كتاب: الـهُوْرِيني، نصر الوفائي، الـمَطالِع النَّصرِيّة للمَطابِع الـمِصريّة في الأصول الـخَطّيّة، تحقيق: د. طه عبد المقصود،
([26]) الرَّامَهُرمُزي، الحسن بن عبد الرحمن، المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي، تحقيق: د. محمد عَجَاج الخطيب،
([27]) العَلائي، خليل بن كَيْكَلْدِي، الفصول الـمُفِيدة في الواو الـمَزِيدة، تحقيق: د. حسن موسى الشاعر،
([28]) من الناحية اللغوية: الفرقُ بين (مَن لم يكتب لم ينجح) وبين (مَن لم يكتب سريعاً لم ينجح) أنه في الجملة الأولى: النجاح مشروط بالكتابة مُطلَقاً، وأمّا في الجملة الثانية: فالنجاح مشروط بالكتابة السريعة حصراً، بمعنى أنه لو كَتَبَ ولكن ببطءٍ لم ينجح.
([29]) ابن عبد البَر النَّمَرِي الأندلسي، يوسف بن عبد الله، جامع بيان العلم وفضله، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري،
([30]) الجَوْهَرِي، عبد الرحمن بن عبد الله، مسنَد الموطأ، تحقيق: لطفي بن محمد الصَّغِير، وطه بن علي بُو سريح،
([31]) الشافعي، محمد بن إدريس، ديوان الشافعي، تحقيق: د. مجاهد مصطفى بهجت،
وفي التعليق تخريج موسَّعٌ لهذه الأبيات، وقد أوردها في القسم الذي ثبتتْ نسبتُه إلى الإمام الشافعي، وهو مِن المعروفين بطول باعِه في مجال تمييز الأبيات المنسوبة للشافعي من حيث صحّةُ النِّسبة مِن عدمها.
([32]) ابن رُشْد الأندلسي، محمد بن أحمد، البَيان والتَّحصيل والشرح والتَّوجيه والتّعليل في مسائل الـمُستَخرَجَة، تحقيق: د. محمد حجّي،
([33]) أرجو التأكيد على هذه المفارقة المنعوتة بالكبيرة والمؤكَّدة بـ(جدًّا).
([34]) تعبيره بـ(المشامّة) هنا رائعٌ ومُؤَكِّدٌ على أهمية اللقاءِ الحقيقي، قال ابن فارس، أحمد بن فارس، مُجْمَل اللغة، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان،: “والـمُشَامَّةُ: مُفَاعَلَة، مِن: شامَـمْـتُه، إذا قارَبتَه ودَنوتَ مِنه”،
([35]) أبو غدّة، الإسناد من الدين وصفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين، ص146 باختصارٍ، ويَحسنُ متابعةُ كلامه حتى ص149.
([36]) مسند أحمد، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم،
([37]) هو أبو الوقت عبد الأول ابن الشيخ المحدث المعمر أبي عبد الله عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق السجزي، ثم الهروي، الماليني، ولد سنة 458هـ، انظر سير أعلام النبلاء 20/303، وعليه مدار أغلب أسانيد البخاري في عصرنا.
([38]) الإمام، المحدث، الحافظ، الرحال، أبو يعقوب يوسف بن أحمد بن إبراهيم الشيرازي، ثم البغدادي، ولد سنة 529هـ توفي 585هـ، انظر سير أعلام النبلاء 21/241.
([39]) هذه البركة هي ما سبق الكلامُ عليها في المطلب السابق (نور العلم وأهمية اللقاء الحقيقي) ص19، وأنها لا تحصل إلاّ بالمشافهة.
([40]) أحاديث الشيخ كانت عندَه، ولكنه سَعَى لعلوّ الإسناد؛ لأنه مقصودٌ لذاته، كما سيأتي معنا في المطلب الرابع (الحرص على تقوية الإجازة ونوع التلقي) ص25.
([41]) هنا بيتُ القَصِيدِ مِن هذه القصة الطويلة، فالرِّحلةُ يُمكنُ أن يَظُنّها البعضُ غيرَ مقصودةٍ لذاتها، والسَّفَرُ ماشياً كذلك، والـمُخاطَرَةُ واقتحامُ الأهوالِ _مِن مِثلِ الموت عَطَشاً أو تِيهاً أو بالسِّباعِ أو أَسْرِ الأعداء، وغيرُ هذا كثيرٌ_ كذلك، ولكنْ لا يُمكِـنُـنا أنْ نُفَسِّرَ تَحمِيلَ طفلٍ لِحَجَرَينِ وهو يمشي إلاّ أنه (كلّما عظمت المشقةُ لتحصيل الإجازة كثر الانتفاعُ والأجر)، وخاصةً أنّ الأبَ عالمٌ مُحَدِّثٌ تَرجَمَه الإمامُ الذّهبيُّ في سِيَر أعلام النبلاء 19/389.
([42]) هذا كلام واضحٌ مِن الإمام على أنّ الـمَشَقَّة في طلبِ الإجازةِ والتلقّي كانت مقصودةً لذاتها ولم تَكن لضرورةٍ مُلجِئةٍ، وخاصةً أنه قد تَكرَّرَ نَقْدُ العالِم، ومَعلومٌ حِرصُ العالِمِ على سُمعته وعدالته بينَ الناس، ومع هذا كلِّه أَصَرَّ؛ لأنه يريد النفعَ لابنه.
([43]) بعدَما كبر الابنُ وصار (شيخ الإسلام، مسنِد الآفاق) كان يَروي هذه القصةَ بعباراتٍ مُؤَيِّدةٍ. فرَحِـمَهما اللهُ وجزاهما _وسائرَ علمائنا_ خيرَ الجزاء.
([44]) الذَّهبي، سِيَر أعلام النبلاء، 20/307 باختصارٍ.
([45]) يجب التذكيرُ بأنّ هذا الاهتمامَ موجَّهٌ لطلابِ العِلم فقط وليس إلى عامّةِ الناس، فعامّةُ الناس مُرحَّبٌ بهم لحضورِ مجالس العلم والإملاءِ العامّةِ مهما كانت علومُهم ضئيلةً.
([46]) هو الإمام، الحافظ، الصادق، العابد، المقرئ، أبو زكريا العجلي، الكوفي، قال ابن المديني: “صدوق، فُلِجَ، فتغير حِفظه”، توفي سنة 189هـ، انظر سير أعلام النبلاء 8/357.
([47]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/161.
([48]) الرَّامَهُرمُزي، المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي، 1/574.
([49]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/250، والرامهرمزي، المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي، 1/528، ولفظُ الخبر: “جاء رجلٌ إلى إبراهيم النخعي فقال: أها هنا أبا عمران؟ وإبراهيمُ يَسمَع، ثم قال: أها هنا أبي عمران؟ فقال له إبراهيم: قل الثالثةَ وادخُلْ”.
([50]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/310-313.
([51]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/313-316.
([52]) العلي، صالح أحمد، ‘‘الرِّواية والأسانيد وأثرُها في تطوّر الحركة الفكرية في صدر الإسلام’’، مجلة المجمع العلمي العراقي، في المجلد 31 في العدد 1، عدد صَفَر سنة 1400هـ كانون الثاني 1980م، ص11-33، كما نَقَل عنه عبد الفتاح أبو غدة في كتابه (الإسناد من الدين)، ص139.
([53]) الرامهرمزي، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ص608.
([54]) اليَحصُبي، القاضي عياض بن موسى، الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، تحقيق: السيد أحمد صقر،
([55]) السَّخاوي، محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعِراقي، تحقيق: علي حسين علي،
([56]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/184-187.
([57]) هو الإمام، الحافظ، الرباني، شيخ الإسلام، أبو الحسن محمد بن أسلم بن سالم بن يزيد الكندي مولاهم، الخراساني، الطُّوسي، مولده في حدود الثمانين ومائة، توفي 242هـ، انظر سير أعلام النبلاء، 12/195.
([58]) الخطيب البغدادي، أحمد بن علي، الكفاية في معرفة أصول علم الرواية، تحقيق: إبراهيم آل بَحْبَح الدمياطي،
([59]) خشي أن يموت هو قبل أن يَسمعه، وهذا يعني أنه طلب الإسناد العالي لذاته وليس للتوثيق أو للنشر.
([60]) لقد بلغه الحديث وعَلِمَه، ولم تبقَ إلاّ فائدةُ سماعه بأذنيه، ومِن أجلِ هذا السماعِ فقط رَحَلَ وقَطَعَ آلاف الكيلومترات مع المخاطرة بحياته وماله ووقته، لماذا؟ لأنه عَلِمَ بأنّ السماعَ بأذنيه يَستحقُّ كلَّ هذه التضحيات.
([61]) مسند أحمد، مسند المكيين، حديث عبد الله بن أُنَيْس، 25/431، رقم الحديث 16042.
([62]) يقول البعض مستنكِراً: “مَن أنا عندَ الشركات العالمية وعندَ أعداء الأمة؟! وهل سيهتمون باختراق معلوماتي أنا؟! …إلخ”، فأقول لك: أنت مهم عند أعداء الإسلام؛ لأنهم يظنون أنه ربما تكون أنت مَن سيحيي هذه الأمة، وكذلك فإنهم يهتمون بك لا لشخصك بل للمشروع الذي تحمله وهو نصرة الإسلام وإعلاء راية القرآن، فهم يحاربون هذا المشروع كاملاً، وأنت جزء منه. هذا فضلاً عن أنه ثمة هواةٌ يَختَرقون ويُشغّلون الكمرة لِمجرَّد التسلية والهواية! فهل تَقبلُ أن تكون ضحيةً بسبب الجهل؟! وقد تزايد المشتكون مِن اختراق حساباتهم ونَشْرِ صور إباحية عليها بدون علمهم، أو إرسالها للأصدقاء، ممّا أثار مشاكل لكثير مِن طلاب العلم كانوا بغنًى عنها. وأيضاً ثمة برامج لا مهمةَ لها إلاّ مسحُ المعلومات أو إتلاف الأجهزة لأيِّ جهازٍ يُمكنُها اختراقُه.
([63]) علماً بأنّ هذا العِلم ليس دخيلاً على الأمّة الإسلامية، بل هو عِلمٌ من علوم الصحابة والتابعين، فكانوا يَستَخدمونه كما كانوا يَستَخدمون عِلمَ النحو والبلاغة، وثمة كتاب جيد في العلوم الأمنية عند النبي r والصحابة، وهو (الاستخبارات في دولة المدينة المنورة) تأليف د. إبراهيم علي محمد أحمد،
([64]) الخطيب، محمد عَجَاج، مقدمة (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي)، ص32 بتصرّفٍ.
([65]) ابن الصلاح الشَّهْرَزُورِي، عثمان بن عبد الرحمن، علوم الحديث، تحقيق: د. نور الدين عتر،
([66]) هو الإمام، الزاهد، أبو عبد الرحمن خلف بن تميم التميمي، الكوفي، قال ابن معين: صدوق. توفي سنة 213هـ، انظر سير أعلام النبلاء 10/213
([67]) هو الحافظ أبو الصَّلْت زائدة بن قدامة، قال العجلي: “ثقة، لا يُحدِّث أحداً حتى يسأل عنه، رَوَى عنه سفيان”. توفي 161هـ، انظر السِّيَر 7/375
([68]) الخطيب البغدادي، الكفاية، ص70 باختصارٍ.
([69]) الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث، تحقيق: د. محمد سعيد خطيب أوغلي
([70]) هو حوثرة بن محمد بن قديد المنقري، أبو الأزهر البصري الوراق، روى عن ابن عيينة والقطان وابن مهدي وغيرهم، وعنه ابن ماجه وابن خزيمة وزكرياء الساجي وابن جرير الطبري وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات، توفي سنة 256هـ، انظر تهذيب التهذيب 3/65.
([71]) هو الإمام، القدوة، شيخ الإسلام، أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذي السُّلمي مولاهم، الواسِطِي، الحافظ، سمع من: عاصم الأحول، ويحيى بن سعيد الأنصاري القاضي، وسليمان التيمي، وحميد الطويل، وبهز بن حكيم، وحَرِيز بن عثمان، وشعبة بن الحجاج، وإسماعيل بن عياش، وخلق كثير، وكان رأساً في العلم والعمل، ثقة، حجة، كبير الشأن، حدث عنه: بقيّةُ بن الوليد -مع تقدمه- وعلي بن المديني، وأحمد ابن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وخلق كثير، قال علي بن المديني: “ما رأيت أحفظ من يزيد بن هارون”. وقال يحيى بن يحيى التميمي: “هو أحفظ من وكيع”. وقال أحمد ابن حنبل: “كان يزيد حافظاً، متقناً”، توفي سنة 206هـ، انظر سير أعلام النبلاء 9/358.
([72]) هو الحافظ، العالم، المتقن، أبو عثمان حريز بن عثمان الرَّحَبِي، الـمَشْرِقي، الحِمصي، رُمِيَ بالنَّصْب، أي: بُغض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب t، قال أبو حاتم: “لا يصح عندي ما يقال في رأيه، ولا أعلم بالشام أحداً أثبت منه”، وقال أحمد ابن حنبل: “حريز: ثقة، ثقة، ثقة، لم يكن يرى القدر”، وقال أبو اليمان: “كان ينال مِن رَجلٍ، ثم تَرَكَ ذلك”، ورُوِيَ عنه أنه قال: “أأنا أَشتِمُ علياً؟! والله ما شتمته”، قال عمران بن أبان: “سمعت حريزاً يقول: لا أحبه، قَتَلَ آبائي”، وكان يقول: “لنا إمامُنا، ولكم إمامُكم” يعني: معاوية وعلياً رضي الله عنهما، وقال شبابة: “سمعت رجلاً قال لحريز بن عثمان: بَلَغَني أنك لا تترحّم على علي! فقال: اسكت، رَحِمَه الله مائة مرة”، والذهبيُّ روى هذا المنام أيضاً ثم ختم ترجمته بقوله: “هذا الشيخ كان أورع من ذلك”. توفي سنة 163هـ، انظر سير أعلام النبلاء 7/79.
([73]) الخطيب البغدادي، شرف أصحاب الحديث ص107.
([74]) هو الزاهد، الخاشع، واعظ أهل البصرة، أبو بشر صالح الـمُرِّي بن بشير القاصّ، حدَّث عن ثابت وقتادة وعدّة، قال البخاري: “منكر الحديث”. وقال أبو داود: “لا يكتب حديثه”. وقال ابن معين: “ضعيف”. وقال عفان: “كان شديد الخوف من الله، كأنه ثَكْلَى إذا قصَّ”. وقال ابن عدي: “قاصٌّ، حسن الصوت، عامّةُ أحاديثه منكرة، أُتِيَ مِن قلة معرفته بالأسانيد، وعندي أنه لا يتعمَدُ”. قال ابن الأعرابي: “كان الغالب على صالح كثرة الذكر والقراءة بالتحزين”. ويقال: “مات جماعةٌ سمعوا قراءته”. توفي سنة 172هـ، انظر سير أعلام النبلاء 8/46.
([75]) النووي، يحيى بن شَرَف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج،
([76]) هو الحافظ، محدث الشام، أبو عتبة إسماعيل بن عياش بن سُلَيم العَنْسِي، ولد سنة 106هـ، كان من بحور العلم، متين الديانة، صاحب سُنّة واتباع، وجلالة ووقار، قال: “ورثتُ مِن أبي أربعة آلاف دينار، فأنفقتها في طلب العلم”، توفي سنة 181هـ، انظر سير أعلام النبلاء 8/312
([77]) هو الإمام، شيخ أهل الشام، أبو عبد الله خالد بن مَعْدان بن أبي كَرِب الكَلاَعِي، الحِمصي، حدث عن خلق من الصحابة، توفي سنة 103هـ، وقيل: 104، وقيل: 105، وقيل: 108هـ، انظر سير أعلام النبلاء 4/536.
([78]) ابن الصلاح، علوم الحديث، ص380.
([79]) الرامهرمزي، المحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي، ص588.
([80]) يَظهَرُ جَلِيًّا لِمَن يُتابِع تَعامل طلاب العِلم مع مواقع التواصل الاجتماعي أنهم لا يُعيرون أيَّ اهتمام لاحتمال كونِ الـمُتكلِّم غيرَ حقيقي! بمعنى: أن طلاب العلم إنْ تكلّم الشيخُ فإنهم يَنقادون مباشرة إلى التعامل معه على أنه هو هو، فإذا كان علماؤنا بهذا الوعي والفَهم فكيف ينبغي أن نكون نحن بعد أن رأينا الآلات المسجِّلة والناقلة؟!
([81]) القَرَافي، أحمد بن إدريس، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض،
([82]) النووي، يحيى بن شرف، إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق r، تحقيق: د. نور الدين عتر،
([83]) ابن حجر العَسقَلاني، النكت على كتاب ابن الصلاح، تحقيق: د. ربيع بن هادي عمير، وقد سبق ص18 تفصيلٌ عن كيفية اختراق عبد الله بن صالح.
([84]) لئن كان هذا سابقاً مِن بابِ الأفضلِ والأكمل، إلاّ أنه يجبُ _اليومَ_ أن يَضبطَه الشيخُ والطلاب سويًّا، وأن يكون أساسيًّا لاعتماد صحة الإجازة لأي طالب.
([85]) المطبوع مع كتاب (الإسناد من الدين)، وخاصة من ص101 حتى ص106، مع التعليق الهام في ص104، والبقية الـمُلْحَقَة التي في ص160.
([86]) كانوا يَضْبِطون أسماءَ طلابِ العلم الحاضِرين بِقصد التّحمّل والأداء فقط، [مع بعض الأطفال المرجوّ مِنهم ذلك]، وأمّا العوامّ الحاضرون بِقصد البركة ونحوِها فلا يَضْبِطون أسماءَهم، انظر التعليقَ القيّم في الإسنادُ مِن الدين ص138 و139، وفي هذا تَعليمٌ هامٌّ لنا في عصرنا: أنْ ننشر مجالس الإملاء على وسائل الإعلام قدْرَ استطاعتنا، ولكنْ لا يُعتَمَدُ السّماعُ إلاّ بحسب الضوابطِ لهذا السّماعِ الـمُحدَث.
([87]) كما نصَّ عليه عبد الفتاح أبو غدة في (الإسناد من الدين، وصفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحديثين) ص137، مع مراعاة أنّ اسم (كاتب الغَيْبَة) له وظيفتان: وظيفة أساسية: وهي ضَبْطُ غياب الطلاب في المدارس، ووظيفةٌ فرعية: وهي المذكورة هنا.
([88]) أحياناً لم يكونوا يكتفون باسم المدينة أو القرية، بل قد يصلُ التحديدُ إلى ذِكر مكانِ الجلوس مِن المسجد!
([89]) في مقدمته لكتاب: الصّالِحِي، محمد بن طُولُون، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، تحقيق: محمد أحمد دهمان،
([90]) كان العلماءُ المحدِّثون سابقاً يضعون القواعد والضوابط ويُطبقونها من أجل تمييز الصادق من الكاذب والصحيح من الباطل، لذلك استمرّ هذا العلم مضبوطاً محفوظاً، وأمّا اليومَ فإنْ سِرنا على نهجِ العلماء بَقِيَ العِلمُ محفوظاً، وإلاّ فسيَضِيعُ هذا العِلمُ ويَنتهي، وهذا ما حذرت منه مراراً في هذه الرسالة.
([91]) هكذا كان الحال قديماً، فكيف بها اليوم؟! وإنّ طُرُق كشفِ الـمُزَوِّرينَ قديماً تُناسبُ طُرُقَ التزوير، وأمّا اليومَ فقد تَطوّرتْ طرقُ التزويرِ فوجبَ تطويرُ طرقِ كشفِ التزوير، بل يجبُ إيجادُ طريقةٍ حديثةٍ بحيث يَستحيل معها التزوير، وهذا ممكنٌ.
([92]) في مقدمته لكتاب: الصالحي، القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية، ص22.
([93]) فهذا الإمامُ مسلمٌ أخرجَ هذا المنامَ في مقدمة صحيحه 1/25: قال عليُّ بن مُسْهِر: “سمعتُ أنا وحمزةُ الزَّيَّـاتُ مِن أَبَانَ بنِ أبي عَيَّـاشٍ نحواُ مِن ألفِ حديثٍ. فلَقِيتُ حمزةَ، فأخبرني أنه رأى النبيَّ r في المنام، فعَرَضَ عليه ما سَمِعَ مِن أَبَانَ، فما عَرَفَ منها إلاّ شيئاً يَسيراً خمسةً أو ستةً”. وفي سير أعلام النبلاء 17/670: قال أبو الطَّيِّب: رأيتُ النبيَّ r في النوم، فقلتُ: يا رسول الله! أرأيتَ مَن رَوَى أنّكَ قلتَ: “نَضَّرَ اللهُ امرءاً سَمِعَ مَقالتي، فَوَعاها”، أَحَقٌّ هو؟ قال r: “نعم”.
([94]) أخرج الإمامُ الـمُحَقِّقُ الناقِدُ الذهبيُّ في سير أعلام النبلاء 14/384 أنّ الإمامَ الحافظَ الكبيرَ أبا بكرٍ الباغَنْدِيَّ رأى النبيَّ r في المنام فقال له: يا رسولَ الله! أَيُّـما أَثبَتُ في الحديثِ: منصورٌ أو الأعمشُ؟ فقال r: “منصورٌ، منصورٌ”.
([95]) في المبحث الثالث من الفصل الأول، ص29.
([96]) ثمة آلافُ الأمثلةِ على هذا كلِّه وأكثرَ مِنه مَبْثُوثَةٌ في كتبِ أئمّةِ الحديث، وبما أنني قرأتُ سِيَر أعلام النبلاء، وأنّ الإمامَ الذهبيَّ مِن أئمة الجرح والتعديل والتاريخِ، وأنّه يَهتمُّ بنَقدِ الآثارِ وتمييزِ المردودِ مِن المقبول حتى المنامات، فلذلك كلِّه سأحيلُ لبعض الأمثلة منه: ففي مجال التعامل مع الجنّ: 5/317، 19/76، 19/450، 23/295، 12/626. وفي مجال المنامات الـمُؤَثِّرة أو الـمُوَجِّهة في العقيدة!: 5/74، 5/124، 17/385، 20/509. وفي مجال الانتقال مِن مكانٍ لمكانٍ في لحظةٍ سوى حادثة الإسراء: 17/612، 20/283، 13/86. وفي مجال سماعِ الجنِّ أو الـمَلَكِ: 20/317، 20/445، وغير هذا كثير جدًّا، وأظنُّ أنّه لو جُمِعتْ خوارقُ العاداتِ والمناماتُ الـمُتعلِّقةُ بعِلم الحديثِ مِن سير أعلام النبلاء وحدَه لبلغتْ مجلَّداً، فما مِقدارُها لو جُمِعتْ مِن سائر كُتُبِ أئمةِ الحديث؟
([97]) ألفاظُ القصة مجموعةٌ مِن عدّةِ مصادر باختصارٍ، والقصة أخرجها أبو بكر البيهقي في (الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد على مذهب السلف وأصحاب الحديث)، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، وقال ابنُ كثير، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، تحقيق: د. عبد الله التركي، قال بعدَ أحد طرق الحديث: “هذا إسنادٌ جيّدٌ حَسَنٌ”، وقد حَكَمَ على بعض الطرق بالبطلان، ثم سَرَدَ مجموعةً مِن الطرق والرواياتِ، ثم قال: “فهذه طُرُقٌ يَشُدُّ بعضُها بعضاً”، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض، قال: “وهو إسناد حسن”.
([98]) حتى تاريخ الانتهاء مِن كتابة هذه الرسالة لم أرَ كلامَ أحدٍ في هذه المسائل فضلاً عن أن أنقلَ أقوالَهم وأدلَّتَهم، ولكني جمعتُ كلَّ ما يمكنُ أن يكون دليلاً للمبيحين فجعلتُه دليلَهم، وكلَّ ما يمكنُ أن يكون دليلاً للمانعين فجعلتُه دليلَهم، وهكذا رَدُّهُم على المبيحين، ففي هذا الأسلوب تَنقيحٌ للأفكارِ وتوضيحٌ للرؤية وتَسديدٌ للنتائج، والله أعلم.
([99]) أبو غدة، الإسناد من الدين، ص49.
([100]) الـمُحال عليه ممّا تمّ حذفه في هذا المختصر.
([101]) أبو غدة، الإسناد من الدين، ص78.
([102]) المعنى: أنّ الطالبَ البعيدَ يَسمعُ صوت المحدِّث ولكنْ بدون فهمٍ وتَحقّقٍ له، لذلك يستعينُ بالمستملي ليَفهمَ ويَتحقَّقَ ما سمعَه مِن المحدِّث.
([103]) أي: لا يجوز أن يَنقلَ الطالبُ عن الشيخ إلاّ أن يُبيِّنَ أنه سَمِعَ مِن المستملي ولم يَسمع مِن الشيخ، فمع البيانِ يَصحُّ اتصالُ السند؛ لأنه صار بين الطالب وبين الشيخِ واسطةٌ هي المستملي، وصار الإسنادُ هكذا: (الطالب حدثنا المستملي حدثنا الشيخ)، ويمكن التعبيرُ عن هذا بأيِّ طريقةٍ واضحةٍ، مثل: (سمعتُ مستملي الشيخ) أو: (عن الشيخ كما سمعتُه مِن المستملي).
([104]) النَّوَوي، إرشاد طلاب الحقائق، ص168.
([105]) أرجو التأكيد على علامات الترقيم وخاصة الجمل الاعتراضية، فأخطاءُ علامات الترقيم في النسخ المطبوعة جَعَلَ العباراتِ مُبهَمةً غيرَ واضحة المعنى، على الرَّغم مِن الأهميّة البالغة لهذه الفِقرة، علماً بأنّ الشاهدَ منها هو قول الإمام السخاوي: “بشرطِ أنْ يَسمعَ الـمُملي لفظَ المستملي” و “لأنّ المستملي في حكم القارئ على المملي”.
([106]) الأولُ هو: قَبول السماع مِن المستملي بشرطِ سماعِ الشيخ له، وهذا الشرط لم يَذكره ابن كثير وإنّما تَبعتُ فيه تَقييدَ السخاوي به، وانظر كلامَ ابن كثير وتعليقَ أحمد شاكر بأنه يُرَجِّحُ صحة السماع ولو لم يَسمع الشيخُ المستمليَ في: شاكر، أحمد محمد، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير،
([107]) السخاوي، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، 2/211.
([108]) وأفضلُ طريقةٍ لإثبات السماع هي إنشاء هيئةٍ عالميّة رسميّةٍ مُتخصِّصةٍ بعلمِ السماع والتلقّي وكلِّ ما يَلزم له في عصرنا، بحيث إن هذه الهيئة تَضبطُ بشكلٍ علميٍّ رسميٍّ جميعَ مجالس الإملاء مِن كلِّ جوانبها، فهي التي تُثبتُ صحّة إجازات المحدِّث، وتُثبِتُ حقيقةَ الطَّلَبَة وصحّةَ سماعِهم، ثم تُصدِرُ شهادةً رسمية يَستحيلُ تزويرُها، فإذا فعلنا هذا فهذا إنجازٌ عظيمٌ لديننا ودنيانا، لذلك أرجو الاهتمام به والعملَ عليه، وقد يُقال: هل الأفضل الهيئةُ أم المنظَّمةُ أم المؤسَّسةُ أم غيرُها؟ وهل المقصود بالعالَميّة بحسب اعتراف الدول أم علماءِ العالَم؟ وما مدى رسمِيَّتِها؟ وما مستوى العامِلين فيها؟ وما المقصودُ من إحاطتها بكلِّ ما يلزم لها؟ وهل يمكنُ إصدارُ شهاداتٍ يَستحيلُ تزويرُها؟ وغيرَ هذا، فأقول: الآنَ المهمُّ الفكرةُ وقَبولُها والتسليمُ بأهميتها، ثمّ بعدَها تبدأ التفاصيلُ والخطوات العملية؛ فهي تحتاج أبحاثاً طويلةً، كما أنها بحاجة لتكاتفِ وتعاضُدِ الجهودِ والأفكار مِن وُرَّاثِ النبوّة مع الاستعانة بالـمُتخصِّصين مِن سائر العلوم. وحتى وقتِ وجودِ هذه الهيئة يُمكنُ إثباتُ السماعِ بأيِّ طريقةٍ عِلميّةٍ منهجيّةٍ، ولو الطريقةَ نفسَها التي استعملها ابنُ الصلاح وسَبَقَ بيانُها في المبحث الثالث من الفصل الأول ص31-32، تحتَ عنوان: (ضَبْط المحدِّث لسماعِ الطلاب) و(مُثْبِت الأسماء أو كاتِبُ الطِّبَاق)، وبعدَها مباشرةً: (حِفْظُ السَّماع أو الطِّباق). ومِن الطرق المستعمَلَةِ حاليًّا: أن يُدَوِّنَ أحدُهم! اسمَ جميع السامعينَ عبرَ وسائل التواصل، ثم تُعلَن للجميع.
([109]) في المطلب الرابع: (أمن المعلومات، والحسابات الزائفة، واختراق المواقع والحسابات الشخصية) من المبحث الثاني في الفصل الأول، ص26.
([110]) في المطلب الأول السابق ص34.
([111]) تحت عنوان: (لا قيمةَ ولا اعتبارَ لخوارق العادة) في المبحث الثالث من الفصل الأول، ص32.
([112]) في المبحث الثالث من الفصل الأول ص33.
([113]) هذا ما يسمى بـ(التصحيح الكَشْفي) و(التضعيف الكَشْفي).
([114]) قال عبدُ الفتاح أبو غدة في تحقيقه لكتاب: القَارِي، علي بن سلطان، المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة،
قال رادًّا على مَن شَذَّ فاعتمد (التصحيح الكشفي): “كيف استساغَ قَبولَ هذا الكلامِ الذي تُهدَرُ به علومُ المحدثين وقواعدُ الحديثِ والدِّين، ويُصبِحُ به أمرُ التصحيحِ والتضعيفِ مِن علماءِ الحديثِ شيئاً لا معنى له بالنسبةِ إلى مَن يقول: إنه مكاشَفٌ أو يَرى نفسَه أنه مكاشَفٌ؟!! ومتى كان لثبوتِ السُّنةِ المطهَّرةِ مصدرانِ: النقلُ الصحيحُ مِن المحدِّثينَ والكشفُ مِن المكاشَفِينَ؟!! فحذارِ أنْ تَغـتَـرَّ بهذا، والله يتولاك ويرعاك” ا.هـ.
([115]) في المبحث الأول من هذا الفصل ص34.
([116]) الاحتجاج على فساد الرأي بــ(أنه يُؤَدِّي إلى بطلان جانبٍ مِن جوانب العِلم) مقبولٌ وصحيحٌ، وقد فعله علماءُ الحديث، فهذا الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/173 يقول: “والذي نستحبُّه طلبُ العالي؛ إذ في الاقتصار على النازل إبطالُ الرحلةِ وتركُها”. فلمّا كانت الرحلةُ مُستَحَبَّةً كان ما يَحفَظُها مُستَحبّاً أيضاً، وأمّا في مسألتنا فالتلقِّي والمشافهةُ والإسنادُ مِن فروضِ الكفايةِ وهي مِن خصائص هذه الأمةِ، لذلك فإنّ ما يَحفَظُها يكون مِن فروض الكفاية أيضاً، أي: يَحرمُ ما يُبطِلُها ويُلغِيها، وهو المطلوبُ إثباتُه، وقد سَبَقَ كلامُ عبد الفتاح أبو غدة ص43، والله أعلم.
([117]) في المطلب الأول من المبحث الأول من الفصل الأول ص11.
([118]) هذا التسجيل النادر: https://www.youtube.com/watch?v=ay3PPpRJvFM
([119]) بأيِّ صيغةٍ إلكترونيةٍ، مثل: Word أو pdf أو صورةٍ أو غيرِها.
([120]) في المطلب الرابع مِن المبحث الثاني من الفصل الأول ص35.
([121]) في المبحث الأول مِن الفصل الثاني ص34.
([122]) سَبَقَ ذكرها مختصرةً في المبحث الثالث من الفصل الأول، ص27.
([123]) الخطيب البغدادي، الكفاية، 2/277، وفي تحقيقه تخريجٌ موسَّعٌ وأن الأثر صحيح.
([124]) الخلف، عواد، ‘‘مناهج علوم الحديث: نظرات ووقفات’’، علوم الحديث: واقع وآفاق/ ندوة علمية دولية، بكلية الدراسات الإسلامية بدبي، بتاريخ 6-8 صفر 1424هـ، 8-10 إبريل 2002م،
والدكتور عواد الخلف أستاذ مساعد بكلية التربية والعلوم الأساسية بجامعة عجمان للعلوم والتكنلوجيا في العَين. وحبَّذا لو تُخصَّصُ رسالة جامعيّة لدراسةٍ مسحيّةٍ تَشملُ آلاف الطلاب من عموم العالم الإسلامي، فهذه دراسةٌ بالغةُ الأهمية، وقد سَهَّلَها وجودُ وسائل التواصل الإلكترونية ونحوها.
([125]) في المطلب الثاني من المبحث الثاني من الفصل الثاني ص45.
([126]) بل ربما أسلم بعض الناس بسبب التزامه بآداب العلماء، لي صديقٌ رآه أحدُ النصارى في أحد شوارع دمشق، فرأى أدباً وخلقاً في ملبسه ومشيته وتعامله مع الناس، فاتبعه إلى باب المسجد، وطلب منه أن يسلم على يديه.
([127]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/119.
([128]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/121-122.
([129]) من المفيد التذكير بها ولو كانت خارجَ نطاق موضوع الرسالة، لذلك سأسردها هنا سرداً: تَعميم السلام على الجميع وعدم تخصيص الشيخ وإهمال الباقين، وجلوس الطالب حيث ينتهي به المجلس، والنهي عن تخطِّي الرقاب، وكراهة الجلوس في مكان رجل خَرَجَ وهو يريد العَود إلى مجلسه، وكراهة إقامة الرجل والجلوس مكانه، وكذلك الكراهة ولو قام الرجل من تلقاء نفسه، ومسْح الطالب يدَه بثوب غيره أو أثاثه، وكراهة الجلوس وسط الحلقة، وكراهة التقدّم من تلقاء نفسه إلى صدر الحلقة، وكراهة الجلوس بين اثنين من غير إذنهما، واستحباب قَبول الجلوس بين اثنين وَسَّعَاْ له بينهما من تلقاء نفسيهما، وكراهة الجلوس مُتَرَبِّعاً في مكان ضيق، وكراهة التناجي بين اثنين إذا كانوا ثلاثة، وجواز القيام عند دخول المحدث، والأخذ بركاب المحدث، وتقبيل يده ورأسه ويمينه، واستحباب السلام على أهل المجلس إذا أراد الانصراف قبلَهم، وغير هذا كثير، وللتوسّع انظر الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع كاملاً، ومَن عَمِل بهذه الآداب صارتْ له مَلَكَة لمعرفة سائرِ الآداب في جميع الأزمنة والأماكن وفي كافة الحالات، والله أعلم.
([130]) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في نزهة النظر ص32: “وقَلَّ فنٌّ مِن فنون الحديث إلاّ وقد صَنَّفَ فيه كتاباً مفرَداً، فكان كما قال الحافظُ ابن نقطة: كلُّ مَن أنصف عَلِمَ أن المحدِّثين بعد الخطيب عيالٌ على كتبه”.
([131]) ابن حبان، صحيح ابن حبان، 1/278، وقال محقّقُه بعدَ أنْ خرّج طرقه ورواياته: “فيَتقوَّى الحديثُ بهذه الشواهد، ويَصِحُّ”.
([132]) ذكرتُ هذه الصفات كي نعلم مكانة هذا العالِم الذي يَنهَى عن طلب العلم غيرِ المفروضِ لمن لا يكفي نفسه وأهله، فهو أعلم منا بالعِلم وشروط طلبه، وثمة بعض طلاب العلم الذين ينتظرون صدقات الناس ولو على حساب كرامة العِلم.
([133]) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، ص709.
([134]) هو عاصم بن عصام أبو عِصْمة القُشَيْريّ البَيْهقيّ، روى عن: يَعْلَى بن عُبَيْد، وزيد بْن الـحُبَاب، وجماعة، وروى عنه: مؤمّل الماسرْجِسيّ، وإبراهيم بْن محمد بْن سُفْيَان الفقيه، وغيرهما، قِيلَ: “كان مُجاب الدَّعوة”. توفي سنة 261هـ، انظر: الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري،
([135]) قال محمد نعيم عرقسوسي ومأمون صاغرجي في تحقيقهما للجزء الثالث من سير أعلام النبلاء 3/344: “أخرجه البَلاذُري بسندٍ حسنٍ”.
([136]) البخاري، محمد بن إسماعيل، الأدب المفرد، تحقيق: سمير بن أمين الزهيري،
([137]) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب إذا قال: مَن ذا؟ فقال: أنا، 8/55، رقم الحديث 6250، وصحيح مسلم، كتاب الآداب، باب كراهة قول المستأذن: أنا. إذا قيل: مَن هذا؟ 3/1697، رقم الحديث 2155.
([138]) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثاً، 8/54، رقم الحديث 6245، وصحيح مسلم، كتاب الآداب، باب الاستئذان، 3/1696، رقم الحديث 2154.
([139]) ثقة، فقيه، عابد، ولد سنة 100هـ وتوفي 169هـ، وكذلك أخوه عليٌّ، ولد بعد أخيه بدقيقةٍ، وتوفي 151هـ، انظر تهذيب التهذيب2/285 و 7/332.
([140]) هو أبو زكريا يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غَنِيَّة الخُزاعي الكوفي، أصله من أصبهان، روى عن أبيه وإسماعيل بن أبي خالد والأعمش والثوري وغيرهم، وعنه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني ويحيى بن معين وآخرون، قال أحمد ابن حنبل “كان شيخاً ثقة”. وقال النسائي: “ليس به بأس”، وذكره بن حبان في الثقات، أخرج له مسلم وقرنه البخاري بغيره، توفي سنة 187هـ، انظر تهذيب التهذيب 11/252.
([141]) هو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد الشهيدي، أبو يعقوب البصري، روى عن أبي بكر بن عياش وغيره، روى عنه أبو داود في المراسيل والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وجماعة، قال أحمد: “صدوق”, وقال النسائي: “ثقة” وقال الدارقطني: “ثقة مأمون”. توفي سنة 257هـ، انظر تهذيب التهذيب 1/213.
([142]) هو العلامة، الحافظ، الثبت، محدث الوقت، أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي، ولد سنة 98هـ، سمع من: أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، وثابت البناني، وأيوب السختياني، وغيرهم، وروى عنه أُمَمٌ، قال أحمد ابن حنبل: “حماد بن زيد مِن أئمة المسلمين”، توفي سنة 179هـ، انظر سير أعلام النبلاء 7/456.
([143]) هو الحافظ، الإمام، الحجة، أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهَمْداني، السَّبِيعِي، الكوفي، روى له الجماعة، ولد سنة 100هـ، قال يحيى بن معين: “ثقة”، توفي سنة 160هـ، انظر سير أعلام النبلاء 7/355.
([144]) مسجد معروف في دمشق حتى يومنا بهذا الاسم.
([145]) لم يهتدِ إلى توجيهها لا المحقِّق د. محمد عجاج الخطيب في طبعته، ولا المحقِّق د. محمود الطعّان في طبعته، ولعلّ المرادَ منها هكذا: واللهِ _يا محمودُ_ لئن …إلخ، فسقطتْ واوُ القسم ولم يَذكرْ أداة النداء، والله أعلم.
([146]) ضَبَطَها محقِّقا النسختينِ بكسر اللام شكلاً وكتابةً مستدِلَّينِ بضبطها في معجم البلدان، ونَقَلاْ أنّ المخطوطة ضَبَطَتها بالفتح شكلاً وكتابةً، فالله أعلم، وهي قرية من قرى الغوطة الشرقية قرب دمشق، دُثِرتْ.
([147]) في المبحث الأول من هذا الفصل ص50.
([148]) قد سبق في المقدمة، ص6.
([149]) أخرج أبو القاسم الجوهري في مسند الموطأ ص99: “قال الإمام مالك: إنّ هذا العِلم دِينٌ، فانظروا عمّن تأخذونه، لقد أدركتُ سبعين ممن يقول: قال فلانٌ: قال رسولُ الله r عندَ هذه الأساطين -وأشار إلى مسجد رسول الله r- فما أخذتُ عنهم شيئاً، وإنّ أحدهم لو ائتمن على بيت مالٍ لكان به أميناً؛ لأنهم لم يكونوا مِن أهلِ هذا الشأن، وقَدِم علينا ابنُ شهاب، فكنا نَزدحِمُ على بابه”.
([150]) ابن أبي حاتم الرازي، عبد الرحمن بن محمد، الجرح والتعديل،
([151]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 2/170.
([152]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/214.
([153]) ثمة أمثلة كثيرة، ومِن كافة مناحي الحياة، وإنّ مِن أهمّ العلوم التي انتهتْ أو كادتْ تنتهي في عصرنا الحالي بسبب كثرة الغش والكذب هو موضوع إثبات نسب آل البيت الكرام، فمنذ أيام تحاورنا في إحدى مجموعات الفيسبوك مع بعض علماء آل البيت من آل الكتاني المعروفين وطلبتُ منهم إنشاء هيئة عالمية علمية متخصصة لحصر آل البيت وبالتالي إبطال نسب المدّعين وخاصة بأن هذا الموضوع يتعلق به أحكام فقهية من الصدقات وحتى الخلافة الإسلامية، ولكن للأسف كان جواب آل الكتاني مع بعض النسّابة من غيرهم بأنّ هذا لا يمكن فعلُه بسبب كثرة الـمُدَّعين الكَذَبَة وكثرةِ الجمعيَّاتِ الـمُحتالَة الـمُصَدِّرةِ للشهاداتِ الـمُزَوَّرةِ بإثباتِ النَّسَب طيلةَ القرن الماضي حتى صرنا اليوم لا نستطيع التمييزَ، فضاعَ حقُّ الصادقين إلاّ بعضَ العائلات المشهورة جدًّا في العالم الإسلامي، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
([154]) لن اذكر الموقع ولا مسؤولَه؛ لأنّه لا فائدةَ مِن ذكرهما سوى تعزيز الخطأ.
([155]) إنّ طالبَ الحديث الذي يترك بعضَ آدابِ طلب الحديث يصبح أسخفَ الناس، وقد احتجّ الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/118 بقول عمرو بن الحارث وحماد بن سلمة: “ما رأيتُ عِلماً أَشرفَ ولا أهلاً أَسخفَ مِن أصحاب الحديث” ا.هـ.
([156]) للأسف لم أجد مَن يَضبِطُ هذا الموضوع ما عدا صفحة أنشأها نصارى مصر للحوار بين المسلمين والنصارى، فوضعوا قواعد النشر في المنشور الـمُثبَّت، وهم لا يتساهلون مع أيّ منشورٍ مخالف، ولا حتى تعليق ضمن المنشور.
([157]) https://www.facebook.com/groups/438815122825308/permalink/681886771851474/
([158]) ثمة برامج مجانية سهلة تعالج هذه المشكلة تماماً، وسأذكر برنامجاً واحداً يستطيع حل هذه المشكلة لجميع صفحات الإنترنت مهما كانت، وعلى جميع المتصفحات، وباللغة العربية الواضحة إنْ كان متصفِّحُك عربيًّا، هذا البرنامج اسمُه: (Adblock Plus) وشِعارُه: مُثَمَّن أحمر مكتوب بداخله (ABP)، وهذا رابط يشرح باللغة العربية كيفية التعامل معه علماً بأن هذا الشرح لجزءٍ من إمكانيات البرنامج، فيمكنكم البدء باستخدامه ثم معرفة سائر ميزاته، واستخدامُه لجميع صفحات الإنترنت: http://www.youtube.com/embed/k43Bt_vXmIQ
([159]) لا يَخفى أن الحلّ الجذري والصحيح لهذه المشكلة يكمن في اعتماد المسلمين على أنفسهم في كل شيء، فطالما أننا نستخدم ما يصنعه أعداؤنا فلن نفلح الفلاح الحقيقي، ولكنْ إنْ بدأنا بصناعة ما نحتاجه ابتداءً من صناعة الحاسب ومروراً بالبرامج وانتهاءً بالاستقلالية الكاملة فحينئذٍ يعود عزّ المسلمين كما كان، ونقود العالم نحو حضارة العلم والأخلاق، وليس هذا الكلام ببعيد، ففي سوريا مثلاً أعرف شخصاً عرض على وزير الصناعة أن يصنع له حاسباً أفضلَ من الحواسب العالمية، ولكنه رفض!!!، وكذلك والدي رحمه الله اخترع جيلاً جديداً من أجهزة اللاسلكي، ولكنّ الله سلّمه بأعجوبة، وتمّتْ مصادرة اختراعه وإتلافه، وثمّة أمثلة كثيرة في كل المجالات، فإذاً ليست مشكلتنا في قلّة كفاءاتنا وعقولنا، ولكن المشكلة في أنّ أغلبنا ما يزال راضياً بالاستعمار الفكري الذي يحتلّ عمومَ بلاد المسلمين.
([160]) الـمُحال عليه ممّا تمّ حذفه في هذا المختصر.
([161]) بل إنّ طالب الحديث الذي يهتمّ بهذا مع زوجته لن يُفلِح، أخرج الخطيب البغدادي في الجامع لإخلاق الراوي وآداب السامع 1/152 قولَ إبراهيم بن أدهم: “مَن تَعوّد أفخاذَ النساء لم يُفلِح”.
([162]) www.facebook.com/groups/438815122825308/permalink/667546916618793/?comment_id=668080086565476&offset=0&total_comments=24
([163]) هو Dr. Wyatt Woodsmall
([164]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/148.
([165]) الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، 1/298.
([166]) ابن حجر، تهذيب التهذيب، 4/344.
([167]) حَبَّذا لو يَنْشَطُ بعضُ الأفاضل لتأليف كتابٍ حول أخلاق التعامل مع الأجهزة الإلكترونية على اختلافها، فحاجةُ الجيل الناشئِ لهذا الموضوع بالغة.
([168]) في المبحث الأول من هذا الفصل ص50.
([169]) ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله، 1/561.
([170]) وكذلك ثمة سببٌ ثانٍ، وهو أننا في زمنٍ كثُر فيه الـمُفتونَ مِن غير أهل العلم والصلاح، فأحببتُ عدم فتح بابٍ للجدال هنا، فالمقصود بيانُ الآداب والتحذيرُ من نقيضها دونَ فتح بابٍ للنقاشات، فمثلاً: ثمة مدرِّسة في معهدٍ شرعيٍّ أكثرتْ من النكت والقهقهة المكتوبة ونشرِ صورها مع التجميل على مواقع التواصل العامة، فنصحها أحدُ الشباب بالتزام الآداب الإسلامية، فأجابته: (إذا كان صوتُ المرأة وبعض جسدها وبعض الزينة مباحاً، فكيف بكتابتها؟!!!).
([171]) هذا للغالبية العظمى من المواقع والحسابات والمجموعات العامة وحتى الشخصية، ولكنه لا ينطبق على بعض المجموعات المغلقة الصغيرة المضبوطة تماماً والخاصة بالنساء.
([172]) ومِثل كثرة الكتابة كثرةُ الإعجابات في المواقع والبرامج التي تتيح هذه الميزة دون كتابة أي شيء.
([173]) هذه النصيحة منتشرة على المواقع ويتم إرسالُها عبر وسائل التواصل أحياناً بدون عزوٍ لقائل وأحياناً مع العزو لأشخاص مختلفين، لذلك لن أعزوها لأحد، وجزى الله خيراً قائلها.
([174]) ثمة عَمَلٌ ممتازٌ حول التعليم العربي المفتوح، ظهرَ هذا العام وهو يَستحقّ الدراسة والاهتمام، وأرجو العمل على مِثاله أو أفضل بِتَخَصُّص كافّة علوم الحديث، وهو موقع (رواق): http://www.rwaq.org/
([175]) إنّ طُرُق كشفِ الـمُزَوِّرينَ قديماً تُناسبُ طُرُقَ التزوير، وأمّا اليومَ فقد تَطوّرتْ طرقُ التزويرِ فوجبَ تطويرُ طرقِ كشفِ التزوير، بل يجبُ إيجادُ طريقةٍ حديثةٍ بحيث يَستحيل معها التزوير، وهذا ممكنٌ.
([176]) فطالبُ الإجازة لا يَصِلُ إلى معرفةِ مَن ينبغي استجازتُه إلاّ بِشقِّ الأنفس، وكمْ مِن عالمٍ زاره ولم يَستجزْه لعدم علمه بإجازاته العالية، ثم بعد هذا لا يَعرفُ إجازات شيخه، فضلاً عن مشايخ شيوخه حتى النبي r، وإذا أرادَ قراءةَ كتابٍ يَعسُرُ عليه جدًّا معرفةُ أفضلِ مَن يقرأ عليه، وهكذا عشراتُ العقباتِ أمامَ طالب الحديث اليوم، وكلُّ هذه العقبات ستصبحُ ذلولةً سهلةً وفي متناوَل جميع المسلمين إذا نفّذنا هذه الوصية، والله أعلم.
([177]) هذه بعض الأفكار المبدئيّة، ولا شكّ بأنها قابلة للتعديلات الكثيرة مع الممارسة العملية لها ومع تَطوّر التقنيات.