هذا مختصر رسالة الدكتوراه في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في أكاديمية آلبورك للعلوم في مملكة الدانمارك، بإشراف الأستاذ الدكتور عمر السيد أبو سلامة رئيس قسم الدراسات الإسلامية، حيث حصلت على درجة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية وتاريخ الأديان عام 2018م
ومعنى مختصر الرسالة اختصار الكلام وحذف التعليقات وتفاصيل المراجع وغيرها؛ كي يناسب الشباب عموماً، لأن الغاية من نشرها استفادة الشباب بأقرب وسيلة إليهم، وليست الغاية نشر نموذج رسالة دكتوراه:
اضغط هنا لتحميل الكتاب نسخة pdf
اضغط هنا لتحميل الكتاب نسخة وورد Word
***
مملكة الدانمارك
أكاديمية آلبورك للعلوم
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
الأدلة العقلية على البعث والنشور
من القرآن الكريم
رسالة مقدمة لنيل درجة العالمية (الدكتوراه) في الدراسات الإسلامية وتاريخ الأديان
إعداد الطالب
أسامة بديع سعيدان
إشراف
فضيلة الأستاذ الدكتور عمر السيد أبو سلامة
الأستاذ المحاضر بأكاديمية آلبورك للعلوم، ورئيس قسم الدراسات الإسلامية
1439هـ-2018م
تـمَّ اختصار الكلام، وحذف التعليقات وتفاصيل المراجع وغيرها؛ كي يناسب الشباب عموماً.
لمراسلة المؤلف: 00905334511222 usame.saiydan@gmail.com www.saiydan.com
الملخّص
إنّ تفاصيل ما سيَحصُل بعد موت الإنسان مجهولةٌ وغير مُدْرَكة بالحواس، لذلك كان مِن الصعوبة إثباتُها ولو بالعموميات، ولذلك اختَلَف البشر حولها من قديم الزمان حتى يومنا هذا، ولكنّ الإنسان العاقل يَقِيسُ الغائبَ على الحاضر، فيَعلَمُ قطعاً ويقيناً ما غاب عنه ولم يُدرِكْه بحواسّه، وإننا _معاشرَ المسلمين_ قد أَكرمنا الله I بالقرآن الكريم الذي خاطب عقولنا قبل أن يخاطب أرواحنا وعواطفنا، فتَحدّث بمئات الآيات القرآنية عن الأدلة العقلية على البعث والنشور، وزادها تأكيداً من خلال مئات الآيات القرآنية المخبرة عن تفاصيل دقيقة لما سيَحدث بعد موتنا وبما حدث للموتى.
فجاءت هذه الرسالة لِتُصنِّف الآيات القرآنية بحسب دلالتها العقلية على البعث والنشور، فبدأتْ بالأدلة العقلية المذكورة صراحة في القرآن الكريم، فذكرتْ ستة أنواع من الأدلة العقلية لإثبات البعث والنشور والحساب بعد الموت والفناء، ثم بالآياتِ المتحدِّثة عن تفاصيل ما بعد الموت، وفيها تسعةُ أنواع من الأدلة القرآنية العقلية غيرِ صريحةِ الدلالة، ولكنها ذاتُ تأثير قوي في ترسيخ الإيمان العقلي والعاطفي بالبعث والنشور، ثم نقلتْ الرسالةُ آراء علماء الشريعة والفلسفة وعقائد الديانات السابقة، مع مناقشتها بالأدلة العقلية والأساليب المنطقية، ثم كان الفصلُ الأخير لذكر أوجه ترسيخ القرآن لعقيدة البعث والنشور وتفاصيلها في نفوس المؤمنين، ثم خُتِمتْ الرسالةُ بذكر النتائج.
Abstract
The details of what will happen after death are ambiguous and cannot be recognized by senses , so its hard to prove it by generalities , therefore ,human beings have always had deferent views about this issue , but smart person does translate the present according to past ,so he could acknowledge what he has missed and what he couldn’t recognize by senses ,as Muslims god has gifted us with The Holy Quran ,which has directly addressed our minds before souls and emotions ,and it talked in hundreds of verses about Resurrection and Propagation ,moreover a lot of verses have spoken in depth details about what is going to happen and what actually has happened to deads.
The letter came in order to classify the Qur’anic verses according to their mental significance to the Resurrection and Propagation. They started with the mental evidence mentioned explicitly in the Holy Qur’an. It mentioned six kinds of mental evidence to prove the Resurrection and Propagation and the Account after the death and the annihilation. The Qur’anic mentality is not explicit, but it has a strong influence in establishing the mental and emotional faith in the resurrection. The message then conveyed the views of the scholars of Sharia, philosophy and the doctrines of the previous religions, the reasons of the establishment of the Koran of the doctrine of Resurrection and Propagation and details in the hearts of believers, and then concluded the letter by mentioning the results.
Özet
İnsanın ölümünden sonra olacakların ayrıntıları meçhuldür ve duyularla idrak edilemez. Bu nedenledir ki genellemelerle dahi olsun bunların ispatı zordur. İnsanoğlu geçmişten bugüne bunlar hakkında daima farklı düşüncelere sahip olmuştur. Fakat akıllı insan, gaibi görünene kıyaslamak suretiyle görmediği ve duyularıyla idrak etmediği bir şeyi dahi kesin ve mutlak bir şekilde bilebilir. Biz, ”Müslümanlar Topluluğu” Yüce Allah tarafından Kuran-ı Kerim gibi bir nimete mazhar kılınmışız. O Kur’an ki ruhlarımızdan ve duygularımızdan önce akıllarımıza hitap eder. Yüzlerce Kur’an ayetiyle öldükten sonra dirilme (ba’sü ba’del-mevt) ve haşir hakkında aklî deliller sunar. Ölümümüzden sonra olacaklara ve ölenlerin başlarına geleceklere dair ayrıntılı haberler veren yüzlerce Kur’an ayeti, bu inancı daha da pekiştirmektedir.
Bu tez; Kur’an ayetlerini, ölümden sonra diriliş ve haşre ilişkin âkli manalarına göre tasnif etmek amacıyla kaleme alınmıştır. Tez, Kur’an-ı Kerimde açıkça zikredilen aklî delillerle başlar. Ölümden sonra diriliş, mahşer, ölümden sonra hesap ve fenâ bulmaya dair delilleri altı başlık altında topladıktan sonra ölümden sonraki hayatın ayrıntılarından bahseden ayetleri ele alır. Bunlar, aklî Kur’an ayetleri olarak dokuz türdedir. Delâletleri bakımından açık olmasalar da diriliş ve haşre olan aklî ve duygusal inancı derinleştiren güçlü bir etkiye sahiptirler. Tez bundan sonra, İslam âlimleri, filozoflar ve önceki dinlere inananların konuyla ilgili görüşlerini aktarır. Bu görüşleri aklî deliller ve mantıksal yöntemlerle müzakere eder. Son bölümde Kur’an-ı Kerim’in ölümden sonra diriliş ve haşir inancını derinleştirdiği boyutları, bu inancın Müslümanların benliklerindeki yansımalarını ele aldıktan sonra, neticeleri sıralayarak son noktayı koyar.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) [يس]
شكر وتقدير
إهداء
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على حبيبنا وشفيعنا وقائدنا محمد r، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيّدنا محمداً رسول الله r، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة، صاحب الشفاعة الكبرى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (لقمان 28)، فالله قادر على البعث والنشور، وهو موضوع بالغ الأهمية في الدِّين والدنيا، وبدونه يفسد الدِّين والدنيا كما سنلمس بعد قراءة هذه الرسالة، فالإسلام اهتم بعقيدة البعث والنشور اهتماماً بالغاً بحيث جعلها مِن شروط صحّة الإيمان بالله ومِن شروط النجاة يوم القيامة، بل يمكنني القول بأنه اهتم بها أكثر من غيرها من شروط الإيمان؛ لأنه تحدّث عنها وأفرد لها مساحات واسعة من الآيات الكريمة تفوق ما تحدث به عن سائر أركان الإيمان، فالآيات الكريمة التي ذكرتها في هذه الرسالة _ولم أقصد الاستيعاب، إنما ذكر النماذج الموضِّحة_ بلغت قرابة 326 نصّ قرآنيّ، وكذلك فالإيمان بالبعث والنشور ضروري للحياة الدنيا ولا تستمر إلاّ به، وتزداد هذه الأهمية الدينية والدنيوية في عصرنا الحالي.
وفي هذه الرسالة بعض الأدلة العقلية والمنطقية والشرعية، ذكرتها ضمن خمسة فصول، كلها تهدف إلى إثبات البعث والنشور بالأدلة العقلية المنطقية سواء كان الإثبات بشكلٍ مباشرٍ أم غير مباشر، فبلغ عدد الأدلة واضحة الدلالة خمسة عشر دليلاً، ثم سائر الرسالة أدلةٌ غير واضحة الدلالة إلاّ بعد التدقيق فيها كما سأشرحه في مقدمة كل فصلٍ.
فصّلت في الفصل الأول ستة أدلة عقلية صريحة الدلالة استخدمها القرآن الكريم، ثم جاء الفصل الثاني لذكر تسعة أدلة صريحة الدلالة ولكنها عقلية بشكل غير مباشر، حيث يذكر القرآن الكريم تفاصيل الآخرة، وجاء الفصل الثالث ليُدلِّل بالأدلة العقلية غير صريحة الدلالة على قطعية البعث والنشور، من خلال استعراض آراء مختلف العلماء حول إمكانية الآخرة وتفاصيلها مع أدلتهم، ثم كان الفصل الرابع دليلاً عقلياً غير صريح الدلالة أيضاً، من خلال مناقشة عقائد غير المسلمين، وأخيراً جاء الفصل الخامس كدليلٍ عقليٍّ غير صريح الدلالة أيضاً، من خلال إدراك مدى أهمية عقيدة البعث والنشور في حياة البشر، وأنه لا يمكن أن تستمر حياتهم إلاّ بوجود هذه العقيدة، حيث إن الكون الذي صَلُح لحياة البشر بكل تفاصيله اللامتناهية لا بدّ أن تكون هذه الجزئية ممّا يصلح أيضاً.
إن علم العقائد من أهم العلوم، ومنه الإيمان باليوم الآخر والبعث والنشور، وتزداد الأهمية في عصور الاكتشافات العلمية وازدياد اعتماد الإنسان على عقله وما يحسّ به، ويمكنني أن أجمل سريعاً بعض جوانب أهمية موضوع هذه الرسالة:
1- تزايد الشكّ في صحّة عقيدة البعث والنشور واليوم الآخر، وخاصة في السنوات الماضية، حيث انتصر الظَّلَمة على الضعفاء في عدة دول، ممّا دفع كثيراً من الشباب للبدء بالشكّ في وجود الآخرة وحقيقة البعث والنشور.
2- إن كثيراً من المسلمين هاجروا إلى الدول غير الإسلامية، فوجدوا فيها ما افتقدوه في بلادهم من العدل والكرامة وغيرها، فبدأ الشك يسري إلى عقولهم حتى في الأمور الغيبية القطعية التي كانوا يؤمنون بها في بلادهم الإسلامية الظالمة.
3- إن غير المسلمين تتزايد أسئلتهم واستفساراتهم عن الإسلام وعقائده وأدلتها العقلية، وهؤلاء يحتاجون لأمثال هذه الرسالة التي تخاطب عقولهم في أكثر المواضيع غياباً عن محسوساتهم الآن، وهو موضوع البعث بعد الموت، ثم الحساب على كل صغيرة وكبيرة، ثم الجزاء العادل مِن الخالق الذي لم تكن تظهر عدالته دائماً في الحياة الدنيا؛ لأن الإنسان عجول ويريد رؤية العدالة فور وقوع جريمة المجرم، ولكنّ الله I بحكمته وعدله لا يحاسب حتى ينتهي وقت الامتحان إلاّ نادراً.
الحديث عن البعث والنشور واليوم الآخر هو أكثر موضوعٍ سُئِلت عنه من قبل شريحة واسعة ممن حولي في السنوات الأخيرة، وهو مِن أكثر المواضيع أهمية للسائلين على الإطلاق، وفيما يلي بعض الجوانب التي تبين هذه الأهمية وأسبابها:
1- توضيح مسألة البعث والنشور، مع الاستدلال عليها بالأدلة العلمية والعقلية والمنطقية والشرعية.
2- إظهار أهمية الإيمان بالآخرة والبعث والنشور في عصرنا الحالي.
3- المساهمة في معالجة مشاكل المجتمعات الإسلامية ومشاكل المسلمين المقيمين في المجتمعات غير الإسلامية.
4- بيان بطلان الأقوال المنكرة للآخرة والبعث والنشور.
ثمة كتب كثيرة تتحدث عن الآخرة والبعث والنشور، وهذه الرسالة مختلفة عن جميع هذه الكتب بأسلوبها المناسب لمخاطبة عقول جيلنا المعاصر، وباعتماد الأدلة العقلية المنطقية الصحيحة وليس الأدلة التي ظاهرها عقلي منطقي وحقيقتها مخادعة، وهي الأدلة العقلية التي اعتمد عليها منكرو البعث والنشور وغيرهم كما سيأتي تفصيله في مواضع كثيرة من الرسالة، وكذلك من حيث عدم الاكتفاء بالأدلة من القرآن الكريم أو سرد الأحاديث النبوية، حيث إني جمعت بين الأدلة العقلية المنطقية وبين الأدلة الشرعية من الآيات القرآنية بأسلوب واضح معاصر أكاديمي، وقد استفدت كثيراً جداً من رسالة الماجستير لعمّي والد زوجتي فضيلة العلامة الشيخ أحمد الأحمد حفظه الله “البعث والنشور في القرآن الكريم”، حيث جمع غالبية الآيات التي تتحدث عن البعث والنشور مع تصنيفها بحسب موضوعها، وكذلك استفدت كثيراً من جهوده وأبحاثه وعلومه، جزاه الله عني كل خير.
المبحث1: الله قادر على كل شيء
المبحث2: قياس الآخرة على الدنيا
المبحث3: قياس إعادة إحياء الأرض
المبحث4: لا تتحقق العدالة الدنيوية إلا بوجود آخرة
المبحث5: مثال النوم والاستيقاظ
المبحث6: إحياء الموتى في الدنيا
المبحث1: الدليل القرآني الأول: حشر المخلوقات كلها
المبحث2: الدليل القرآني الثاني: صحائف الأعمال وعرضها على الله
المبحث3: الدليل القرآني الثالث: محاسبة العباد
المبحث4: الدليل القرآني الرابع: الميزان
المبحث5: الدليل القرآني الخامس: حوض النبي r
المبحث6: الدليل القرآني السادس: الصراط
المبحث7: الدليل القرآني السابع: الشفاعة
المبحث8: الدليل القرآني الثامن: نار جهنّم
المبحث9: الدليل القرآني التاسع: الجنة
المبحث1: المذهب الحق: إثبات الآخرة وأنّ البعث والنشور للجسد والروح
المبحث2: مذهب القائلين بأن البعث والنشور للروح فقط
المبحث3: مذهب المنكرين للآخرة
المبحث4: مناقشة منكري البعث للروح والجسد
المبحث1: الإيمان بالآخرة ركن من أركان الإيمان في الإسلام
المبحث2: الإكثار من أخبار الناس وقصصهم في الآخرة
المبحث3: الوعود بأنواع النعيم للطائعين في الآخرة
المبحث4: الوعيد المخيف بأنواع العذاب في الآخرة
المبحث5: النقولات عن الأمم السابقة التي تؤكد إيمانهم بالآخرة
أولاً: البعث لغةً: مِن معانيه اللغوية: الإرسال، الإيقاظ، الإثارة، الإحياء، فبمعنى الإرسال قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ (يونس 75) يقال: بعثه يبعَثُه بَعْثاً أي: أرسله، وبمعنى الإيقاظ الحديث: ((أتاني الليلةَ آتيانِ فابتعثاني))(البخاري) أي: أيقظاني من نومي، وبمعنى الإثارة قولهم: بعثْتُ البعير فانبعثَ، أي: أثرتُه فثار، وبمعنى الإحياء قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾(البقرة 56) أي: أحييناكم. (لسان العرب)، والبعث اصطلاحاً: إحياء الله U الموتى وإخراجهم من قبورهم (التفتازاني).
ثانياً: النشور لغة : مِن معانيه اللغوية: الحياة بعد الموت، البسط، التفرق، فيقال: نَشَرَ الميتُ نُشوراً، إذا عاش بعد الموت، وأَنشَره الله: أحياه. ومنه: ﴿ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ﴾ (عبس 22) أي: أحياه. و: ﴿وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِرُهَا﴾ (البقرة 259).
والنشور اصطلاحاً: إحياء الخلق بعد موتهم(المسامرة). وقيل: البعث والنشور بمعنى واحد، وهو عبارة عن الإخراج من القبور(الصاوي).
إن القرآن الكريم هو كلام الله الحق، فعندما يخبرنا بأي خبر نَقْلي فإن المسلم يؤمن بصحته من غير أي دليل عقلي، ولكنّ الله الرحيم بنا ساق لنا أدلة عقلية منطقية على صحة كلامه، كي نزداد إيماناً ويقيناً وتطمئن قلوبنا، وأيضاً كي يقتنع غير المسلم ويؤمن بالأدلة العقلية المنطقية، وهذا كله من رحمة الله بالناس.
إن القرآن الكريم فيه أدلة عقلية منطقية لإثبات الآخرة، وفيه أخبار نقلية عمّا سيحدث، وفي هذا الفصل سنتكلم عن الآيات التي تخاطب العقل بأدلة عقلية، وقد صنّفتها تحت ستة أنواع من الأدلة العقلية، سأذكرها وأذكر طائفة كريمة من الآيات المندرجة تحت كل نوعٍ منها، ولن أذكر جميع الآيات؛ لأنها كثيرة جداً، إنّما سأذكر نماذج منها، وهذه النماذج انتقيتها بحيث تشمل عدة أساليب وطرق وكيفيات في مخاطبة عقل الإنسان ووعيه.
وقبل عرض الأدلة العقلية من القرآن الكريم لا بدّ من الإجابة عن بعض الأسئلة:
السؤال الأول: هل نهاية العالم مؤكَّدة؟
الجواب: نعم، مؤكدة، وهذه بعض الأدلة والإشارات:
– العمر الافتراضي لمصادر الطاقة: بات من المسلَّمات أن لكل شيء في الكون عمراً محدداً، مثلاً: الشمس -وهي مصدر الطاقة لكوننا- ما تزال طاقتها تَنخفض وتُستهلَك حتى يأتي الوقت الذي تنتهي فيها الانفجارات وتخمد، وحينها لن توجد أي حياة في عالمنا.
– الزلازل: تزداد الزلازل وتشتد قوتها، وهذا ينذر بأنه سيأتي يوم وتقضي فيه الزلازل على الحياة كاملة، بل إن الزلازل في الأرض تشير إلى إمكانية زلازل كونية تتشقق فيها السماوات كما نرى تشقق الأرض الأن، وتتطاير الكواكب كما نرى تطاير الصخور الآن، قال تعالى: ﴿ إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ`وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ` وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ` وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ` عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (الانفطار 1-5)، ومن الزلازل الكبرى التي نعرفها زلزال عام 1897م في الهند، حيث دمّر شمال الهند، بل غيّر اتجاه الأنهار الكبرى، حتى إن قمة إفرست في جبال الهيملايا ارتفعت 100 قدم!(وحيد الدين خان)
– البراكين: إن سطح الأرض مستقر، ولكن باطنها مستعر، لذلك تنفجر بعض الأماكن في الأرض، وهذه الانفجارات التي نسميها البراكين تشير إلى تزايد احتمالات حصول البركان الأكبر الذي يشمل الأرض كلها، أو حصول بركان لنجم أو كوكب هائل، بحيث يقضي على الحياة، وكذلك فإن النجوم عبارة عن أجرام ملتهبة، وكلها متحركة، فلا بد أن يأتي الوقت الذي تصطدم فيه بحيث تنهي الحياة في عالمنا كله، قال تعالى:﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ` وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ`وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ` وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ` وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ` وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ` وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ` وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ` بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ` وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ` وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ ` وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ` وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ` عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ (التكوير 1-14). إذن نهاية العالم نعرفها اليوم بالإمكانية والإشارات، وغداً سنشاهدها بالواقع (وحيد الدين خان).
السؤال الثاني: بعد نهاية النظام الكوني الحالي هل يمكن أن تبقى حياة؟
الجواب: نعم، ستبقى الحياة؛ لأن الروح شيء والجسد شيء آخر، ونهاية النظام الكوني يعني نهاية الأجساد ولا علاقة له بالأرواح، وإليكم الدليل: عدد خلايا الإنسان تقريباً 260.000.000.000.000.000 خلية، وكل خلية لها عمر بحيث تموت فيه، وهكذا فإن جسم الإنسان بعضه يتغير كل 40 يوماً وبعضه يتغير كل 10 سنوات، والنادر هو الذي لا يتغير حتى يموت الإنسان، أي: إن كامل جسم الإنسان تقريباً يتغير إلى جسم آخر كل 10 سنوات تقريباً، ومع هذا فلا يوجد عاقل يقول بأن فلاناً الذي عاش قبل 10 سنوات أو أكثر هو إنسان آخر عنه الآن، وكذلك فإنه لا أحد يقول بأن فلاناً يموت كل 10 سنوات! إذن: فالإنسان لا يموت رغم موت كل خلاياه، وهذا يعني أنه تبقى الروح التي لا تموت بموت جسده، ولكننا لا نشعر بها عندما تتغير خلايا الجسم تدريجياً كل 10 سنوات، ونشعر بها عندما تموت كلها دفعة واحدة، وهذا مثل النهر، فنحن نراه أمامنا دائماً، ولكن في الحقيقة أن الماء الذي هو أمامنا الآن سيذهب ولن يعود، وسيأتي غيره مكانه، وهكذا. (وحيد الدين خان)
السؤال الثالث: هل يمكن حفظ نية الإنسان وقوله وعمله؟
الجواب: نعم، بل إننا الآن نستطيع تسجيل أقوالنا وأعمالنا القديمة! وسأكتفي بنقل ملخص ما قاله وحيد الدين خان في الإجابة عن هذا السؤال حيث قال ما معناه: النيات والأفكار التي تخطر في بالنا وننساها نظن أنها انتهت إلى اللارجعة، وأنها لم يعد لها أي وجود، ولكننا بعد زمن طويل نحلم بها في النوم أو نتكلم بها عندما نغضب غضباً عارماً دون أن ندري ما نقول! وأثبتت التجارب العملية أن جميع أفكارنا محفوظة بالتفصيل ولا نستطيع حذفها، وأن الإنسان عنده شعور وعنده اللاشعور، واللاشعور هو الذي يحفظ كل ما ننويه أو نفكر به، وهذا كله ليس بإرادتنا ولا بعلمنا، ولا نستطيع محوه أبداً، لذلك فإن الإنسان نفسه سوف يشهد على نفسه بكل الإعمال والنيات التي عاشها، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق 16).
ومسألة الأقوال فإنه من المعلوم أن الكلام هو عبارة عن موجات صوتية تنتقل عبر الهواء، والثابت أن هذه الموجات تبقى ولا تفنى، ولكنها عندما تكون قوية فإن طبلة الأذن تسمعها، وعندما تكون ضعيفة فإنها لا تسمعها، وحتى الآن فليس لدى الإنسان آلة تستطيع تسجيل الموجات القديمة الضعيفة، وما يزال اعتقاد العلماء بإمكانية صنع هذه الآلة في يومٍ ما، على أن المشكلة التي يصعب حلها حتى الآن هي كيفية تمييز الموجات القديمة الضعيفة عن بعضها وخاصة أن عددها بالمليارات وكلها متداخلة! ولكنهم أوجدوا حلاًّ لموجات الراديو، حيث إنه توجد ملايين الموجات في الفضاء، ومع هذا فالآلات اليوم تستطيع التمييز بينها وسماع موجة واحدة فقط، وذلك لأن الموجات مقسمة على موجات طويلة ومتوسطة وقصيرة بأعداد هائلة، إذن فإنه من الممكن أن نستطيع سماع أصواتنا القديمة، وإذا كان هذا ممكناً الآن مع ضعف إمكاناتنا فإنه ممكن في الآخرة، بل نجزم بحصوله مستقبلاً. وهذا كله لا ينفي أن الله أمر بعض الملائكة أن يكتبوا كل ما نقوله في سجلات خاصة ويحفظوها، قال U: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق 18).
وأمّا مسألة الأعمال فإن المعلومات في هذه الناحية تجزم لنا بإمكانية الآخرة، فالعلماء يؤكدون بأنه يمكن تصوير جميع أعمالنا السابقة، كما يمكن جمع هذه الصور حتى تكون فيديو يصور كل ما عملناه طيلة حياتنا، والآن توجد آلات يمكنها تصوير ما مضى ولكن ضمن ساعات فقط، وذلك لأن كل جسم له موجات حرارية، وهذه الموجات تبقى في المكان حتى لو غادره الجسم، وهذه الموجات لا تفنى ولكنها تضعف، وقد أجرى علماء بريطانيون وأمريكيون تجارب ناجحة على هذا، ففي ليلة مرت طائرة مجهولة فوق نيويورك، وبعد ساعات صوروا الموجات الحرارية فعرفوا نوع الطائرة وتفاصيلها، حتى إن إحدى الجرائد الهندية قالت بأن هذه الكمرات ستمكننا من مشاهدة تاريخنا القديم عبر شاشات عملاقة.
هذا يعني أن جميع أعمال الإنسان يمكن تصويرها بعد عملها ثم عرضها على الشاشة، تماماً كما نصور الآن الممثلين ثم نعرض أعمالهم مسجلة على الشاشة، ولكن الفرق أن آلاتنا وكمراتنا الآن تصور الحاضر لتعرضه في المستقبل وكمرات المستقبل ستصور الماضي أيضاً. فإذا كانت هذه قدرة البشر فكيف بقدرة رب البشر؟! لذلك سيصرخ كل إنسان عاص يوم القيامة: ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَ أَحْصَاهَا﴾ (الكهف 49). (وحيد الدين خان)
لذلك كله وغيره فليس لدى علماء الطبيعة أي احتمال لبقاء الأرض والنظام الشمسي مستقراً حتى اللانهاية، وأنه لا بدّ أن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه الحياة في عالمنا ولو بعد ملايين السنين.
* * *
لقد أثبت القرآن الكريم قدرة الله على البعث والنشور بأنه قادر على كل شيء، وهذه بعض النماذج من الآيات مرتبة بحسب النزول؛ كي نلمس التدرج التربوي في القرآن الكريم فيما يتعلق بموضوعنا:
ففي هذه الآيات يخبرنا الحق Y بعظيم قدرته عندما خلق الإنسان من ماء دافق، خلقه من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو (عظام ظهره الفقارية) ومن ترائب المرأة وهي (عظام صدرها العلوية)، ولقد كان هذا سراً مكنوناً في علم الله U لا يعلمه البشر حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة العلمية، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة ثم يلتقيان في قرار مكين، فينشأ منهما الإنسان (سيد قطب).
وإذا تفكرنا في عظيم الفرق بين النطفة التي لا تدرك ولا تعقل ولا تسمع ولا ترى، وبين الإنسان الذي تصير إليه، لوجدنا أنه لا بدّ مِن وجود مدبِّر حكيم وجّه النطفة ولم يتخلَّ عنها لحظة واحدة، مثلاً: تبدأ النطفة منذ لحظة وصولها للرحم بعملية انقسام مستمرة ومعقدة، فبعض الخلايا المنقسمة تصبح عيناً وبعضها عظماً وبعضها دماً وهكذا آلاف الأجهزة في جسمنا، فلا بدّ من وجود خبير عليم، بل إن الأمر لا يقف عند هذا فكيف تعرف هذه الخلايا التي لا تعقل وصارت عيناً بأن العين في الرأس وليس في أسفل القدم؟! وهكذا القول في جميع الأجهزة المعقدة، الجواب: إنه الله U الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه، وما يسمى بالشريط الوراثي الموجود في تلك الخلايا يجعلها تحافظ على شكل العين الموروث من الأجداد؛ من اللون والحجم، والشكل، وتحافظ على شكل معينٍ للعين فتجعلها عين إنسان لاعين أي حيوان آخر؛ إذ يوجد فيها جهاز معلوماتي معقد للغاية يجعلها لا تخطئ الشكل والمقدار واللون، والخصائص المعينة لشكل عيون الآباء والأجداد، وإن أي انحراف عن هذا الخط الوراثي يجعل العين بعيدة كل البعد عن عيون الأصول من الأجداد، فمن الذي رسم لها هذا الخط بحيث لا تحيد عنه قيد شعرة، وصدق الله القائل: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (الطارق 8) أي رجع الإنسان إلى الحياة ثانية بعد البلى والفناء. (سيد قطب)
يقول الفخر الرازي رحمه الله: ((إن دلالة تولد الإنسان من النطفة على البعث والحشر والنشر من أظهر الدلائل؛ لأن حدوث الإنسان كان بسبب اجتماع أجزاءَ كانت متفرقةً في بدن الوالدين، بل في جميع العالم، اجتمعت في الوالدين عن طريق الأطعمة، فلما قدر الصانع U على جمع تلك الأجزاء المتفرقة حتى خلق منها إنساناً سوياً وجب أن يقال: إنه بعد موته وتفرق أجزائه لابدّ وأن يقدر الصانع على جمع تلك الأجزاء وجعلها خلقاً سوياً كما كانت أولاً، ولهذا السر لما بيّن الله تعالى دلالته على المبدأ، فرّع عليه أيضاً دلالته على صحة المعاد، فقال U: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ الضمير في (رجعه) يعود على الإنسان، قاله ابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة، فالله قادر على رجع الإنسان بعد الموت والبلى إلى الحياة ثانية وبعثه يوم القيامة. ثم يقسم الحق جل شأنه بالسماء ذات الرجع، والأرض ذات الصدع، أن هذا الذي أخبر الله عنه -وهو رجوع الإنسان إلى الحياة بعد الموت يوم البعث والنشور ليلقى كل حسابه وجزاءه- لقول فصل وما هو بالهزل)).
وقد عدّدت الآيات الكريمة دلائل كثيرة، فالنفس البشرية دليل، والماء الذي نشربه، والزروع التي نزرعها، والنار التي نوقدها، وغيرها الكثير، وكل هذه الأدلة والآيات الكونية المعجزة ممّا يراه ويعلمه جميع البشر.
أيُّ إنسان لم تدخل هذه المشاهدات في تجاربه؟! أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة جنينية، ونشأة حياة نباتية، ومسقط ماء، وموقد نار؟ من هذه المشاهدات التي رآها كل إنسان ينشئ القرآن الكريم عقيدة؛ لأنه يخاطب كل إنسان في كل بيئة. ولو أن البشر تناولوا هذه القضايا من تخلق الجنين ونبات البذور وإيقاد النار وعنصر الماء لوضعوها في قوالب فلسفية معقدة لا تصلح إلا لخطاب طبقة خاصة من العلماء، وهذا هو الفرق بين تناول الله لهذه القضايا وبين تناول البشر لها (سيد قطب).
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُون َ `أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ فهذا الزرع الذي نزرعه وتنتهي مهمتنا لتبدأ مهمة أعظم بكثير، فكيف تكبر البذرة حتى تصبح شجرة وفيها ما يناسب حياتها بكل تفاصيلها؟! ثم تحدثت الآيات القرآنية عن إشعال النار التي يعرفها الإنسان منذ بدء الخليقة، ودعانا للتفكر حول حقيقة اشتعال الخشب ليصبح ناراً، فجاء الجواب من الله U (نحن جعلناها تذكرة) قال علماء التفسير: فيها تذكرتان: الأولى: تذكرة بنار الآخرة، قال رسول الله r: ((ناركم جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم قيل: يا رسول الله، إن كانت لكافية، قال: فُضِّلتْ عليهن بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها)) (صحيح البخاري). والثانية: تذكرة بصحة البعث (الرازي)؛ لأن الله القادر على إخراج النار من الشجر الأخضر قادرٌ على ما هو أسهل وهو جمع ذرات الميت بعد تفرقها بموته.
8 – ويقول الله U: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ` وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ` وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (المؤمنون 78-88)، في هذه الآيات تذكير لطيف من الله الكريم بأنه U هو الذي أكرم الإنسان بالسمع والبصر والفؤاد، ثم بعد هذا الإكرام هيأ له ما حوله، وهو I القادر وحدَه على الإحياء والإماتة وعلى خلق الليل والنهار، فلو تفكّرتم وعقلتم هذه الآيات لعلمتم بعقولكم وتفكيركم بأنه I سيبعث من يموت، بل قدّم U كلمة “إليه” على كلمة “تحشرون” كي يوقظ الغافلين بأن الرجوع بعد الموت هو إلى الله ذاته I الذي أنعم عليكم ثم أنكرتم قدرته على بعثكم.
ثم يحدثنا الله U عن إجابة الكافرين: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾(المؤمنون 83)، فهذا الجواب ليس جواباً علمياً ولا عقلياً ولا منطقياً أصلاً، لذلك لم يردّ الله I عليه هنا؛ وفي هذا ردُّ بأسلوب بليغ عليهم، كأن الله U يخبرنا بأنهم أجابوا جواب كبرٍ واستهزاء ولا يمكن أن يكون جواب عقل ومنطق، مع العلم بأن الجواب عليهم _في حال تجاوزنا لاستكبارهم وعنادهم_ واضح للغاية، حيث نقول: نعم لقد وُعِدتم بالبعث بعد الموت وأنتم لم تموتوا بعد، لذلك لا يحق لكم التكذيب لأنكم لم تروا هذا الموعود الذي لم يحن وقته.
ومع كلِّ ما سبق هنا أراد الله U أن يؤكد لنا _نحن المسلمين_ على أن المنكرين للآخرة يقعون في تناقض عقلي عجيب، حيث إنهم ينكرون مع أنهم مقرّون بقدرة الله وملكه وجبروته، وهذا البيان من الله جاء بطريقة بالغة الروعة عندما أخبرنا U في الآيات التالية للآيات السابقة: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ` سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ` قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ` سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ` قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ` سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون 89).
9– ويقول U: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً ` وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ` وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجا ً` وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ` وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً ` وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ` وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً ` وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً ` وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً ` لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً ` وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً ` إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾ (النبأ 6-17)، ينقلنا الله Y في هذه الآيات العظيمة في رحلة سماوية تجوب هذا الكون العظيم ابتداءً من أرضنا وما فيها من مهاد وجبال ومخلوقات وآيات باهرات، وانتهاءً بالسماوات السبع والشمس والغيوم التي تطير في الهواء محملة بالماء الثقيل الذي ينبت أنواع المزروعات، وكلُّ هذه الرحلة الكونية لنعلم بأن الله الخالق U عظيم وقادر، وأنه ليس عاجزاً عن إعادة الخلق بعد الموت.
10– قال U: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (الروم 8)، فما عليهم إلا أن ينظروا إلى أنفسهم التي بين جنبيهم فيستدلوا منها على القدرة الإلهية على إحياء الموتى وإعادتهم بعد الفناء للحساب (الرازي). ثم يخبرنا I عن آياته في مخلوقاته؛ كي نتفكر في عظمته U وقدرته وبديع خلقه فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ` وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ` وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين َ` وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ` وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ` وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ` وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ` وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم 20-27) ثم بعد كلّ هذه الآيات العظيمة تأتي النتيجة التي سيصل إليها كلُّ عاقل، وهي أن القادر على كلِّ ما سبق قادر على إخراجكم بعد الموت بدعوةٍ واحدة فقط، قال الإمام القرطبي: “﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء قادر على أن يبعثكم من قبوركم”. ولم يكتفِ البيان الإلهي بهذه الأدلة والنتيجة، بل أتبعها بما يزيدها تأكيداً ووضوحاً واستدلالاً، حيث ذكّر الله U الكافرين بالآيات الباهرة التي يؤمنون بها، فبدأ ببداية خلق الإنسان، ثم ذكّرهم بالماء الذي يشربونه، والزرع الذي يزرعونه، والنار التي يوقدونها، ثم دعاهم لرؤية عظمة الخلق في السماوات والأرض، وأنه U يعلم كل شيء في هذا الكون الفسيح، ثم عاد فذكّرهم بآياته في اختلاف الليل والنهار وغيرها، كلُّ هذا ليعلمنا وليقيم الحجّة بعد الحجّة على المنكرين مع تنويع الأدلة العقلية العلمية.
* * *
أخبرنا الله U عمّا يقوله المنكرون للآخرة فقال: ﴿وَقَالُواْ أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ (الإسراء 49)، وقال U ناقلاً كلامهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الصافات 16)، وقال U: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (سبأ 7)، وقال I: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ ` أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ ` هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ` إِنْ هِيَ إِلاَ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾(المؤمنون 34-37).
والجواب الإلهي لجميع النقولات السابقة هو قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ ` بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾(القيامة 3)، أي: إن الله U الذي خلقكم فأحسن خلقكم ولم يعيَ به قادر على إعادة خلقكم ولن يعيَ به أيضاً.
وهذا الأسلوب في الجواب تكرر مرات ومرات في القرآن الكريم، ومن هذه الآيات قوله I: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً ` أَوَلاَ يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ (مريم 66-67). وقوله U: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ (الحج 4). وقوله U : ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الروم 11). وقوله U: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ` خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ` يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ` إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ` يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (الطارق 5-9).
ولقد عاب الله U على العاص بن وائل ([1]) عندما أخذ عظماً ملقى ثم فتّه بيده قائلاً للنبي r: ((أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟!)) فقال r: ((نعم، يميتك ثم يحييك ثم يدخلك جهنم))(المستدرك)، فعاب U عليه قائلاً: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس 78-79)، وفي هذه الآيات حجّة وبيان؛ حيث استدل I على إعادة الخلق بعد الموت ببدء خلقهم من العدم، فالقادر على بدء خلقهم من العدم قادرٌ على إعادة خلقهم بعد الموت، ولو كان عاجزا ًعن إعادة خلقهم لكان عاجزاً عن خلقهم الأول مِن بابٍ أولى.
وقد تكررت الآيات المستدلة بهذا الدليل العقلي المنطقي، وسأكتفي بسرد بعضها هنا: قال الله U: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ` أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ` قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ` لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ` ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ ` لَآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ ` فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ` فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ` فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ` هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ ` نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة 47-57). وقال U: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلاَ تَذكَّرُونَ﴾(الواقعة 61). وقال U: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (يونس 4). وقال U: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء 104). وقال U: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ` قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ` يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (العنكبوت 19-21).
* * *
يخبرنا الله I بأن الأرض تكون قاحلة جرداء، فينزل الله المطر عليها، فتصبح وقد أنبتت أنواعاً كثيرة ومختلفة من النباتات والأشجار، وخاصة في فصل الربيع، حيث تزهر الأشجار بأنواع الأزهار، ثم تكون ثماراً وفواكه متنوعة، ثم بعد هذا كله يأتي الخريف فتبدأ الأوراق بالموت والتساقط بعد أن كانت خضراء حيّة، فتعود الأرض _كما كانت_ قاحلة جرداء، ثم بعد هذا كلّه ينزل الله المطر من جديد فتحيى الأرض من جديد وتدبُّ الحياة في 300.000 نوع من النباتات(النورسي)، وكل هذه الدورة الحياتية دليلٌ وآية تدلنا على أن الله U الخالق والمعيد للنباتات على اختلافها خالقٌ ومعيد للبشر أيضاً.
قال الله U: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ` ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ` وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ﴾ (الحج 5-7). هذه الآيات الكريم تقيم الحجّة على المجادلين والمنكرين للآخرة، فيقول الله U: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أي: يابسة لا تنبت شيئاً(الرازي)، أو: بالية لا حياة فيها(القرطبي)، وقال السُّدّي: ميتة(ابن كثير). قال أبو رَزيْن العُقَيلي: أتيت رسول الله r فقلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ قال: ((مررتَ بأرض من أرضك مجدبة ثم مررت بها مخصبة؟ قال: نعم. قال: كذلك النشور)) (مسند أحمد).
وقال رسول الله U: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الروم 19). حيث يخرج الله I الصوص _وهو مخلوق حيٌّ_ من البيضة التي هي مخلوق ميت، ثم يخرج البيضة من الدجاجة، وكل هذه آياتٌ لنعلم أن القادر على إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي قادرٌ على إخراجنا بعد موتنا.
وقال الله U: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِـلُ الرِّيَاحَ بُشْـراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَـحَاباً ثِقَالاً سُـقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ﴾ (الأعراف 57). وفي قراءة الحسن وقتادة: (نُشْراً)، وقرأ الأعمش وحمزة: (نَشْراً) أي: مُنْشَرة، أي: مَحيِيَّة(القرطبي). ففي هذه الآيات يدلّنا الحق U بدليل عقلي على أنه قادر على إخراج الموتى بأنه U يحيى النباتات والأشجار العملاقة، ويخرج منها الأغصان المتفرعة، فمَن يقدر على هذا قادرٌ أن ينزل مطراً أيضاً فيخرج الموتى ويحييهم من قبورهم ويعيد إليهم الأرواح، حتى إنهم سينفضون التراب عن رؤوسهم، وفي هذا مزيد تأكيد حتى إنه I يخبرنا عن حركاتهم وأفعالهم بعد إحيائهم. وقد قال عبد الله بن عمرو t عن رسول الله r: ((ثم يُرسِل الله _أو قال: يُنزِل الله_ مطراً كأنه الطَّلُّ، أو الظل –نعمان الشاكّ- فتَنبت منه أجسادُ الناس، ثم ينفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسؤولون)) (صحيح مسلم).
وقال U: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(الروم 50).
وقال U: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾(الروم 9).
وقال U: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ` وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ` وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ ` لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ (يس 32-35).
وقال U: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت 39).
وقال U: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (الزخرف 11). أنشرنا هنا معناها أحيينا(لسان العرب)، ثم يختم الحق I الآية بقوله: (وكذلك تخرجون) فالذي أخرج الأحياء من الأرض الميتة وهو النبات في المرة الأولى، كذلك يخرج من الأرض الأموات أحياء يوم القيامة.
* * *
في هذا المبحث الرابع سأستعرض تحقّق العدالة من عدّة جوانب ونواح ضرورية:
أولاً: الناحية الأخلاقية: وقتما ندرس هذا الموضوع ناحية أخلاقية فإننا سندرك بسهولة لا تشوبها أي ذرة شكّ بأن الآخرة ستكون، وخاصة عندما نقرأ تاريخ الإنسانية منذ بدئها حتى يومنا، ونرى ظلم الإنسان لأخيه الإنسان منذ ابن آدم الأول حتى اللحظة، بل إن أنواع الظلم والمصائب والبلايا التي تكون بسبب البشر فيما بينهم لا يمكن حصرها ولا عدّها من كثرة أنواعها وأشكالها وأعدادها وأساليبها وغيرها، فكلُّ هذه المشاهد التي نراها يومياً بالآلاف تجعلنا نجزم من الناحية الأخلاقية بأنه لا بد من يومٍ ينتصف فيه الضعيف من القوي والمظلوم من الظالم والمغدور من الغادر (وحيد الدين خان).
وإذا افترضنا عدم وجود الآخرة والحساب والجزاء، فكيف سنتخيل ونتصور نجاة الظلمة والطغاة والقادة الفاسدين والمسؤولين الظالمين وأشباههم ممن ظلموا وقهروا وخانوا أوطانهم وشعوبهم ومرؤوسيهم؟! وكل هذا فعلوه بحجّة الأمن والرفاه الاقتصادي ومحاربة الأشرار والأعداء، حتى تجاوزوا كل الأخلاق والقيم. فالعالم الذي هذا شأنه لا بد أن يكون بعده حياة مكمّلة وآخرة وبعث ونشور وحساب وجزاء (وحيد الدين خان).
ثانياً: الناحية الكونية: الذي ينظر في هذا العالم الفسيح الممتلئ بالكائنات يجزم جزماً عقلياً بأنه هذه الكائنات المنتظمة لا بدّ لها من مكوِّن وخالق ذي صفاتٍ عظيمة، مع العلم بأن عدداً مهولاً من عقول البشر المتميزة صدّقت وآمنت بالآخرة وبوجود الله الخالق، فما هي العلاقة بين الإنسان المخلوق وبين الله الخالق؟ الجواب: إن العلاقة لا تظهر بشكل مرئي وملموس بالحواس في هذه الدنيا، وخاصة عندما نسمع من الكفار مَن يتحدى الله العظيم بأنه غير موجود وإن كان موجوداً أن يظهر نفسه للعِيان الآن، وبعد هذا التحدي لا يخسف الله بهم ولا يذيقهم أصناف العذاب، بل يذرهم في طغيانهم ويمد لهم مدّاً، وربما يزداد هذا المتحدي المستكبر رفعة في الدنيا ومناصب بين الناس، وفي الوقت ذاته قد نجد المؤمنين الصالحين مبتلين بأنواع البلايا والمحن مع إعلانهم الطاعة والانقياد لخالقهم وبارئهم، في النتيجة: إن الناحية الكونية تلزمنا بالقول بأنه سيأتي يوم يظهر الله فيه قوته وجبروته على المتحدين له، ويظهر رحمته ومحبته للمضحين في سبيله، يقول الله U: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ` فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾(المؤمنون 115).
والآن سأستعرض بعض الآيات الكريمة مع بيان مقتضب حولها ممّا يؤكد هذه العلاقة من هذه الناحية الكونية، حيث سيتضح لنا أهداف البعث والنشور وضروراته الكونية:
1- يقول الله Y: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ (الأنعام 12)، تظهر لنا هذه الآيات العظيمة أن من أهداف الآخرة والبعث والنشور الرحمة، نعم الرحمة، حيث تظهر رحمة الله في أبهى صورها وأكملها، فالذين ظُلموا ولم ينقذهم أحد ولم ينصفهم أحد سيحصلون على حقهم كاملاً غير منقوص، بل وزيادة، حتى يتمنى المعافى لو كان مظلوماً في الدنيا، وليست الرحمة متعلقة بالمظلومين فقط، بل بكل من أبتُلي وامتُحن بأي نوع من أنواع البلاء والمحن، فمنهم الفقير الذي لم يجد من يطعمه ويداويه، ومنهم المريض بأنواع من المرض، ومنهم ومنهم ومنهم، فكلهم ستظهر عليهم رحمة الله، وستتجلى فيهم الرحمة والعدل والإحسان بنيلهم الثواب والجزاء الأوفى على كل لحظة عاشوها مبتلين في هذه الحياة، بل تصل رحمة الله بعبادة مستوى الإحسان الذي ليس بعده إحسان، وذلك بأنه يجازي بالسيئة السيئة، ويجازي بالحسنة الحسنة أو أضعافها أضعافاً كثيرة.
2- ومِن الأهداف للبعث والنشور أن يُعلِم العليم الخبير البشرَ بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة عن أعمالهم كلها، بل حتى عن نياتهم ومخبوءاتهم، فكل هذا في كتاب مبين، يقول الحق U: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام 60)، وهذا المعنى متكرر في آيات كثيرة؛ كي يؤكِّد لنا الحق I تأكيداً بعد تأكيد بأنه العليم الخبير، فلا تخشوا أن تظلموا بسبب عدم علم الله لما تعانونه في هذه الحياة، يقول الله U: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة 105)، ويقول U: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(الأنعام 108)، وقال U: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(التوبة 94)، ويقول U: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور 64)، وثمة آيات كثيرة تؤكد هذه المعاني، فالحمد لله العالم المطلع على كل شيء، ولا يفوته شيء، ويعلم كل شيء.
والآيات الكثيرة التي تتحدث عن هذا الموضوع لا تعيده بالتكرار، بل تعيده بأساليب مختلفة وطرق متنوعة، فقول الله I: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾(الأنعام 164)، تخصيص بأنه U يعلم اختلافهم حول الأرباب والآلهة، فهذا فيه تنصيص على نوعٍ من أنواع أعمال البشر، وأمّا في الآيات السابقة فكان الخطاب عامّاً بأنه U يعلم كل شيء ومحيط بكل شيء مهما صغر أو كبر، وهذا أسلوب مختلف، وبمجموعهما يكون التأثير آكد وأعمق، والحق U في آيات أخرى يقول U: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾(المائدة 14)، وفي آيات أخرى يقول U: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾(الأنعام 159)، وفي آيات أخرى يقول U: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾(القيامة 13)، وفي آيات أخرى يقول U: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾(الأنعام 5)، وغيرها الكثير من الأساليب والأنواع التي تؤكد في نفوسنا علم الله المحيط بكل شيء على الإجمال والتفصيل.
3- ومِن الأهداف للبعث والنشور أن الله يفصل بين الناس والحيوانات في خصوماتهم بكل أنواعها ممّا كان ينشب بينهم، سواء كانت خصومات مالية أو عقلية أو أي نوع من الخصومات والاختلافات، فيوم القيامة يُظهِر الله U الحق وصاحبه، ويعيد الحق لأصحابه ويعوضهم بما هو خير لهم، وكذلك يُظهِر الله I الحق في القضايا الفكرية التي اختلف الناس بها، سواء اختلفوا وهم يعلمون الحق ويحرفونه أم اختلفوا وهم مخطئون، وسواء كان اختلافهم في أمور الدين أو في غيره، يقول الحق U: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(النحل 124)، فالآية تؤكد على معنى: (ليحكم بينهم)، أي: إن من غايات يوم القيامة أن يحكم بينهم، وأن تُقام المحاكم العادلة للفصل بين الناس وغيرهم في كل ما اختلفوا فيه، وهذه المحكمة يكون فيها الحكم هو الله أحكم الحاكمين وأعدل العادلين مَن لا يخفى عليه شيء، ولا يقبل الرشوة ولا ينحاز لهوى أو ضلال، وكذلك فالله U هو الشاهد والشهيد بالإضافة للشهداء من أنبيائه وغيرهم، قال الحق U: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ` وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(يونس 46-47)، فالآيات الكريمة تؤكد على القضاء والمحاكمة والشهادة، وكل هذا لا يكون إلى في المحاكم.
4- ومِن الأهداف للبعث والنشور أن الله يكافئ المحسنين على ما قدموه من إحسان، ويكافئ كل صاحب عمل صالح على عمله، وأنه I سيعطيهم العطاء الأوفى، والمغفرة والرزق الكريم، يقول الحق U: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ` لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(سبأ 3-4).
ثالثاً: الناحية السلوكية: والمقصود سلوك المجتمع بشكل عام وسلوك الأفراد فرداً فرداً، فالبعض القليل يمكن ضبط سلوكه عن طريق القوة أو القوانين أو الأخلاق الاجتماعية، ولكن الغالبية العظمى لا يمكن ضبط سلوكها وتصرفاتها، فهم سيظلمون غيرهم، ويعتدون على حقوقهم، ويتمتعون بما ليس لهم، وهؤلاء لو استنجدنا بأخلاقهم أو بالقوانين كلها والعقوبات أو بالمرغبات والمكافآت والمشجعات وغيرها فلن يردعهم أي شيء من هذا كله عن أفعالهم وظلمهم واعتدائهم؛ لأن كل هذه الأمور لا تعطيهم آمالهم ولا تكفي شهواتهم ولا تقنعهم بالقليل، لذلك كله كان لا بد من إضافة قوة إلى كل ما سبق، وهذه القوة هي أهم من كل ما سبق، وهي قوة العقيدة بأن الله مطّلع على كل شيء وسيحاسبنا جميعاً على كل صغيرة وكبيرة، فالمحسن له الإحسان وزيادة، والمسيء له العقوبة العظيمة، حتى إن بعض مَن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر يقول بأن اعتقاد وجود الله واليوم الآخر ضرورة من ضرورات الحياة والمجتمعات حتى ولو كانت كذبة كبرى، فمثلاً فولتير ([2]) ليس مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر، ومع هذا يعتقد بأن هذه العقيدة مهمة وأساسية في المجتمعات كلها، بل يرى أن هذه العقيدة هي الوحيدة القادرة على ضبط سلوكيات المجتمع واستمراره في طريق الخير والبناء، وإلاّ فلا بدّ من انتشار الفساد والظلم بما يجعل المجتمعات تنهار أو تصبح جحيماً لا يطاق لغالبية الناس فيها، وكلاهما مصيبة عظمى مستعصية على الحل، والغريب في أفكار فولتير وغيره من الملاحدة أنهم يقتنعون بأن فكرة مكذوبة وغير حقيقية هي ضرورة من ضرورات المجتمع، ولا يمكن قيام مجتمع يسوده الخير وينتشر في المعروف والإحسان ومساعدة الناس لبعضهم البعض إلاّ بعقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر! (وحيد الدين خان).
رابعاً: الناحية النفسية: مِن الواضح للجميع أن موضوع الآخرة يعلمه جميع البشر ويفكرون به ويتحدثون عنه، لكنهم ينقسمون إلى قسمين: الأول _وهم الغالبية من البشرية على مر الدهر_ ينكرونه ويكذبون به ويرفضون الإيمان به حتى ولو كانت فكرته من فطرتهم، والثاني _وهم الأقل_ مؤمنون به معتقدون به، فالمادّيون في القديم والحديث من الأزمان يقولون بأنّ التفكير بالآخرة والجنة والنار والحساب وغيرها من أفكار غيبية مستقبلية كلُّها اخترعها الإنسان بسبب رغبته في العيش في نعيم دائم لا ينقطع، ورغبته في أن يُعاقَب مَن أساء إليه أو ظلمه ولو بعد موته، ويقول الماديون أيضاً بأن هذه الدنيا الممتلئة بالمصائب والكوارث والظلم وغيرها كلُّها تدفع الإنسان دفعاً ليفكر في فكرة تريح نفسيته وتطمئِن عقليته وروحه، وهي أنه سيأتي يوم وينتهي كل شيء يزعجه ويبدأ النعيم المقيم بأجمل مما يمكن أن يتخيله ويتصوره، وخاصة أن هذه الصفات لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع وأنّ المدينة الفاضلة ليست موجودة إلاّ في الأحلام والروايات الخيالية الحالمة.
فالحقيقة أن هذه الفطرة الإنسانية لدى جميع البشر بأنه توجد دار آخرة وجزاء عادل من إله رحيم حكيم هذه الفطرة بذاتها دليلٌ قويٌّ على وجود هذه الأمور وحقيقتها، وهذا الدليل هو الدليل النفسي؛ لأنه نابع من نفس الإنسان وفطرته، وهو موجود في جميع البشر منذ القديم حتى يومنا وعلى اختلاف لغاتنا وأجناسنا وعروقنا وبلادنا (وحيد الدين خان).
* * *
النوم والاستيقاظ يشبه كثيراً الموت والنشور، وإلى هذا المعنى أشار الله بقوله U: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الزمر 42)، فآية: (والتي لم تمت في منامها) صريحة في هذا المعنى، قال ابن زيد: ((النوم وفاة، والموت وفاة))(القرطبي)، وعن جابر بن عبد الله y قيل يا رسول الله: ((أينام أهل الجنة؟)) قال r: ((لا، النوم أخو الموت، والجنة لا موت فيها))(الأوسط للطبراني)، فهذا الحديث الشريف قال لنا بوضوح بأن النوم موت وأنه لا موت في الجنة، وقال الفراء: ((قد يكون توفيها نومها، فيكون التقدير على هذا (والتي لم تَمُتْ وفاتُها نومُها)، ولعل الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾(الأنعام 60) أدل دليل على أن النوم موت)). وأيضاً الحديث الشريف الآخر الذي قال فيه رسول الله r: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خَلَفَهُ بعدَه على فراشه، فإذا أراد أن يضجع فليضجع على شقه الأيمن، وليقل سبحانك ربي، بك وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))(متفق عليه)، فعبارته r: ((وإن أرسلتها)) تدل على أن الروح كانت بيد الله I ثم عادت عند الاستيقاظ كما تعود بعد الموت، وهذا الاستدلال منصوصٌ عليه في نهاية الحديث: ((وإذا استيقظ فليقل: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي)) فعبارته r: ((رد علي روحي)) تؤكد هذا المعنى، ويبقى الفارق الوحيد بين النوم وبين الموت هو أن النائم يتنفس وجسده حيّ، أمّا الميت فجسده ميت، وأيضاً الفارق بين النوم والاستيقاظ ساعات محدودة قصيرة، أمّا الفارق بين الموت والنشور فلا يعلمه إلاّ الله، وأيضاً النوم والاستيقاظ يتكرر كل يوم، أمّا الموت والنشور فلا يحصل إلا مرة واحدة ثم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل النشور الذي بعد الموتة الأولى.
يقول الإمام الرازي: ((النفس الإنسانية عبارة عن جوهر مشرق روحاني، إذا تعلق بالبدن حصل ضوؤه في جميع الأعضاء وهو الحياة، فنقول: إنه في وقت الموت ينقطع تعلقه عن ظاهر هذا البدن، وعن باطنه، وذلك هو الموت، وأما في وقت النوم فإنه ينقطع ضوؤه عن ظاهر البدن من بعض الوجوه ولا ينقطع ضوؤه عن باطن البدن، فيثبت أن الموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه، وإذا ثبت هذا ظهر أن القادر العالم الحكيم دبر تعلق جوهر النفس بالبدن ظاهره وباطنه، وذلك اليقظة، وثانيها: أن يرتفع ضوء النفس عن ظاهر البدن من بعض الوجوه دون باطنه وذلك هو النوم، وثالثها: أن يرتفع ضوء النفس عن البدن بالكلية وهو الموت، فثبت أن النوم موت يشتركان في كون كل واحدٍ منهما توفياً للنفس، ثم يمتاز أحدهما عن الآخر بخواص معينة في صفات معينة)).(الرازي)
وعن حذيفة t أنه قال: ((كان رسول الله r إذا أخذ مضجعه من الليل وضع يده تحت خده ثم يقول: اللهمّ باسمك أموت وأحيا، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور))(متفق عليه)، فهذا الحديث الشريف يصرّح بأن النوم نوع من أنواع الموت ويمكننا تسميته موتاً بالاسم.
فالشاهد من هذه الآيات والأحاديث الشريفة أنه كما نرى النوم والاستيقاظ فعلينا أن نؤمن بالبعث بعد الموت.
* * *
لقد أحيى الله بعض الناس والحيوانات في الدنيا بعد موتهم، كي يشاهد هذه الآيات بعض الناس، ثم ينقلوها لسائر البشر، كنوعٍ من الأدلة الكثيرة على البعث والنشور والآخرة، ونحن لم نشاهد مثل هذه الحوادث والآيات، ولكن نُقل لنا بعضها بأسانيد ثابتة، لذلك سأنقل بعضها في الصفحات التالية، وهذه الأمثلة أخاطب بها شباب اليوم المؤمنين المتشككين من كثرة الشُّبَه والفتن:
1- قال U: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ` ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(البقرة 55-56)، قال محمد بن إسحاق([3]): لما رجع موسى u من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وألقاه في اليم، اختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم، فلما خرجوا إلى الطور؛ ليعتذروا إلى الله مما جنت أيديهم، وكسبت قلوبهم، قالوا لموسىu: سل ربك أن يسمعنا كلامه، فسأل موسى u ربه أن يسمعهم كلامه، فأجابه الله I إلى ذلك، ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا ذلك الغمام من موسى u حتى تغشاه، فقال لبني إسرائيل: ادخلوا وعوا، وسمع القوم كلام الله U مع موسى u يقول له: افعل ولا تفعل. فلما تمّ الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي تغشاه، فقال القوم بعد ذلك: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة، وماتوا جميعاً، وقام موسى u رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً، ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فأرجع إليهم وليس معي منهم أحد؟ فما الذي يقولون فيّ؟ فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى ردّ الله إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم(القرطبي).
2- قال السُّدِّي في قوله U: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾(البقرة 67): ((كان رجل من بني إسرائيل مكثراً من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ فقير، فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه، فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحنّ ابنته، ولآكلن ديته. فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم انطلق معي، فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم؛ لعلي أن أصيب منها ربحاً؛ فإنهم إذا رأوك معي أعطوني. فخرج العم مع الفتى ليلاً، فلما قرب الشيخ من ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه، كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم، وقال: قتلتم عمي. فأدوا إلي ديته، فجعل يبكي، ويحثو التراب على رأسه، وينادي: واعماه، فرفعوه إلى موسى u، فقضى عليهم بالدية، فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب القضية، فوالله إن ديته علينا لهينة، ولكن نستحيي أن نعير به، فدعا موسى ربه، فأوحى الله إليه بأن يأمرهم بذبح بقرة، ويضربوه ببعضها يحييه الله يخبر بقاتله، فأخذوا يتعنتون، ويسألون مرة عن لونها، ومرة عن عمرها، وأخرى عن عملها، فشددوا فشدد الله عليهم، فلم يجدوها إلا عند بارٍّ بأبيه، فأبى بيعها لهم _وعلم حاجتهم إليها_ إلا بوزنها ذهباً!! فأعطوه ذلك، فأخذوا قطعة منها، فضربوه بها، فأحياه الله وهم إليه ينظرون، فسألوه من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله فآخذ ماله، وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه))(ابن كثير). قال الله U: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ` فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾(البقرة 72-73).
3- قال الله U: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ﴾(البقرة 243). قال ابن كثير: ذكر بعض السلف أن هؤلاء القوم أهل بلدة من زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فراراً من الموت، هاربين إلى البرية، فنزلوا وادياً أفيح [واسعاً] فملؤوا ما بين عدوتيه [جانِبَي الوادي] فأرسل الله إليهم ملكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحةً واحدة فماتوا عن آخرهم، ثم إنهم تفرقت أجزاؤهم وتمزقت، فلما كان بعد دهر مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له (حزقيل)([4])، فسأل الله تعالى أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي. فاجتمع عظام كل جسدٍ بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً وعصباً وجلداً، فكان ذلك! وهو يشاهده! ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون! قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت، وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة؛ ولهذا قالI: (إنّ الله لذو فضل على الناس) أي فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلائل الدامغة(ابن كثير)
4- قال I: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(البقرة 259)، مر رجل على مدينة قد فنيت ومات أهلها وصارت عظامهم نخرة، فحزن على هذه المدينة التي له فيها أصدقاء وأقارب، فقال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟! متسائلاً سؤال تعجب، فجعله الله آية للناس، بأن أماته 100 عام ثم بعثه، وفي أثناء موته قدّر الله أن يأتي أناس جدد فيعمرون هذه المدينة، حتى صارت من أجمل المدن، فلمّا بعثه الله من موته قيل له: كم لبثت؟ قال: يوماً أو بعض يوم. لأنه رأى أن الشمس لم تغب بعد، فأخبره الناس أنه مات مائة عام ثم أحياه الله U، وكي تكتمل الآية ويحصل مقصودها بأن يخبر هذا الميت سائر الناس عن قدرة الله على الإحياء بعد الإماتة قال U: (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) لم تغيره السنوات الطويلة على الرغم من أن الطعام يفسد في وقت قصير جداً، ثم زادت المعجزة الإلهية بأن قال له: (وانظر إلى حمارك)، حيث كان قد تحلل، فأحياه الله جزءاً جزءاً وأراه كيف يحيي العظام ثم يكسوها لحماً، ثم كانت خاتمة الآيات بقوله I: (ولنجعلك آية للناس). (القرطبي)
5- قال I: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(البقرة 260). قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: أوحى الله إلى خليله إبراهيم u بأني اتخذت بشراً خليلاً، فقال u: يا إلهي ما علامته؟ فقال U: علامته إحياء الميت بدعائه. ثم جاء في ذهن إبراهيم u الرغبة أن يكون هو ذلك الخليل، فسأل الله أحياء الموتى، فقال تعالى: (أولم تؤمن؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)، ولذلك جاء الحديث عن الحبيب r: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى. قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي))(متفق عليه)، فكأن رسول الله r يخبرنا أن إبراهيم لم يشك أبداً كما أنني لا أشك أبداً (القرطبي). والآية الكريمة تخبرنا عن هذا المعنى، حيث إن الجواب لم يكن بأن الله يخلق الموتى، بل كان الجواب بالكيفية لأن السؤال عنها وليس عن إمكانية الخلق، قال تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فأمره الله أن يأخذ أربعة من الطير ويخلطها ويضع كل قسم منها على جبل، ثم يناديها فتجتمع الأجزاء المتفرقة لكل طائر، ثم تأتي إبراهيم استجابة لندائه، وبذلك يكون إبراهيم قد أحيى الموتى بقدرة الله وأمره وتقديره، فإذا كان الخلق بهذه السهولة حتى إن الله قدّر أن يستطيع مخلوق أن يأمر الموتى فتعود لهم الروح ويأتون إليه أحياء فكيف بقدرة الله المطلقة؟!
6- قال تعالى عن سيدنا عيسى u: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾(آل عمران 49)، حيث كان عيسى u يحيي الموتى، ولما شكّ بعض الناس بأنه يحيي فقط من مات قريباً وأن هؤلاء لم يموتوا إنما كانوا مغمىً عليهم مكّنه الله من إحياء سام بن نوح الذي مات قبل آلاف السنين، فذهب إلى قبره ودعاه فخرج حيّاً خائفاً ظانًّا أن القيامة قد قامت (الرازي).
فكل هذه المعجزات في إحياء الموتى مذكورة في القرآن الكريم، أمّا إذا انتقلنا إلى السنة النبوية فسنجد أضعافها ممّا صح نقلُه إلينا وممّا ضعف، حتى إن ابن أبي الدنيا قد ألف كتاباً بعنوان: ((من عاش بعد الموت)) فذكر فيه 63 قصة لإحياء الموتى، ومنها:
* * *
لقد رسَّخ القرآن الكريم عقيدة الإيمان بالآخرة والبعث والنشور بأساليب شتى، ومِن أكثرها تأثيراً في النفوس والقلوب والعقول أسلوب إعطاء بعض التفاصيل الدقيقة والمعلومات التفصيلية عن بعض المشاهد يوم القيامة أو بعض المواقف أو بعض المخلوقات المختصّة بالآخرة، وهذا أسلوبٌ له تأثير كبير حتى على العقول، لذلك نجد أن المسلمين الذين يقرؤون القرآن الكريم تترسّخ في قلوبهم وعقولهم فكرة البعث والنشور وتتعمَّق جذورها أكثر بكثير جداً من المسلمين الذين لا يكثرون من قراءة القرآن الكريم وإنْ كانوا مؤمنين بالعبث والنشور، لذلك كلِّه خصَّصت فصلاً كاملاً لاستعراض هذه المعلومات والتفاصيل التي تجذِّر الإيمان بالبعث والنشور وتقوِّيه.
وكلُّ مبحث من مباحث هذا الفصل دليلٌ قرآنيٌّ للمؤمنين به على البعث والنشور، وهي _أيضاً_ أدلةٌ عقلية غير مباشرة موجّهةٌ لغير المؤمنين؛ لأن الأدلة العقلية تثبت قطعاً أن القرآن الكريم صادق في كلِّ ما يقوله؛ لأنه كلام الخالق العظيم عالم الغيب، وهذا يقتضي لزوماً أنّ أخباره عن الآخرة ستحصل قطعاً، لهذا كلِّه سأذكر تسعة أدلة وتحت كلِّ دليل طائفة كريمة من الآيات المتنوعة المعاني والدلالات والأساليب التي ترسيخ عقيدة البعث والنشور في القلوب والعقول.
الحَشْر هو جَمْع المخلوقات بعدَ موتها وسَوْقُها للحساب في الآخرة، والحَشْرُ في اللغة هو الجَمْع(لسان العرب)، وقيل: هو الجَمْع والسَّوْق معاً (معجم مقاييس اللغة)، وهذا المعنى اللغوي هو المراد من كلمة الحشر في الشريعة.
والحَشْر يومَ القيامة يكون على ثلاث مراحل:
– المرحلة الأولى هي ما بعد النفخة الأولى، قال الله U: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ﴾(الزمر 68)، أي: إلاَّ الشهداء، وقيل غيرهم، لكن الإمام القرطبي رجّح هذا القول(القرطبي)، ونقل تصحيح أدلّته عن القاضي أبي بكر ابن العربي، ونقل قول مقاتل: ((يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت)).
– والمرحلة الثانية هي ما بعد النفخة الثانية، قال الله U: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾(الزمر 68).
– ثم المرحلة الثالثة هي سَوْقُهم للحساب، قال رسول الله r: ((يُحشَر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين، واثنان على بعير، ثلاثة على بعير، أربعة على بعير، عشرة على بعير، تَحشُرُ بقيتَهم النارُ تَقِيلُ معهم حيث قالوا، وتَبِيتُ معهم حيث باتوا، وتُصبِحُ معهم حيث أصبحوا، وتُمسِي معهم حيث أمسَوا))(متفق عليه)، وقال رسول الله r: ((يُحشَر الناسُ يومَ القيامة على أرضٍ بيضاءَ عفراءَ [بيضاء لم تُوطَأ] كقِرَصَةِ [جمع رغيف] النَّقِيِّ [الخبز الحواري] ليس فيها عَلَمٌ لأحد))(متفق عليه)، ويقول رسول الله r: ((إنّ الناس يُحشَرون ثلاثةَ أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتَحشرهم النار، وفوج يمشون ويَسعَون))(مسند أحمد)، وعن أنس بن مالك t أنّ رجلاً قال: يا نبي الله r، كيف يحشر الكافر على وجهه؟ قال: ((أليس الذي أمشاه على الرِّجلين في الدنيا بقادرٍ على أنْ يمشيه على وجهه يومَ القيامة؟))، قال قتادة: بلى وعزّةِ ربنا. (متفق عليه)
والآن نستعرض بعض الآيات الكريمة المتحدثة عن الحشر وتفاصيله، علماً بأنها كثير للغاية، فلا يمكنني استقصاؤها هنا، وهذا يدلُّ دلالة واضحة على أهمية هذا الأسلوب في ترسيخ عقيدة البعث والنشور في نفوس المؤمنين وعقولهم، وسأنتقي طائفة من الآيات الكريمة ممّا تتنوّع أساليبه وتختلف طرقه.
– يقول الله U: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾(البقرة 203).
– ويقول U: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾(المائدة 96).
– ويقول U: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾(المجادلة 9).
– ويقول U: ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾(الأنعام 72).
– ويقول U: ﴿وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾(النساء 172).
– ويقول U: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ` قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾(طه 125).
– ويقول U: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾(الإسراء 97).
– ويقول U: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾(مريم 68).
– ويقول U: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾(ق 44).
– ويقول U: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ﴾(يونس 45).
– ويقول U: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ` وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾(الأحقاف 5-6).
– ويقول U: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ` قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾(سبأ 40-41).
– ويقول U: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ` قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾(الفرقان17-18)
– ويقول U: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً﴾(مريم 85).
* * *
إن الله I أخبرنا أنّ كل حركة وسكون وكلام وسكوت نفعله مُسجَّلٌ علينا، يُسجِّله ملائكة كرام؛ كي يُعرَضَ يومَ القيامة، ويكون شهيداً علينا، وإنّ تفاصيل هذه الكتابة والتسجيلات ثم عرضها يوم القيامة تؤكِّد عقيدة الإيمان بالبعث والنشور وترسِّخُها، وسأكتفي بسرد طائفة من هذه الآيات الكريمة:
– يقول U: ﴿كَلاَ بَلْ تُكًذِّبُونَ بِالدِّيْنِ ` وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِيْنْ` كِرَاماً كَاتِبِينَ ` يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾(الانفطار 9-12)
– ويقول U: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾(ق 18).
– ويقول U مؤكِّداً العرض عليه I: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ (هود 18).
– ويقول U: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (الحاقة 18).
– ويقول U: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ`فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ`وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ`لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾(الواقعة41-44)
– ويقول U: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ` فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ` وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ` وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ` فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورا ` وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ (الانشقاق 7-12).
– ويقول U: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ ` إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾(الحاقة 19-20).
– ويقول U: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ` وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ` يا ليتَهَا كانَتْ القَاْضِيَه﴾ (الحاقة 25-27).
– ويقول U: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ` ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ` ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ` إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ` وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ` فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ` وَلا طَعَامٌ إِلاَ مِنْ غِسْلِينٍ ` لا يَأْكُلُهُ إِلاَ الْخَاطِئُونَ﴾ (الحاقة 30-38).
– سُئِل رسول الله r عن تَذَكُّر الأهل لبعضهم يوم القيامة، فقال r: ((أمّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحدٌ أحداً: عند الميزان حتى يَعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب حين يقال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾(الحاقة 19) حتى يَعلم أين يقع كتابه، أفي يمينه أم في شماله أم مِن وراء ظهره، وعند الصراط إذا وُضِع بين ظهري جهنم)) (مسند أحمد).
* * *
– يقول الله U: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ﴾(البقرة 284).
– ويقول U: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾(الطلاق 8).
– ويقول U: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(آل عمران 19).
– ويقول U: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾(الأنبياء 47).
– ويقول U: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾(الإسراء 14).
– ويقول U: ﴿لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(إبراهيم 51).
– ويقول U: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ` فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾(الانشقاق 8).
– ويقول U: ﴿أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾(الرعد 18).
– ويقول U: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(ص 26).
– ويقول U: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾(الرعد 21).
– ويقول U: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾(الأنبياء 47).
– ويقول U: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾(الأنبياء 1).
– ويقول U: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾(الكهف 49).
– ويقول U: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ` وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾(القمر 52-53).
– ويقول U: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(البقرة 281).
– ويقول U: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(الأنعام 164).
– ويقول U: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(القصص 84).
– ويقول U: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(الأنعام 160).
– ويقول U: ﴿إِلاَ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾(الفرقان 70)
– ويقول U: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾(النساء 33).
– ويقول U: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً﴾(النساء 41).
– ويقول U: ﴿وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾(ق 21).
– ويقول U: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(النور 24).
– ويقول U: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ`حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ`وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ` وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾(فصلت19-22)
– عن أنس بن مالك t قال: ((كنّا عندَ رسول الله r فضحك، فقال r: هل تدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: مِن مخاطبة العبد ربَّه، يقول: يا رب ألم تُجِرْني مِن الظلم؟ قال: يقول: بلى. قال: فيقول: فإني لا أجيز اليوم على نفسي إلاّ شاهداً مني. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً. فيُختَمُ على فيه، ويُقال لأركانه: انطقي. فتَنطِقُ بأعماله، ثم يُخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لكنّ وسُحْقاً، فعنكنّ كنت أناضل)) (صحيح مسلم).
– وقال رسول الله r: ((إنّ الله كتبَ الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك؛ فمن همّ بحسنةٍ فلم يَعملها كَتَبَها الله عندَه حسنةً كاملة، وإنْ همّ بها فعملها كتبها الله I عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإنْ همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)) (متفق عليه).
– وقال رسول الله r: ((إني لأعلم آخرَ أهل الجنة دخولاً الجنة، وآخرَ أهل النار خروجاً منها، رجل يُؤتَى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملتَ يومَ كذا وكذا كذا وكذا، وعملتَ يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن يُنكِر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تُعرَض عليه، فيقال له: فإنّ لك مكانَ كلِّ سيئة حسنة، فيقول: ربّ قد عملتُ أشياء لا أراها هاهنا، فلقد رأيت رسول الله r ضحك حتى بدت نواجذه)) (صحيح مسلم)
– وقال رسول الله r: ((المؤذِّنُ يُغفَر له مَدَى صوته، ويَشهدُ له كلُّ رَطْبٍ ويابس)) (سنن أبي داود).
– وقال رسول الله r عن الحجر الأسود: ((والله لَيبعثنه الله يومَ القيامة له عينانِ يُبصِرُ بهما ولسانٌ يَنطِقُ به، يَشـهد على مَن اسـتلمه بحق)) (مسند أحمد).
والآن سأسرد بعض الآيات والأحاديث التي تفصِّل الأسئلة وتوضِّح المسؤول عنه:
– يقول الله U: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(النحل 93).
– ويقول U: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ ` عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(الحجر 92-93).
– ويقول U: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ` مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ﴾(الشعراء 92-93).
– ويقول U: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾(النحل 27).
– ويقول U: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾(الزخرف 19).
– ويقول U: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾(العنكبوت 13).
– ويقول U: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾(الإسراء 34).
– ويقول U: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾(الإسراء 36).
– ويقول U: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾(التكاثر 8).
– وقال رسول الله r: ((إنّ أوّل ما يُسأَل عنه _يعني: العبدَ_ يومَ القيامةِ مِن النعيم أن يقال له: ألم نُصَحّح لك جسمك ونـرويك من الماء البارد؟!)) (جامع الترمذي).
– وقال رسول الله r: ((لا تَزول قَدَمَاْ ابنِ آدم يومَ القيامة مِن عند ربه حتى يُسأَل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ما له من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما عَلِم))(جامع الترمذي).
والآن سأسرد بعض الأحاديث عن درجات الناس في الحساب وأنواعهم وأصنافهم:
1- مَن لا حسابَ عليه:
قال رسول الله r: ((عُرِضَتْ عليّ الأمم، فأَجِدُ النبيَّ يمر معه الأمة، والنبيَّ يمر معه النفر، والنبيَّ يمر معه العشر، والنبيَّ يمر معه الخمسة، والنبيَّ يمر وحدَه، فنظرت فإذا سوادٌ كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفاً قُدَّامَهم لا حسابَ عليهم ولا عذاب. قلت: ولم؟! قال: كانوا لا يكتوون، ولا يَسْتَرْقُون [مِن الرُّقْيَة]، ولا يَتَطَيَّرون [لا يَتشاءمون]، وعلى ربهم يتوكلون)) (متفق عليه).
وقال رسول الله r: ((وَعَدَني ربي أن يُدخِل الجنة مِن أمتي سبعين ألفاً بغير حسابٍ ولا عذاب، مع كلِّ ألفٍ سبعين ألفاً وثلاثَ حثيات مِن حَثَيات ربي)) (مسند أحمد).
وقال رسول الله r: ((يُحشَرُ الناسُ في صعيد واحد يومَ القيامة، فينادي منادٍ فيقول: أين الذين كانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون وهم قليل، فيَدخلون الجنة بغير حساب، ثم يُؤمَرُ بسائر الناس إلى الحساب)) (شعب الإيمان للبيهقي).
وقال رسول الله r: ((ثلاثةٌ لا يَهولهم الفزع الأكبر ولا ينالهم الحساب، وهم على كثيبٍ مِن مسكٍ حتى يُفرَغَ مِن حساب الخلائق: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله وأمّ به قوماً وهم يرضون به، وداعٍ يدعو إلى الصلوات الخمس، وعبد أحسن فيما بينه وبين ربه وفيما بينه وبين مواليه)) (مسند أحمد).
2- مَن يُحاسب حساباً يسيراً:
يقول الله U: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ` فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ` وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾(الانشقاق 7-9).
وقال رسول الله r: ((ثلاثٌ مَن كُنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيراً، وأدخله الجنة برحمته، قالوا: وما هي؟ يا رسول الله بأبي أنت وأمي. قال: تُعطي مَن حرمك، وتَصِل مَن قطعك، وتَعفو عمّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك تدخل الجنة))(المعجم الكبير للطبراني).
3- مَن يحاسب حساباً عسيراً:
يقول الله U: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ ` فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً ` وَيَصْلَى سَعِيراً﴾(الانشقاق 10-12).
ويقول U: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾(القمر 8).
4- مَن يَختلف حالُه:
قال رسول الله r: ((إنّ أول الناس يُقضَى يومَ القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمته فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل. ثم أَمَرَ به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِيَ في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت _فيك_ القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار)) (صحيح مسلم).
* * *
الميزان هو شيءٌ يضعه الله I يومَ القيامة لوزن الأعمال (ابن قدامة المقدسي). وهو ميزان واحدٌ تُوزَن به أعمال جميع العباد في وقت واحد (ابن حجر)، وهذا الوزن يكون لجميع أعمال المؤمنين باستثناء مَن لا حسابَ عليه، وأمّا الكفّار فلا توزن أعمالهم؛ لأنه لا قيمة لأي حسنة عملوها بوجود الكفر بالله I (ابن حجر)، وهذا الميزان مخلوق من مخلوقات الله، ويتمّ وزن الأعمال به حقيقةً، وهذا قول عموم الأمة سلفاً وخلفاً (ابن حجر)، وقالت المعتزلة وبعض أهل السنة كالأعمش _ورجَّحه الفخر الرازي_ بأنّ الميزان كناية عن العدل يوم القيامة، وليس شيئاً مخلوقاً (العقيدة السفارينية)، وهذا الاستعمال موجود في اللغة العربية (لسان العرب)، وقالوا بأنه يستحيل أن يكون الميزان حقيقياً؛ لأنه يستحيل وزن الأعمال، فالأعمال أعراض وليست أشياء، وكذلك فإن الإعمال يعلمها الله I، فلا توجد حكمة من الوزن الحقيقي. وقد أجاب أهل السنة على كلام المعتزلة بأن الموزون هو كتب الأعمال (القرطبي)، أو أن الله I يُجَسِّد الأعمال بأجسامٍ موزونة (ابن حجر)، وأجابوا عن عدم وجود حكمة في الوزن الحقيقي بأن الحكمة عظيمة في إظهار العدل وإقامة الحجة على العصاة (الفرهاوي).
والآن سأسرد بعض الآيات والأحاديث التي تذكر الميزان وتصفه وتخبرنا عن بعض الموزونات وثقلها في الميزان:
– يقول الله U: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ` فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ (القارعة 6-7).
– ويقول U: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ` تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ` أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (المؤمنون 103-105).
– ويقول U: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (الأنبياء 47).
– قال رسول الله r: ((إنّ الله سـيُخَلِّصُ رجلاً مِن أمتي على رؤوس الخلائق يومَ القيامة، فيَنشُر عليه تسعةً وتسعين سِجِلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أَظَلَمَك كَتَبَتي الحافظون؟ يقول: لا، يا ربّ. فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يا رب. فيقول: بلى، إنّ لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلمَ عليك اليوم، فيُخرِج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كِفّة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلتِ البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء)) (جامع الترمذي).
– وقال رسول الله r: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) (متفق عليه).
– وقال رسول الله r: ((بخٍ بخٍ، خمسٌ ما أثقلهنّ في الميزان! سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم فيحتسبه)) (مسند أحمد).
– وقال رسول الله r: ((ما مِن شيءٍ أثقل في الميزان مِن حسن الخلق)) (سنن أبي داود).
* * *
الحوض في اللغة: مُجتَمَع الماء (لسان العرب). والحوض الذي في الآخرة اسمه الكوثر، وقد وردت أحاديث تدل على أن الكوثر هو نهر، ووردت أحاديث على أنه حوض، قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ((الكوثر نهرٌ داخل الجنة، وماؤه يصب في الحوض، ويُطلَق على الحوض كوثر؛ لأنه يُمَدُّ منه)) (فتح الباري)، وقيل بأنّ الكوثر هو نهر يصبُّ في حوضٍ (الطبري). وقد أجمعت الأمة على إثبات الحوض (المسامرة) وتواترت أحاديثه تواتراً معنوياً (ابن حجر). ولكنّ الخوارج ينكرونه، ومنهم عبيد الله بن زياد والي البصرة، قال ابن حيان التيمي [مِن رجال صحيح مسلم] وأبو سَبْرة الهذلي التابعي: سأل عبيدُ الله بن زياد زيدَ بنَ أرقم t ([6]) وأبا برزة t ([7]) والبراء بن عازب t([8]) وعائذ بن عمرو([9]): تزعمون أنّ لرسول الله r حوضاً في الجنة؟! فقالوا كلُّهم: حدثنا بذلك رسول الله r (البعث والنشور للبيهقي، ومسند البزار).
وحوض النبي r يكون بعد تجاوز الصراط وانتهاء الحساب، كما أشار البخاري في صحيحه، ورجّحه القاضي عياض (ابن حجر)، وقال القرطبي: ((واستُشكِلَ هذا بما ورد من الأحاديث التي تدل على أن أناساً يُدفَعون عن الحوض ويُذهَب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أنّ الذي يمرّ على الصراط إلى أن يصل الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يُرَدُّ إليها؟!… والصحيح أن للنبي r حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثراً)) (التذكرة).
والآن سأسرد بعض الآيات والأحاديث التي تصف الحوض أو تخبرنا عن حوادثه وأخبار روّاده:
– يقول الله U: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ` فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر 1-2). قال ابن عباس y: الكوثر هو الخير الكثير، الذي أعطاه الله لرسوله r. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جُبَيْر بأنّ أناساً يزعمون أنه نهر في الجنة، قال: النهر الذي في الجنة هو مِن الخير الذي أعطاه الله إياه. (المستدرك)
– قال رسول الله r: ((بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهرٍ حافتاه قباب الدُّرّ المجوَّف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طِيبُه _أو طِينُه_ مِسك أذفر[طَيِّب الرائحة])) (صحيح البخاري).
– وقال r: ((هو حوض تَرِدُ عليه أمتي)) (صحيح مسلم).
– قال r في الحديث الطويل عن الآخرة: ((ثم يُنصَرَفُ بنبيّكم، ويَنصَرِفُ على أَثَرِه الصالحون، فيَسلِكون جسراً مِن النار، يَطَأُ أحدُكم الجمرةَ فيقول: حَسِّ، فيَطّلِعون على حوضٍ على أظمأ _واللهِ_ ناهلةٍ [عطشانة] رأيتها أبداً، ما يَبسُطُ أحدٌ منكم يده إلاّ وقع على قَدَحٍ)) (مسند أحمد).
– قال رسول الله r: ((إنّ قدر حوضي كما بين أَيْلَة [مدينة قريبة من المدينة المنورة] وصنعاء من اليمن)) (متفق عليه).
– قال r: ((… إني فَرَطُكُم [سابقكم] على الحوض، وإنّ عَرْضَه كما بين أَيْلَة إلى الجُحْفَة [قرية شمال المدينة المنورة]…)) (صحيح مسلم).
– قال r: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيضُ مِن الوَرِق، وريحه أطيب مِن المسك، وكِيزانُه [أكوابه] كنجوم السماء، فمَن شرب منه فلا يظمأ بعدَه أبداً)) (متفق عليه).
– قال r: ((… ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل…)) (صحيح مسلم).
– قال r: ((… أحلى من العسل، وأبرد مِن الثلج، وأشدُّ بياضاً من اللبَن، وأَلين مِن الزبد…)) (المستدرك للحاكم).
– قال r: ((…. مَن شرب منه لم يظمأ أبداً، ولم يَسوَدَّ وجهُه أبداً)) (مسند أحمد).
– قال r: ((…. ولَيُصَدَّنَّ عني طائفةٌ منكم، فلا يَصِلُون، فأقول: يا رب، هؤلاء مِن أصحابي، فيجيبني مَلَك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟!)) (صحيح مسلم).
– قال r: ((لَأَذُودَنّ عن حوضي رجالاً كما تُذَادُ الغريبةُ مِن الإبل)) (متفق عليه).
* * *
الصراط في اللغة: الطريق (لسان العرب) وفي الشريعة: جسرٌ فوق نار جهنم (الغزالي).
وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة تتحدث عن الصراط وصفاته والسائرين عليه وما يحصل لهم، بالإضافة لبعض التفاصيل والمعلومات المتعلقة بهذا الموضوع، وكلُّها تدعم عقيدة الإيمان بالبعث والنشور وترسِّخُها، وسأكتفي بسرد بعض هذه الآيات والأحاديث:
– يقول الله U: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ` مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ` وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات 22-24).
– ويقول U: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ` ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾(مريم 71-72). فكل الناس سيردون جهنم، لكنْ بعضُهم يَرِدُها بدخولها والعذاب فيها، وبعضُهم يَرِدُها بالمرور على الصراط فوقها دون أن تؤذيه (ابن حجر). وقال كعب الأحبار([10]) وغيره بأنّ وُرود المؤمنين بدخول جهنم أيضاً، لكنها تكون برداً وسلاماً عليهم، ثم يخرجون منها، ورجّحه القرطبي. وثمة فوائد وحِكَم مِن وُرود المؤمنين جهنمَ، ومنها: يُشعِرهم بمزيد من السرور والرضا؛ لأنهم سيخرجون منها بعدَ أن عاينوها ولم يُعَذّبوا فيها، وفي المقابل فإنّ شقاء الكفار وغمّهم يزداد، وكذلك فإن المؤمنين كانوا في الدنيا قد تجادلوا مع الكفار حول الآخرة والبعث والنشور، فعندما يلتقون في النار وقد ظهر صدق المؤمنين وكذب الكافرين تكون سعادة المؤمنين وشقاوة الكافرين أعظم (الرازي).
– قال رسول الله r: ((… ويُضرَبُ جِسرُ جهنّم، فأكون أوّل مَن يُجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أَمَا رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: فإنها مثلُ شوك السعدان، غيرَ أنها لا يَعلم قدر عظمها إلاّ الله، فتَخطف الناسَ بأعمالهم)) (متفق عليه).
– وقال r: ((يُضرَب الجسر على جهنم وتَحِلُّ الشفاعة، فيقولون: اللهم سَلِّم سَلِّم. قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال r: دَحْضٌ [زَلِق] مَزَلَّة [لا تَثْبُت عليه الأقدام]، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك _تكون بنجدٍ منها شُوَيْكَة يقال لها السَّعْدَان_ فيَمرُّ المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب [الإبل]، فناج مُسَلَّم، ومخدوش [مُمَزَّق الجلد] مرسلٌ، ومكدوس [مدفوع] في نار جهنم)) (متفق عليه).
– وقال r: ((ولِجهنم جسرٌ أرقُّ مِن الشعرة وأحدُّ مِن السيف)) (مسند أحمد).
– وقال r: ((لَيَمُرُّ الناسُ على جسر جهنم وعليه حَسَكٌ وكلاليب وخطاطيف، تَخْطَفُ الناس يميناً وشمالاً)) (مسند أحمد).
– وقال r: ((مَن كان وُصْلَةً لأخيه المسلم إلى ذي سلطان في مبلغ برٍّ أو تيسير عسير أعانه الله I على إجازة الصراط يومَ القيامة عند دحض الأقدام)) (صحيح ابن حبان).
* * *
حروف الشين والفاء والعين في اللغة العربية أصلٌ صحيح يَدُلّ على مقارنة الشيئين (معجم مقاييس اللغة). والشَّفعُ الزَّوج (لسان العرب). والشفاعة في الشريعة: طلب خيرٍ لغير الطالب(الباجوري). وسُمِّيت بهذا الاسم لأنه انضمّ الشافع إلى المشفوع له فصارا اثنين (السفاريني).
– قال الله U: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ` لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ` يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾(الأنبياء 26-28).
– وقال U: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾(النجم 26).
– وقال U: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾(الزخرف 86).
– قال رسول الله r: ((أنا سيِّد ولد آدم يومَ القيامة، وأوّل مَن ينشق عنه القبر، وأوَّل شافع، وأول مُشَفَّع)) (صحيح مسلم).
– وقال r: ((يَجمع الله تعالى الناس يومَ القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا I حتى يريحنا مِن مكاننا هذا. قال: فيأتون آدم u فيقولون: أنت آدم أبو الخلق، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هُنَاكُم _فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها_ ولكن ائتوا نوحاً، أول رسول بعثه الله I، قال: فيأتون نوحاً u فيقول: لست هناكم _فيذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها_ ولكن ائتوا إبراهيم u الذي اتخذه الله خليلاً، فيأتون إبراهيم u، فيقول: لستُ هناكم _ويَذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها_ ولكن ائتوا موسى عليه السلام، الذي كلمه الله، وأعطاه التوراة. قال: فيأتون موسى u فيقول: لست هُنَاكُم _ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحيي ربه منها_ ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً r عبداً قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فيأتوني فأستأذن على ربي I، فيؤذن لي، فإذا أنا رأيته ووقعت ساجداً فيدعني ما شاء الله، فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، قل تُسمع، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي I بتحميدٍ يُعلّمنيه ربي I، ثم أَشفع، فيَحُدُّ لي حداً، فأخرجهم من النار، وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجداً، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك يا محمد، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال: فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة قال: فأقول: يا رب، ما بقي في النار إلاّ مَن حبسه القرآن. أي: مَن وَجَبَ عليه الخلود)) (متفق عليه).
– قال r: ((لَيَدْخُلَنَّ الجنة بشفاعة رجلٍ ليس بنبيّ مثلُ الحيين ربيعة ومضر)) (مسند أحمد).
– وقال r: ((ثُمَّ يقال: ادعوا الصِّدِّيقين فيَشفعون، ثم يقال: ادعوا الشهداء، فيَشفعون فيمن أرادوا)) (مسند أحمد).
– وقال r: ((مَن قرأ القرآن واستظهره، فأَحَلَّ حلالَه وحرّم حرامَه، أَدخله الله به الجنة، وشفَّعه في عشرة من أهل بيته كلُّهم وجبتْ له النار)) (جامع الترمذي).
– وقال r: ((… فأَرفع رأسي، فأقول: أمتي يا ربّ، أمتي يا رب. فيقال: يا محمد، أَدخِلْ مِن أمتك مَن لا حساب عليهم مِن الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب)) (صحيح البخاري).
– وقال r: ((يُخْرَج قومٌ مِن النار بشفاعة محمدِ r، فيُدخَلون الجنة، يُسَمَّوْن الجهنّميّين)) (صحيح البخاري).
– وقال r: ((مَن قال حين يَسمع النداء: اللهم ربّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يومَ القيامة)) (صحيح البخاري).
– وقال r: ((مَن استطاع أن يموت بالمدينة فليمتْ بها؛ فإني أشفع لمن يموت بها)) (مسند أحمد).
– وقال r: ((إنّ أولى الناس بي يومَ القيامة أكثرُهم عليّ صلاة)) (جامع الترمذي).
* * *
ثمة آيات وأحاديث كثيرة تتحدث عن نار جهنّم وأحوال أهلها وتفاصيل ما يجري فيها وغير ذلك، وكل هذه المعلومات تزيدنا يقيناً بالآخرة والبعث والنشور، لذلك سأسرد بعض الآيات الكريمة حول هذا الموضوع، علماً بأنه قد أجمعت الأمة على أنّ النار والجنة باقيتان لا تفنيان أبداً (السُّبْكي):
– قال الله U: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ` لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ (الحجز 43-44).
– وقال U: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (الزمر 71).
– وقال U: ﴿كَلاَ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ` وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ` نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ` الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ` إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ` فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ (الهمزة 4-9).
– وقال U: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم 6).
– وقال U: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (البقرة 24).
– وقال U: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ` فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ` وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ` نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (القارعة 8-11).
– وقال U: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ (الإسراء 97).
– وقال U: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ` وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ` لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ (المدثر 26-28).
– وقال U: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾(النساء 145).
– وقال U: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً `لِلْطَّاغِينَ مَآباً﴾(النبأ 21-22).
– وقال U: ﴿كَلاَ إِنَّهَا لَظَى ` نـزاعَةً لِّلشَّوَى ` تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾(المعارج 15-17).
– وقال U: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ` قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾(المدثر 42-43).
– وقال U: ﴿كَلاَ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ` لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾(التكاثر 5-6).
– وقال U: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾(الفرقان 12).
– وقال U: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(البقرة 39).
– وقال U: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ` خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾(البقرة 161-162).
– وقال U: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾(التوبة 17).
– وقال U: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَ مِن ضَرِيعٍ ` لاَ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾(الغاشية 6-7).
– وقال U: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ` طَعَامُ الْأَثِيمِ ` كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ` كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾(الدخان 43-46).
– وقال U: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نـزلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ` إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ ` إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ` طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ ` فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ` ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ
حَمِيمٍ` ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾(الصافات 62-68).
– وقال U: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾(محمد 15).
– وقال U: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾(الحج 19).
– وقال U: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ ` سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ﴾(إبراهيم 49).
– وقال U: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ` يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾(القمر 47-48).
– وقال U: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(يونس 27).
– وقال U: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾(آل عمران 106).
– وقال U: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلاَ وَأَغْلَالاً وَسَعِيراً﴾(الإنسان 4).
– وقال U: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً ` وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾(المزمل 12-13).
– وقال U: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(سبأ 33).
– وقال U: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ` ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ` ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾(الحاقة 30-32).
– وقال U: ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ` كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾(الحج 21-22).
– وقال U: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾(الأحزاب 66).
– وقال U: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(يونس 54).
– وقال U: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ` فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(الملك 10).
– وقال U: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ` رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ` قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾(المؤمنون 106-108).
– وقال U: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ ` قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَ فِي ضَلَالٍ﴾(غافر 49-50)
* * *
الجنة دار النعيم للمؤمنين، وقد جاءت آيات وأحاديث كثيرة عنها وعن وصفها وعن أهلها وأعمالهم وغير هذا، وسأكتفي بسرد طائفة من الآيات الكريمة؛ كي يزداد إيماننا ويترسّخ يقيننا بالآخرة وبالبعث والنشور:
– وقال U: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾(الزمر 73).
– وقال U: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾(البقرة 25).
– وقال U: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى﴾(محمد 15).
– وقال U: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ` عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾(الإنسان 5-6)
– وقال U: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ` عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ ` تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ` يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ ` خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ` وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ ` عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾(المطففين 22-28).
– وقال U: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾(الزمر 20).
– وقال U: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ ` فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ ` وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ` وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ` وَمَاء مَّسْكُوبٍ ` وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ` لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾(الواقعة 27-33).
– وقال U: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾(الزخرف 71).
– وقال U: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ ` لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ` فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ`لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ` فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ` فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ ` وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ ` وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ` وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾(الغاشية 8-16).
– وقال U: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ ` بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾(الواقعة 17-18).
– وقال U: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(البقرة 25).
* * *
اختلفت آراء علماء الشريعة وعلماء الطبيعة حول الآخرة والبعث والنشور، وقد أجمل مذاهبهم الإمام الفخر الرازي عندما عدّد المذاهب الممكنة في هذا الموضوع بقوله: ((فاعلم أن الأقوال الممكنة في هذه المسألة لا تزيد على خمسة؛ وذلك لأن الحق: 1- إمّا أن يكون المعاد هو المعاد الجسماني فقط، وهو قول أكثر المتكلمين، 2- أو المعاد الروحاني فقط، وهو قول أكثر الفلاسفة الإلهيين، 3- أو كل واحد منهما حق وصدق، وهو قول أكثر المحققين، 4- أو الحق هو بطلانهما معاً، وهو قول القدماء من الفلاسفة الطبيعيين، 5- أو الحق هو التوقف في كل هذه الأقسام، وهو المنقول عن جالينوس([11]))) (الأربعين في أصول الدين)، وقد سار على هذا التقسيم مَن جاء بعد الإمام الرازي.
هذا هو القول الحق الذي اعتمده علماء الأمة، وهو المعروف لدى الغالبية العظمى من المسلمين، قال ابن قيم الجوزية: ((الذي عليه جمهور العقلاء أن الإنسان هو البدن والروح معاً، وقد يُطلَق اسمه على أحدهما دون الآخر بقرينة)) (الروح).
لكنّ القائلين بهذا القول انقسموا حول تعريف الروح إلى قولين: القول الأول: أن الروح شيء مستقل عن الجسد ومغاير له تماماً، والقول الثاني: أن الروح قسيمة الجسد، وكلاهما هو الإنسان، وسآتي على تفصيل القولين.
القول الأول: أن الروح شيء مستقل ومغاير تماماً للجسد:
فكل هؤلاء العلماء وغيرهم الكثير يعتقدون أن البعث سيكون بالجسد والروح معاً، وهم يرون أن النفس ليست جسماً ولا عَرَضاً، بل هي جوهر روحاني لا يمكننا أن ندركه أو نتخيله؛ لأنه لا شبيه له في عالمنا المحسوس، وهذا القول هو النقطة الفاصلة بين القائلين بالبعث بالجسد والروح وبين القائلين بالبعث الجسماني فقط.
ماهية الإنسان عند القائلين ببعث الجسد والروح:
الإنسان هو مجموع الجسد والنَّفْس، والجسد _أو الجسم_ هو الأعضاء المعروفة في الإنسان المكونة من لحم وعظم ودم وغيرها، أمّا النَّفْس فهي شيء قائم بذاته مستقل مغاير تماماً ومختلف عن الجسد، وهي محل التكليف الشرعي وهي الموصوفة بالطاعة أو العصيان وهي المستحقة للعقاب أو الثواب، وهي التي تشعر وتحس وتدرك اللذات والآلام والعلوم والمعارف، والعلاقة بينها وبين الجسد كالعلاقة بين الإنسان وبين أي آلة يستخدمها.
لهذا كله يكون الإنسان هو نفسه منذ خلقه حتى وفاته؛ لأن نفْسه واحدة لم تتغير وإنْ تغير جسده، ولهذا _أيضاً_ نقول عن المعاقَب إنه هو نفسه الجاني ولو كان عقابُه بعدَ جنايته بمائة سنة، ولا يصحّ القول بأنه إنسان مختلف؛ لأن جسده قد تغير (التفتازاني)؛ ومِن الأدلة على أن الجسد آلة للنفْس أنه إذا شُلَّت يده لم تعد يده المشلولة مشمولة بالتكليف الشرعي ولا بالثواب والعقاب، مع بقاء التكليف كما هو بالنسبة للإنسان.
ولا يَردُ على القائلين بهذا القول أنه يجب أن يكون البعث بالنفْس دون الجسد لأنه يتغير وليس مناط التكليف، لأن الجسد هو الآلة ولا يكون الإنسان إنساناً كاملاً إلا بالنفْس والجسد وإن كانت خلايا الجسد تتغير، وأيضاً فإن الجسد الذي هو آلة قد تنعم بالحرام أو عمل بالطاعة فلذلك شاء الله أن يكون النعيم لهما والعذاب لهما (علي أرسلان آيدين).
ماهية النَّفْس عند القائلين ببعث الروح والجسد:
يرى حجة الإسلام الإمام الغزالي أن النفْس ذاتٌ قائمة بنفسها روحانية لطيفة ربانية، وليست جسماً محسوساً لنا ولا عَرَضاً، بدليل أن الله U يخاطب النفوس ويأمرها وينهاها ويعدها بالثواب والعقاب، فلو لم تكن شيئاً مستقلاً لما صحت هذه الخطابات (الغزالي).
النَّفْس هل هي حادثة أم قديمة لا أوّل لها؟ وهل هي خالدة أم فانية؟
لا شكّ أن النفس حادثة مخلوقة لله I، وليست قديمة ولا أزلية؛ قال U: ﴿اللهُ خالقُ كُلِّ شَيء﴾ (الأنعام 102)، فهذه الآية الكريمة عامّة في كل شيء، وهذا العموم يشمل كلَّ ما عدا الله I.
والنفْس خالدة لا تفنى مثل الجسد الذي يفنى؛ قال U: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ` فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (آل عمران 169-170)، وهذا الرزق والفرح لا يكون إلاّ للموجود، ولا يمكن أن يكون للمعدوم الفاني، وقال رسول الله r: ((أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل)) (صحيح مسلم)، وأيضاً فإن الغالبية العظمى من البشر يعتقدون أن أرواحهم باقية حتى بعد موتهم، بدليل أنهم يهدون الصدقات والكلام الطيب لأمواتهم، وأيضاً يقول U: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ` ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ` فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ` وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر 27-30)، رجوع النفْس إلى ربها يدل على بقائها وأنها لم تفنَ (علي أرسلان آيدين)، وأيضاً قال رسول الله r: ((فلما علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، قال: فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى. قال: فقال: مرحباً برسول الله الصالح والابن الصالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بنيه)) (متفق عليه).
عند القائلين بالبعث للجسد والروح هل بعث الجسد يكون عن تفريقٍ أم يُبعَث غيرُه؟
1- يعتقد صدر الدين الشيرازي أن جسد الإنسان سيُبعَث يوم القيامة هو نفسه بعينه وأجزائه وليس بمثله وشبيهه.
2- ويعتقد سعد الدين التفتازاني _كما في كتابه شرح العقائد النسفية(التفتازاني)_ أن إعادة الجسد يوم القيامة ستكون عن تفريق، أي: يجمع الله U أجزاء الجسد الأصلية نفسها، ويُعيدها كلها، أي: جميع ذرات جسده منذ بدء خلقه حتى موته، ثم يعيد الروح إليها بعد أن يجمعها كلها في جسد واحد، وبذلك يمكن أن يكون الشكل الـمُعاد مثلَ الشكل في الدنيا ويمكن أن يكون غيره بحيث يكونان مختلفين تماماً، وهذا الجسد الـمُعاد بشكل مختلف هو غير الجسد الأول الذي كان في الدنيا، سواء سمينا هذه الإعادة باسم إعادة المعدوم عينِه أم سميناها باسم إعادة ما لم يُعدَم أصلاً، والأدلة النقلية على هذا كثيرة ومنها قول الله U: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾ (النساء 56)، فالآية الكريمة تقول صراحة بأن الجلد الثاني غير الجلد الأول، ولا مشكلة في هذا؛ لأن الجسد كالآلة للنفْس، وهذه الآلة واسطة لوصول العذاب إلى النفْس، ولا يَرِدُ على هذا القول بأن الجلد الثاني عُذِّب بلا ذنب اقترفه! لأن التعذيب للنفْس وليس للجلد، فهو مجرد آلة، وممّا يؤيّد أن تغيير الجسد لا قيمة له ولا اعتبار قوله r: ((أهل الجنة جرد مرد كَحْلَى، لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم)) (مسند أحمد)، وقوله r: ((ضِرس الكافر _أو ناب الكافر_ مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث)) (صحيح مسلم)، فهذه زيادة كبيرة في جسده، ولا يمكن أن يكون غلظ جلده مسيرة ثلاث حتى لو عاش مائة سنة.
وقال الإمام التفتازاني أيضاً: ((ولا يبعد أن يكون قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾(يس 81) إشارة إلى هذا، ولا يضرنا كونه غيرَ البدن الأول بحسب التشخّص، ولا امتناع من إعادة المعدوم بعينه)). (شرح المقاصد)، وقال: ((فإن قيل فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير من عمل الطاعة وارتكب المعصية، قلنا: العبرة في ذلك بالإدراك، وإنما هو للروح ولو بوساطة الآلات، وهو باق بعينه وإنْ تبدلت الصور والهيئات، بل كثير من الآلات والأعضاء، ولذلك لا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب: إنها عقوبة لغير الجاني)) اهـ (شرح العقائد).
3- وقال الإمام الغزالي: ((ربما تنكرون من يختار القسم الثالث، وهو ردُّ النفس إلى بدنِ إنسانٍ غيرِ البدن الأول مِن أيّ مادةٍ كانت وأي تراب اتفق، ويرى أن النفس باقية بعد الموت، وهي جوهر قائم بنفسه، ويدل على بقائها قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران 169)، كما يدل على ذلك ما ورد من الأحاديث والأخبار بشعور الأرواح بالخيرات والصدقات وسؤال منكر ونكير وعذاب القبر)) (تهافت الفلاسفة). ثم قال: ((دلَّ الشرعُ على البعث وحشر الأجساد، وذلك ممكنٌ بردِّها إلى البدن أيِّ بدنٍ كان، سواء كان من مادة البدن الأول، أو من غيره، أو من مادة استؤنف خلقها؛ فإنه هو بنفسه لا ببدنه)) (تهافت الفلاسفة). فهذه نصوص من كلامه، لكنّ الإمام الغزالي نبّه في أوّل كتابه بأنه ألّف كتاب (تهافت الفلاسفة) لإبطال مذهب الفلاسفة وليس لإثبات الحق.
* * *
القول الثاني: أن الروح قسيمة الجسد، وكلاهما هو الإنسان:
ومِن العلماء القائلين بهذا: الفخر الرازي، والسعد التفتازاني، وأبو حامد الغزالي وغيرهم كثير، حيث إنهم قالوا بأن الإنسان يتكوّن من جسمين أو شيئين اثنين:
1- الجسم الأول: بدن الإنسان: وهو جسم مشاهَد محسوس، مؤلف من اللحم والعظم والدماء وغيرها كما هو معروف.
2- الجسم الثاني: وهو المعروف بالروح أو النفْس، وهو جسم لطيف نوراني، مختلط بالبدن اختلاط الماء في الورد واختلاط الزيت في الزيتون، وإن اجتماع الجسمين في الإنسان يعني حياته، وافتراقهما يعني موته.
لذلك فإن أصحاب هذا القول قالوا بأن البعث والنشور للجسم فقط، وهم يقصدون البدن والروح، تماماً كما يقصد أصحاب القول الأول، سوى أنهم اختلفوا في تعريف الروح وماهيتها. (التفتازاني)
وثمة رأيٌ آخر ضمن القائلين بهذا القول الثاني، وهو أن الإنسان يتكوّن من جسمين اثنين: الجسم الأول هو الروح، وهو باق منذ خلقه حتى وفاته، والجسم الثاني هو البدن، وهو المتغير الذي تموت خلاياها ويستبدلها البدن تكراراً خلال حياته، ويوم القيامة يبعث الله الجسم الأول نفسه مع جسم ثانٍ يخلقه يومها. ولذلك فلا يرد سؤال: لو أكل إنسان إنساناً فمَن منهما سيبعث؟ لأن الجواب: بأن الجسم الأصلي _وهو الروح_ لا يمكن أكله، والمأكول هو الجسم المتغيّر وهو البدن، وهذا لا يضرّ تغيّره أو أكله أو أي شيء. (الأربعين في أصول الدين)
ملحوظة هامة1: ما الفرق بين القول الأول بأن البعث للروح والجسد، وبين القول الثاني بأن البعث للجسم فقط؟
الجواب: مِن حيث النتيجة النهائية فقد اتفق القائلون بالبعث الجسماني مع القائلين بالبعث للجسد والروح معاً، لأن الجميع يقصد بأن البعث للروح والجسد، ولكن لما كانت الروح عند القائلين بالبعث الجسماني عبارةً عن جسد أيضاً قالوا: المعاد جسماني فقط. ولذلك فهما قولان وإنْ كانوا متفقين في النتيجة.
وأيضاً ثمة فرق بينهما في تعريف النَّفْس والروح، فالقائلون بالبعث الجسماني يعتقدون أن الروح هي عبارة عن جسم شفاف نوراني يتخلل البدن مثل تخلل الزيت في الزيتون، وتخلل النار في الفحم، وأما القائلون بالبعث بالجسد والروح فيعتقدون أن الروح جوهرٌ روحاني وليست جِسماً ولا عَرَضاً (التفتازاني).
ملحوظة هامة2: هل إعادة الجسم عن عدمٍ أو عن تفريقٍ؟
ثمة 3 أقوال في المسألة:
القول الأول وهو الحق الذي عليه جمهور الأمة مِن الأشاعرة والماتريدية: البعث عن عدمٍ؛ لأن إعادة المعدوم جائزة.
أدلة القائلين بإعادة الأجسام عن عدمٍ:
القول الثاني: قال به بعض الكرّاميّة([12]) وبعض المعتزلة مثل أبي الحسين البصري([13]) والزمخشري([14])، قالوا: البعث يكون عن تفريقٍ، أي: تُعاد ذرات الخلايا ولو تفرقت عن بعضها، ثم تُعاد لها الحياة بعد اجتماعها، ودليلهم: أنه يستحيل إعادة المعدوم نفسه، فلا بدّ أن تكون الإعادة للجسد نفسه ولو تفرقت أجزاؤه مليارات الأجزاء، وبهذا القول لا يرد عليهم إشكال تعذيب الجسد الذي لم يعصِ (الأربعين في أصول الدين).
أدلة القائلين بإعادة الأجسام عن تفريق: (التفتازاني)
القول الثالث: التوقّف في المسألة، وعدم ترجيح أي قولٍ؛ لأن الإعادة عن عدمٍ أو تفريقٍ كلاهما جائز عقلاً وشرعاً، ومِن العلماء المتوقفين إمام الحرمين، كما نقل عنه الإمام التفتازاني ثم أيّده قائلاً: ((والحق التوقف))(شرح المقاصد).
ما أدلة البعث للجسد خصوصاً عند القائلين بالبعث للجسد والروح معاً سواء كان البعث عن عدمٍ أو تفريقٍ؟
الأدلة هي الآيات والأحاديث عند أهل السنة والجماعة(التفتازاني)، وقال بعضهم _كالإمام الرازي_ بأنه توجد أدلة عقلية أيضاً، وقالت المعتزلة بأنه يجب على الله بعث الأجساد عقلاً وشرعاً (التفتازاني). وسأذكر بعض الآيات الدالة على بعث الأجساد مع الأرواح، ثم أذكر الأدلة العقلية.
الآيات الكريمة:
الأدلة العقلية:
– قال الإمام الرازي: ((إنا نرى في دار الدنيا مطيعاً وعاصياً ومحسناً ومسيئاً، ونرى أن المطيع يموت من غير ثواب يصل إليه في الدنيا، والعاصي يموت من غير عقاب يصل إليه في الدنيا، فإن لم يكن حشر ونشر يصل فيه الثواب إلى المحسن، والعقاب إلى المسيء لكانت هذه الحياة الدنيوية عبثاً بل سفهاً)). (الأربعين في أصول الدين)
– وقال الإمام الرازي أيضاً: ((إن الله I خلق الخلق في هذا العالم إما للراحة واللذة والانتفاع وإما للتعب والألم والإضرار، أو لا لهذا ولا لذاك، فالاحتمالات العقلية حاصرة في هذه الثلاثة، والاحتمال الثاني باطل؛ لأن ذلك لا يليق بالمحسن الرحيم، والاحتمال الثالث باطل أيضاً؛ لأن هذه الحالة كانت حاصلة حين كانوا معدومين، فلم يبق إلا الاحتمال الأول، وهو أنه I خلقهم للراحة واللذة والانتفاع، فهذه اللذة والراحة إما أن تكون في هذا العالم أو في عالم آخر، ولا يجوز أن يقال: إنها في هذا العالم؛ لأن الملذات أقل من المصائب والآلام، فوجب أن تكون في عالمٍ آخر)). (التفسير الكبير)
– قالت المعتزلة: يجب على الله U أن يثيب الطائعين وأن يعاقب العاصين، وهذا لا يحصل إلا إذ أثاب الخلايا التي أطاعت نفسها عينها ذاتها، وعاقب الخلايا العاصية كذلك، وهذا كله لا يحصل إلاّ إذا بعث الله I الجسد نفسه، فتكون الإعادة واجبة على الله؛ لأن ما يتم الواجب إلاّ به فهو واجب. (التفتازاني)
* * *
المبحث الثاني: مذهب القائلين بأن البعث والنشور للروح فقط
هذا مذهب الفلاسفة الذين يؤمنون بوجود إله للكون ولكنهم لا يؤمنون بأي دين سماوي، وهو مذهب بعض فلاسفة المسلمين من غير أهل السنة والجماعة، مثل: إخوان الصفا([15])، والفارابي([16])، وابن سينا([17]).
* * *
جميع الفلاسفة _الملاحدة والطبيعيين والدهريين وغيرهم_ مِن جميع العصور القديمة والحديثة ينكرون وجود الله U والآخرة جملةً وتفصيلاً، أي: ينكرون البعث والنشور للروح والجسد، فهم لا يعتقدون إلاّ بما يحسون به بحواسهم من الموادّ، ويقولون بأن هذه المادة قديمة أزلية وستبقى للأبد.
عند دراسة أقوال الفلاسفة نجد تبايناً في كلامهم وإنْ كان ثمة ما يجمعهم جميعاً وهو إنكار وجود الله I والآخرة وغيرها، ودراستي هذه ليست دراسة فلسفية حتى أتعمق بنقل أقوال كل فيلسوف مع الرد عليه، لكنني لا أستطيع تجاوز أقوالهم، لأنه “بضدّها تتميز الأشياء”، فعندما نقرأ كلام عمالقة الفلسفة والفكر في القديم والحديث ونرى مدى ضحالة تفكيرهم في أعظم مسألة من مسائل هذه الحياة عندها نتأكد من حقيقة عقيدتنا وديننا أكثر وأكثر، وهذا الدليل يشبه ما نقوله عند إثبات وجود الله الواحد الأحد I بأنّ عبدة الأصنام يصنعون إلههم ثم يعبدونه وإذا جاعوا أكلوه وتغوطوه! لذلك سأعرض ملخص كلام الفلاسفة القدماء ثم المعاصرين:
أولاً: قدماء الفلاسفة: وعلى رأسهم أبو الماديين ديموقريطس([18]) وأشهرُهم أبيقور([19])، ويتلخص مذهب قدماء الفلاسفة بما يلي:
ثانياً: الفلاسفة المعاصرون:
يؤمن الفلاسفة المعاصرون بما يؤمن به القدماء عموماً، وهذا الاعتقاد هو نفسه الموجود عند قدماء اليونانيين والمصريين والصينيين والهنود (مبادئ الفلسفة لرابوبرت)، إلاّ أنهم أكثر كفراً وإنكاراً لله U وللآخرة والبعث والنشور، وهم أكثر يقيناً بأن المادة المحسوسة هي كلُّ شيء ولا وجودَ لخالق قادر فرد صمد I، ومِن أبرز الفلاسفة الذين أعادوا إحياء هذه الفلسفة المنكرة للآخرة: توماس هويز([20]) في بريطانيا، ولامنزيه([21]) وبارون هلبك([22]) في فرنسا (مبادئ الفلسفة لرابوبرت)، وفخته([23]) وشلنج([24]) وهيجل([25]) في ألمانيا، وموليشوت([26]) في هولندا، ثم جاء بعدهم الفيلسوف بخنر([27]) عام 1899م فجمع علوم هؤلاء كلهم، وألّف كتابه: القوّة والمادّة، حتى صار يُعرف هذا الكتاب بـ”الكتاب المقدس للمادّيين”(مبادئ الفلسفة لرابوبرت).
قال أحد كبرائهم: ((إن الظواهر المتعددة للأشياء ترجع إلى أساسٍ واحد وهو المادة، والمادةُ أساسُ كلِّ شيء، والعالمُ قد تَكوَّن من المادة، ولا وجودَ لشيء غيرِ المادة، وما العقل إلا صورة من صور المادة، والحياة والفِكر صفتان ذاتيتان للمادة)) (مبادئ الفلسفة لرابوبرت)، بل بلغَ اليقين بالمادة أنّ بعض الفلاسفة وضع كامل التفاصيل لصناعة إنسان حي مفكّر! قال: ((إن الإنسان مؤلَّف من: ماء عشرة جالونات، ودهن يكفي لصنع سبع سبائك من الصابون، وكربون يكفي لصنع 9.000 قلم رصاص، وفوسفور يكفي لصنع 2.200 رأس من عيدان الكبريت، وحديد يكفي لصنع مسمار متوسط الحجم، وكِلْس يكفي لبياض بيضة دجاجة، وكميات ضئيلة من المغنيزيوم والكبريت، فإذا جمعنا هذه المواد وخلطناها بطريقة دقيقة تماماً نتج عنها إنسان لا محالة!)).(أسس الفلسفة)
* * *
المطلب الأول: مناقشة القائلين بأن البعث للروح فقط دون الجسد:
دليلهم: أن الجسد يفنى وينعدم بعد الموت، ولا يمكن عقلاً أن يعود المعدوم؛ لأنه إن عاد نفسُه فيكون قد توسَّط العدمُ بين وجود الشيء ووجوده ثانيةً، وهذا يعني تقدُّم الشيء على نفسه، وهذا تناقضٌ مستحيل عقلاً (علي أرسلان آيدين).
وقد ردّ عليهم شيخ الإسلام مصطفى صبري([28]) بأفضل جواب؛ لذلك سأنقله كاملاً رغم طوله: ((لقد أخطأ المحقِّقون الذين لم يجيزوا إعادة المعدوم حاكمين باستحالة تَقدُّم المبتدأ على الـمُعاد مع كونهما ذاتاً واحدة، قياساً على استحالة تقدم الشيء على نفسه الذي في الدَّور المحال، أخطأوا في حكمهم هذا وقياسِهم؛ لأنّ هذا التقدم الذي في الدور يتضمن التناقض بأن يكون الشيءُ موجوداً قبلَ وجوده، ولا تناقضَ في تقدّم زيد الذي في الدنيا على نفسه في الآخرة، وسبب الفرق بينهما أنّ الشيء مع نفسه في الدور هو نفسُه من كل وجهٍ، فلا مغايرة بينهما أصلاً، بخلاف تقدم المبتدأ على الـمُعاد، فلا تناقض فيه، فمدار الاستحالة والإمكان على وجود التناقض وعدم وجوده، فدخول التقدم بين الشيء ونفسه محال في الدور؛ لاستلزامه التناقض، وكذا دخول العَدَم محالٌ فيه، وممكنٌ دخول كلٍّ منهما في إعادة الموجود في الدنيا إلى الوجود الثاني في الآخرة بعد العدم؛ إذ لا تناقض في هذا التقدم والتأخر، كما لا تناقض في تقدم زيد الشابِّ على زيدٍ الشيخ، ولا تناقض أيضاً في دخول العدم بين زيدٍ في الدنيا وزيدٍ في الآخرة، كما كان دخوله في الدور موجباً للتناقض، فإذا قلنا إن حركة المفتاح متوقفة على حركة اليد لا يجوز أن نقول: وحركة اليد متوقفة على حركة المفتاح؛ لكونه دوراً والدور باطل _كما هو معلوم_ لما فيه من التناقض، ولا تناقض في وجود زيدٍ في الدنيا قبلَ وجوده في الآخرة، ولا في وجوده في الدنيا شاباً قبل وجوده شيخاً؛ لعدم كون كلٍّ من الوجودَين المتقدِّمين علةً للوجودين المتأخِّرين، ولا الوجودين المتأخرين علة للوجودين المتقدمين، بل الله I مُوجِدُهما متقدِّمَين ومتأخِّرَين، ولأنّ زمان المتقدم ومكانَه مختلفان عن زمان المتأخِّر ومكانِه، أو على الأقلِّ زماناهما مختلفان، ولهذا أمكن هذا التقدم والتأخر بين الوجودين، ولم يَضُرَّا بمسألتنا، بل نفعاها، حتى لو كان زيد في زمان وجوده في الدنيا ومكانه فيها موجوداً أيضاً في جنة الآخرة أو جحيمها كان محالاً، وسبب الاستحالة على هذا التقدير ليس التقدم والتأخر، بل كون الواحد اثنين، وكذا لو كان زيد شاباً وشيخاً في زمان واحد، ولنذكر مثالاً ثانياً لتقدم الشيء على نفسه في الدور المحال ليزداد ما يقابله من التقدم الممكن وضوحاً: مثلاً يصح القول بأن الدجاجة تخرج من البيضة، ويصح القول بأن البيضة تخرج من الدجاجة، ولكن لا صحة لقول القائل مشيراً إلى بيضة معينة ودجاجة معينة: إن كلاً منهما خرجت من الأخرى، إذ لا يمكن أن تخرج الدجاجة من البيضة التي باضتها هي نفسُها بعينها، فلا بدّ إذا كانت هذه الدجاجة خرجت من البيضة كما خرجت البيضة من الدجاجة أن تكون تلك البيضة خرجت من دجاجة غيرِ هذه الدجاجة، وإلاّ لزم تقدّمُ هذه الدجاجة على نفسِها، وأن تكون موجودة قبل وجودها، وهو تناقضٌ محالٌ ودورٌ باطلٌ)) (شيخ الإسلام مصطفى صبري).
وقد نقل علي آيدن الرد على القائلين بأن البعث للروح فقط دون الجسد قائلاً: ((نحن نقول بصحة إعادة المعدوم بعينه، ونمنع لزوم تخلل العدم بين الشيء ونفسه؛ لأن العدم ليس له وجود حقيقي، وعلى ذلك فالمتخلِّل إنما هو زمان العَدَم لا العَدَمُ نفسُه، إذاً فزمن العدم هو الذي تخلل بين زمانين متغايرين لموجود واحد، وحتى لو سلّمنا أن العدم يوصف بالتخلل مجازاً فلا نسلم الملازمة أيضاً، فاختلاف الزمن يكفي لحصول الغيرية بين الموجود الأول والموجود الثاني وإنْ كانا متحدين حقيقة، وعلى ذلك لا يتخلل العدم بين الشيء ونفسه، بل يتخلل بين الموجودين المختلفين باعتبار الزمن وإنْ كانا متحدين باعتبار الذات، فالملازمة إذن ممنوعة. أي: إنّما يكون تخلل العدم بين الشيء ونفسه باطلاً إذا كان ذلك في وقت واحد، فبطلان هذا ظاهر، أمّا إذا كان التخلل بحسب وقتين مختلفين _كما هنا_ فلا استحالة في ذلك؛ لأن معنى التخلل هنا أن الشيء كان موجوداً زمناً، ثم صار معدوماً زمناً ثانياً، ثم صار موجوداً ثالثاً)) (البعث والخلود). وإذا ثبت بطلان دليلهم هذا فقد ثبت بطلان بقية أدلتهم؛ لأنها كلها مبنية على هذا الأصل الفاسد. (البعث والخلود)
المطلب الثاني: الرد على الفلاسفة المادّيين منكري البعث والنشور:
يقول هؤلاء المنكرون للبعث والنشور بأن الكون كلّه عبارة عن مادّة محسوسة فقط، ولا يوجد إله خالق ليس كمثله شيء I، وهذه المادّة هي أساس وجوهر كل موجود في الكون، وهي قديمة لا أوّل لوجودها، وهي أبدية لا تفنى، وحتى النفْس والروح والتفكير البشري هي عبارة عن اجتماع هذه المواد بطريقة معيّنة، وعندما يموت الإنسان فإن ذراته تتفكك وينتهي كل شيء، فلا وجود لبعثٍ بعد الموت ولا لحساب وجزاء، وكل هذا يحصل بالضرورة الطبيعية ضمن نظامٍ معقّد متكرر بنفسه وليس بخالقٍ مدبّر. (علي أرسلان آيدين)
والردّ عليهم واضح وسهل:
المطلب الثالث: إثبات المذهب الحق بأن البعث للجسد والروح معاً:
ثمة أدلة كثيرة سمعية على أن البعث والنشور يكون للإنسان بجسده وروحه، وقد مرّ معنا كثير من هذه الأدلة، وسيمر معنا في بقية الرسالة، لذلك لا حاجة للتكرار بذكرها كلِّها، وسأكتفي بذكر بعضها، ثم أذكر الأدلة العقلية ممّا لم يسبق معنا ذكرُه ولن يمر في سائر الرسالة:
* * *
بعد أن عرفنا عقيدة المسلمين حول الآخرة والبعث والنشور سأذكر سريعاً عقائد غير المسلمين قديماً وحديثاً حولها، سواء كانوا من أصحاب الديانات السماوية أم الديانات الأرضية أم ملحدين؛ لأننا عندما نرى تخبط غير المسلمين وكلامهم بغير حجة ولا برهان وبغير نقلٍ صحيحٍ عن مطَّلع عليمٍ فإننا سنزداد يقيناً بحقيقة ديننا وعقيدتها وأن الآخرة والبعث والنشور حقٌّ وصدق سيكون لا محالة.
ولا بدّ من التنبيه قبل سرد عقائد غير المسلمين على أن الدين الذي أنزله الله U على جميع الأنبياء منذ آدم u حتى عيسى u هو نفسه دين الإسلام الحالي، فهو دين جميع المؤمنين حقًّا منذ آدم u حتى قيام الساعة، وهو الحقُّ المبين، وهو أنّ الله الواحد الأحد حقٌّ، وأن الآخرة والبعث والنشور ستكون وسيبعث الله جميع البشر ثم يحاسبهم، ولكنني في هذا الفصل سأنقل ما يقوله أصحاب الديانات السماوية من اليهود والنصارى وما يقوله العرب بعدَ أن انحرفوا عن دينهم الحق وشريعة نبيهم إبراهيم u، وكذلك سائر الأمم من الهنود وغيرهم بعدَ أن انحرفوا عن دينهم الحق وشريعة أنبيائهم.
1- الدين اليهودي:
اختلفت رؤى اليهود حول البعث والنشور اختلافاً جوهرياً، ولكنْ في العموم الغالب فإنهم لم يهتموا بالآخرة، بل لم يذكروها ولم ينكروها في الغالبية العظمى من حالاتهم، ولم يذكروا أي شيء عن الخلود بعد الموت، فهم يعتقدون أن الديانة اليهودية هي شريعة خاصة بالدنيا ولا علاقة لها بما وراء الكون المحسوس، وأن جميع القوانين فيها إنما تخصّ الدنيا والكون المحسوس، ولا علاقة لها بما وراءه ولا بما سيكون بعد فناء الكون أو بعد موت الإنسان، حتى إنّ الإنسان غير المؤمن بالديانة اليهودية سينعم بالجزاء في هذه الدنيا ولو لم يكن يهودياً، ومهما كانت عقيدته ولو وثنياً ملحداً لا يؤمن بالله أصلاً. (أحمد شلبي).
إذاً فالعقيدة اليهودية ليس فيها ذكر للبعث والنشور والآخرة، ولكنْ فيها قليل من الكلام عن الأرض السفلى التي يسقط فيها المذنبون ويسجنون فيها، لكن كل هذا لا يتحدث عن الآخرة والخلود والبعث بعد الموت، إلاّ أن قليلاً من الكلام المنقول عن أشعيا([29]) فيه ذكر ليوم البعث وأنه سيكون فيه حساب المذنبين(أحمد شلبي)، وحتى عندما يتكلم بعض اليهود عن الآخرة فلا يعنون ما نعنيه نحن بالآخرة والبعث والنشور، إنّما يعنون التناسخ تماماً، وهذه العقيدة أخذوها عن الفرس، حيث إن اليهود يعتقدون أن الفقراء والمرضى والمعذبين في هذه الحياة سيعودون بعد موتهم لهذه الحياة أيضاً ولكن في جسد مختلف، وأمّا السعداء في هذه الدنيا فقد حصلوا على جزائهم وثوابهم من مولاهم، فلن يعودوا بعد موتهم. (أحمد شلبي)
2 – الدين النصراني :
افترقت الديانة النصرانية إلى فرق متضادّة يكفّر بعضها بعضاً، وقد أخذت بعض عقائدها من الديانات المختلفة وخاصة الوثنية والفلسفات الإغريقية، وقد حرّف العقيدة النصرانية اليهوديُّ شاول([30])، فأدخل فيها فكرة ألوهية المسيح وفكرة تثليث الرب وفكرة صكوك الغفران (الموسوعة الميسرة في الأديان)، لذلك كان من البدهي أن يختلف النصارى أيضاً حول فكرة الآخرة والبعث والنشور:
فبعضهم يؤمن بالآخرة والبعث والنشور، وأن الحساب والجزاء سيقوم به السيد المسيح u.(أحمد شلبي)
وبعضهم اقترب كثيراً من عقائد عبدة الأصنام، حتى إنهم يقدمون القرابين والأضاحي للأوثان، وهؤلاء ينكرون البعث والنشور بعد الموت تماماً. (محاضرات في تاريخ المذاهب)
3- عبدة الأصنام والكواكب والنجوم من العرب:
هؤلاء كلهم ينكرون الآخرة والبعث والنشور تماماً، قال U: ﴿وَقَاْلُوْا مَاْ هِيَ إلاَّ حَيَاْتُنَاْ الدُّنيَاْ نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَ الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَ يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية 24)، وقال U: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ` قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس 78-79).
4- الديانة البوذية:
أتباع بوذا([31])، لا يؤمنون بالآخرة ولا بالبعث والنشور اطلاقاً، بل يؤمنون بالتناسخ، أي: بعد موت الإنسان يفنى جسده وتنتقل روحه إلى جسد آخر، ويبقى هكذا يتنقل حتى يصل إلى الصفاء الروحي فيندمج بالإله، وعندها يصبح سعيداً ولا يموت أبداً، وهذا ما يُسمّى بالنرفانا. (أحمد شلبي)
5- الديانة الجينية:
أتباع مهاويرا([32])، لا يؤمنون بالبعث والنشور اطلاقاً، بل يؤمنون بالتناسخ، وهو مختلف في بعض تفاصيله عن التناسخ عند البوذيين، ويسمونه النجاة (أحمد شلبي).
6- ديانة الفراعنة:
كانوا يعبدون الأصنام وبعض الأشخاص، قال U: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾(القصص 38)، لذلك فهم لا يؤمنون بالآخرة ولا بالبعث والنشور، وكانوا يعتقدون بالتناسخ، بمعنى: أنه بعد الموت تنتقل الأرواح الشريرة تنتقل إلى أشخاص معذبين، والأرواح الخيرة تنتقل إلى أشخاص منعمين، وهكذا إلى ما لا نهاية (أحمد شلبي).
7- الديانة الكونفوشية:
وضعها كونفوشيوس([33])، وهم لا يؤمنون بالآخرة ولا بالبعث والنشور، ويعتقدون أن الحياة المحسوسة هي كل شيء، ولا يتحدثون أصلاً عمّا سيحصل بعد الموت. (الموسوعة الميسرة في الأديان)
8- الديانة المجوسية:
وهي عقائد شتى، ولكنهم مجمعون على إنكار الآخرة والبعث والنشور، فبعضهم يقول بالتناسخ إلى ما لا نهاية(عبد الرزاق أسود)، وبعضهم يقول بأن الموت هو النهاية ولا حياة بعد الموت، قال الله U: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَ الدَّهْرُ﴾ (الجاثية 24)، وبعضهم يقول بأنه كان يوجد خالق للكون، لكنه بعد أن خلقه لم يستطع التحكم به، فأَحرَقَ الكونُ الإلهَ الخالقَ ومات، وسيبقى الكون إلى ما لا نهاية، وكل إنسان يولد ثم يموت ويفنى، فلا بعثَ ولا نشور ولا آخرة.(محاضرات في تاريخ المذاهب)
9- الديانة الزرادشتية:
أتباع زرادشت([34])، يعبدون النار، ويؤمنون ببعث الأموات بعد موتهم، ثم حسابهم سيكون بأن يبقى الجيدون في نور أبدي ويبقى السيئون في ظلمة أبدية. (محاضرات في تاريخ المذاهب)
10 – الديانة المثنوية:
يعبدون إلهين اثنين: إله النور والخير يزدان، وإله الظلمة والشر اهرمن، ويؤمنون بالآخرة ولكن بمعنى أنه في نهاية الكون سيبقى إله النور وينتهي إله الظلمة، وليس لديهم تفاصيل أكثر من هذا. (محاضرات في تاريخ المذاهب)
11- الديانة الهندوسية ([35]):
يؤمنون بتناسخ الأرواح، أو تجوال الأرواح، أو تكرار المولد، أو التَّقَمُّص، وكلُّها بمعنىً واحد، أنه بعدَ الموت يفنى الجسد وتنتقل الروح إلى جسد آخر، وهكذا حتى يتم معاقبة هذه الروح على ذنوبها ومكافأتها على طاعاتها، فإذا انتهى العقاب والثواب امتزجت هذه الروح بالإله وعاشت بسعادة أبدية لا تنتهي (أحمد شلبي).
12- عقائد اليونانيين:
اختلف اليونانيون في عقائدهم اختلافاً واسعاً للغاية، لدرجة أن كل مجموعة منهم لهم عقائد وآلهة مختلفة عن الباقين، فعبدوا الأصنام وبعض الناس والكواكب والأخلاق الحسنة والأخلاق البذيئة وما لا يُحصَى من الآلهة، وبعض الآلهة يولد من البشر وبعضهم يموت وهكذا، لذلك لا يمكننا نسبة عقيدة واضحة ولو لغالبيتهم، ولكن كثيراً منهم يؤمنون بالبعث والنشور بعد الموت بمعنى أن الإنسان بعد موته تُؤخذ روحه فقط للجنة أو للنار، ولكنْ في النهاية ينتهي عذاب المعذبين ويصبح الجميع في نعيم.(أحمد شلبي)
من خلال تتبع الآيات والأحاديث نجد أن الإسلام اهتمّ بغرس الإيمان بالآخرة والبعث والنشور اهتماماً بالغاً لا مثيل له، فكلّما قرأنا مجموعة من الآيات وجدناها تزيد من إيماننا باليوم الآخر بطريقةٍ أو بأخرى، وكذلك تفعل الأحاديث الشريفة، وكلُّ هذا الاهتمام العظيم يعطينا فكرة واضحة عن مدى الآثار التي تنتجها عقيدة الإيمان بالآخرة في الإنسان نفسه وفي الأسرة والمجتمع بأسره؛ لذلك كلِّه كان لا بدّ من وقفة مطوّلة مع أمثلة من هذه الآيات والأحاديث، علماً بأنني لا أستطيع حصرها في هذه الرسالة بسبب كثرتها.
لا يخفى أن الإيمان بالآخرة ركن من أركان الإيمان، فلا يكون المسلم مسلماً حتى يؤمن بالآخرة والبعث والنشور، حتى إن الله I لا يقبل إسلام إي شخص لم يؤمن بالآخرة ولو آمن بالله ورسله وكتبه! والدليل على هذا من القرآن الكريم آيات كثيرة، تدل بمجموعها العام ومفهومها العام على كلِّ ما سبق ذكره في هذا الفصل، لذلك سأستعرض بعض هذه الآيات:
وقد وردت أحاديث كثيرة أيضاً تبين أن الإيمان بالآخرة شرط أساسي لصحة الإيمان بالله I، وأكتفي منها في هذا الفصل بحديث واحد صحّ عن عمر بن الخطاب t أنه قال: ((بينما نحن عند رسول الله r ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعَر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى رسول الله r، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله r: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله r، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويُصدِّقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال: ثم انطلق فلبثت ملياً، ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.)) (متفق عليه)
* * *
لقد ذكر لنا القرآن الكريم كثيراً جداً من الأخبار عن الناس وأحوالهم في الآخرة بعد موتهم ونشورهم، وهذا أحد أهم أساليب تثبيت عقيدة البعث والنشور في النفوس والعقول والقلوب، وسأكتفي بسرد مجموعة من هذه الأخبار دون الاستقصاء الكامل؛ لأن عددها كبير ويحتاج رسالة كاملة لاستيعابها، وسأسرد أخبار المؤمنين الطائعين أولاً، ثم أتبعها بأخبار المؤمنين العاصين، ثم أختمها بأخبار الكافرين:
أولاً: أخبار المؤمنين الطائعين:
– الشهداء في سبيل الله U، وكذلك مَن يَشفع لهم الشهداءُ: قال رسول الله r: ((للشهيد عند الله ستُّ خصال: يُغفَر له في أول دُفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتةُ منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوج 72 زوجة من الحور العين، ويُشَفَّع في 70 من أقاربه)) (مسند أحمد).
-المتوضِّئون: قال النبي r: ((إن أمتي يُدعَون يوم القيامة غُرّاً مُحَجَّلين [بِيضُ مواضعِ الوضوءِ من الأيدي والوجه والأقدام] مِن آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أنْ يُطِيل غرته فليفعل)) (صحيح البخاري)، وقال r عندما زار القبور: ((السلام عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنا _إنْ شاء الله_ بكم لاحقون، وَدِدتُ أنَّا قد رأينا إخواننا)) قالوا: أَوَ لسنا إخوانَك؟ يا رسول الله، قال r: ((أنتم أصحابي، إخوانُنا الذين لم يأتوا بعدُ))، فقالوا: كيف تَعرف من لم يأتِ بعدُ من أمتك؟ يا رسول الله، فقال r: ((أرأيتَ لو أن رجلاً له خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلة بين ظَهرَيْ خيلٍ دُهْم بُهْم [المقصود: ليس فيهم شيءٌ من العاهات كالعمى والعرج]، ألا يعرف خيله؟!)) قالوا: بلى يا رسول الله r، قال r: ((فإنهم يأتون غُرّاً مُحَجَّلِين من الوضوء، وأنا فَرَطُهم [الـمُتَقَدِّمُ إلى الماء ليستقي للناس] على الحوض)) (صحيح مسلم).
– المؤذِّنون: قال رسول الله r: ((المؤذِّنون أطولُ الناس أعناقاً يومَ القيامة)) (سنن ابن ماجه)، وقال r: ((مَن أذَّن ثنتي عَشْرة سنة وَجَبتْ له الجنة، وكُتِبَ له بتأذينه في كلِّ يومٍ ستون حسنة، ولكلِّ إقامةٍ ثلاثون حسنة)) (سنن ابن ماجه).
– الذين يُظِلُّهم الله في ظله I: قال رسول الله r: ((سبعةٌ يُظِلُّهم الله U في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّه: إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في طاعة الله، ورجلٌ قلبُه معلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّاْ في الله، اجتمعاْ عليه وتفرقاْ عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تَصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تَعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)) (متفق عليه).
– كاظمي الغيظ: قال الله U: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين َ` الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران 133-134)، وقال رسول الله r: ((مَن كَظَمَ غيظاً _وهو قادرٌ على أن يُنفِذَهُ_ دعاه الله يومَ القيامة على رؤوس الخلائق حتى يُخَيِّره مِن أيِّ الحورِ العِين شاء)) (مسند أحمد).
– الحُجّاج الذين يموتون وهم يُلَبُّون: عن ابن عباس t أنّ رجلاً كان مع رسول الله r فوَقَصَتْه [كسرت عنقه] ناقتٌه _وهو محرمٌ_ فمات، فقال رسول الله r: ((اغسلوه بماءٍ وسِدْرٍ، وكفِّنوه في ثوبَيه، ولا تَمَسُّوه بطيبٍ، ولا تُخَمِّروا رأسه؛ فإنه يُبعَثُ يومَ القيامة ملبِّياً)) (متفق عليه)
* * *
ثانياً: أخبار المؤمنين العاصين:
– المتكبِّرون: قال النبي r: ((يُحْشَرُ المتكبرون يومَ القيامةِ أمثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجال، يَغشاهم الذُّلُّ مِن كلِّ مكان، يُسَاقون إلى سَجْنٍ في جهنمَ يسمى بُوْلَسَ([36])، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقَوْن مِن عُصَارة ِأهلِ النارِ طينةِ الخَبَال [عصارة أهل النار])) (مسند أحمد).
– الغادرون: قال رسول الله r: ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ عند اسْتِه [حلقة الدُّبُر] يومَ القيامة)) (متفق عليه)، وقال r: ((لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامة، يُرفَعُ له بقدر غدره، ألاَ ولا غادرَ أعظمُ غدراً مِن أميرِ عامةٍ)) (صحيح مسلم)، وهذه طريقة معاقبة العرب للغادرين منهم(القرطبي).
– الغالُّون [السارقون من الغنائم قبل تقسيمها] في الحرب: يقول الله U: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران 161)، وقال r: ((لا ألْفِيَنَّ أحدَكم يومَ القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، على رقبته فرسٌ له حَمْحَمَةٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبْلَغْتُك، وعلى رقبته بعيرٌ له رغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، وعلى رقبته صامِتٌ [الذهب والفضة]، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، على رقبته رِقاعٌ [المراد: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع] تَخْفِقُ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك)) (متفق عليه)، وعن عبد الله بن عمروٍ t قال: ((كان على ثَقَلِ رسول الله r رَجل يقال له: كَرْكِرة([37])، فمات، فقال رسول الله r: هو في النار. فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غَلَّها)) (متفق عليه).
– ذوو الوجهَيْنِ: يقول رسول الله r: ((تجدون شرَّ الناس يومَ القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ وهؤلاء بوجهٍ)) (متفق عليه)، ويقول رسول الله r: ((مَن كان له وجهانِ في الدنيا كان له يومَ القيامة لسانانِ مِن نارٍ)) (سنن أبي داود).
– المتسولون الكذبة: يقول رسول الله r: ((مَن سألَ الناسَ وله ما يغنيه جاءَ يومَ القيامة ومسألتُه في وجهه خُموشٌ أو خدوشٌ أو كُدُوحٌ [الخدوش]. قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب)) (مسند أحمد).
– مانعو الزكاة: يقول الله U: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ`الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ (فصلت 6-7)، ويقول الله U: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ` فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ` فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ (التوبة 75-77)، ويقول U: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (آل عمران 180)، ويقول الله U: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة 34)
ويقول رسول الله r: ((ما مِن رَجُلٍ لا يُؤدِّي زكاةَ ماله إلاّ جَعلَ الله يومَ القيامة في عنقه شُجاعاً)) (جامع الترمذي)، ويقول رسول الله r: ((ما مِن صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يُؤدِّي منها حقَّها إلاّ إذا كان يومَ القيامة صُفِّحَت له صفائحُ مِن نارٍ فأحمي عليها في نار جهنم، فيُكوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، كلّما رُدَّت أعيدت له في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضَى بين العباد فيرى سبيله إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار)) (صحيح مسلم).
– المحرومون مِن كلام الله I وتزكيته: يقول الله U: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة 174)، ويقول الله U: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران 77)، ويقول رسول الله r: ((ثلاثةٌ لا يَنظُرُ الله إليهم يومَ القيامة ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ كان له فضلُ ماءٍ بالطريق فمنعه مِن ابن السبيل، ورجلٌ بايع إماماً لا يبايعه إلاّ لدنيا، فإنْ أعطاه منها y وإنْ لم يعطه منها سَخِطَ، ورجلٌ أقام سلعته بعدَ العصر فقال: والله الذي لا إله غيرُه لقد أُعطِيتُ بها كذا وكذا، فصدّقه رجلٌ)) (صحيح البخاري).
* * *
ثالثاً: أخبار الكفرة:
– إبطال أعمال الكفار في الآخرة: يقول الله U: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ` الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ` أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ` ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ (الكهف 103-106)، ويقول الله U: ﴿وَالَّذينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيْعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَد اللهَ عِنْدُه فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيْعُ الْحِسَابِ﴾(النور 39)، ويقول U: ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُوْنَ في هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيْحٍ فِيْها صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (آل عمران 117)، ويقول U: ﴿مَثَلُ الَّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُوْنَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ البَعِيْدُ﴾ (إبراهيم 18).
– اعتراف الكفار يوم القيامة وتخاصمهم: يقول الله U: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ ` وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ` مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ ` فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ` وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ` قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ` تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ` إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ` وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الشعراء 91-99)، ويقول الله U: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ ` مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ ` بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ` وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ` قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ` قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ` وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ ` فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ` فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ` فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ` إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ` إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الصافات 24-25)، ويقول الله U: ﴿وَبَرَزُوا للهِ جِميْعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذيْنَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قَالوا لَوْ هَدانا اللهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا مالَنَا مِنْ مَحِيْصٍ﴾(إبراهيم 21)، ويقول الله U: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ` أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ` مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ ` الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ` قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ` قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ` مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (ق 23-29)، ويقول الله U: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ` حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ` وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (فصلت 19-21). وعن أنس بن مالك t قال: كنا عند رسول الله r فضحك فقال r: ((هل تدرون مم أضحك؟)) قلنا: الله ورسوله r أعلم. قال: ((مِن مخاطبة العبد ربَّه، يقول: يا ربّ ألم تجرني من الظلم؟ يقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً. قال: فَيُخْتَمُ على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعداً لَكُنَّ وسُحْقاً، فعَنكُنَّ كنتُ أُناضل)) (صحيح مسلم).
* * *
أولاً: يقول الله U: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران 145).
ثانياً: يقول الله U: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران 152).
ثالثاً: يقول الله U: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ﴾(التوبة 18).
رابعاً: يقول الله U: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة 99).
خامساً: يقول الله U: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ` يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ` وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران 113-115).
سادساً: يقول الله U: ﴿يَا أَيُّهَا النبي قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ` وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ (الأحزاب 28-29).
* * *
ثمة آيات كثيرة تتوعد الكافرين وتتوعد العاصين يوم القيامة، سأكتفي باستعراض بعضها ممّا يتوعّد الكافرين أوّلاً، ثم بعض ما يتوعّد العاصين ثانياً، ثم أستعرض بعض الآيات المتفرقة ثالثاً.
أولاً: آيات تتوعد الكافرين:
ثانياً: آيات تتوعد العاصين:
ثالثاً: آيات فيها وعيد عام:
* * *
إنّ جميع الشرائع السابقة تؤمن بالآخرة والبعث والنشور؛ لأنها كلّها من الله I، وهو الخالق العليم الخبير I، وقد نقل لنا القرآن الكريم إيمانَ جميع الأمم السابقة بالآخرة قبلَ أن تَكفُر هذه الأممُ أو تبدِّل دينها وتحرِّف شرائعها، ولم يصلنا أي نقلٍ أو نصوصٍ من جميع هذه الأمم عدا اليهود والنصارى إلاّ مِن القرآن الكريم؛ لذلك سأذكر الآيات الكريمة التي تنقل كلام الأمم السابقة، ثم أنقل عن اليهود والنصارى كلامهم أيضاً:
أولاً: نقلُ الله I عن الأمم السابقة:
– قال نوح u: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيْمٍ﴾ (الأعراف 59).
– وقال ذو القرنين u: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً﴾ (الكهف 87).
– وقال صاحب البستان: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً ` قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً ` لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾ (الكهف 36-38).
– وقال إبراهيم الخليل u: ﴿وَالَّذي يُمِيْتُنِيْ ثُمَّ يُحْيينِ وَالَّذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لي خَطِيْئَتِي يَوْمَ الدِّيْنِ﴾ (الشعراء 82)، وقال u: ﴿وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُوْن يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُوْنَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيْمٍ﴾ (الشعراء 87-89).
– وقال يوسف u: ﴿لا يَأْتِيْكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيْلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِيْ رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كافِرُوْنَ﴾ (يوسف 37).
– وقال موسى u: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا في هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ﴾ (الأعراف 136).
– وقال اليهودُ المؤمنون أيامَ طالوت وداود u: ﴿قالَ الذيْنَ يَظُنُّوْنَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيْلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيْرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِيْنَ﴾ (البقرة 249).
– وقال عيسى ابن مريم u: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوْتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّاً﴾ (مريم 33).
ثانياً: بعض نصوص اليهود والنصارى:
– يذكر اليهودُ في سِفْر دانيال([38]) الإصحاح12: ((كثيرٌ مِن الراقدين تحتَ التراب يَستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار والازدراء الأبديّ)).
– ويذكر النصارى في إنجيل متَّى: ((فإنْ أعثرتْك يدُك أو رجلُك فاقطعها وألقها عنك، خيرٌ لك أنْ تَدخُل الحياةَ أعرجَ أو أقطعَ مِن أنْ تُلقَى في النار الأبدية ولك يدان أو رجلان))(إنجيل متّى، الإصحاح18)، وفيه أيضاً سؤالٌ: ((أيذهب جسدُنا الذي لنا إلى الجنة؟ فقال له عيسى u: احذر يا بطرس مِن أن تصير صَدُّوقيّاً ([39])، فإنّ الصَّدُّوقِيِّين يقولون: إنّ الجسد لا يقوم أيضاً، وأنه لا توجد ملائكة؛ لذلك حُرِّمَ على جسدهم وروحهم الدخولُ في الجنة)). (إنجيل متّى، الإصحاح22)
* * *
في نهاية هذا العرض المختصر للأدلة العقلية القرآنية على البعث والنشور والحساب بعد الموت والفناء لا بدّ لي من التأكيد على أنّ مسألة الإيمان والكفر بالبعث والنشور هي مسألة مِن المسائل التي يتعلّق بها صلاح الدنيا والدين، وكذلك فسادهما.
ولا أجد في أيامنا هذه موضوعاً يجب الحديث عنه باستفاضة ومع عموم الناس _مؤمنيهم وغير مؤمنيهم_ بالأساليب العقلية مع مخاطبة القلب والروحِ أهمَّ مِن موضوع البعث والنشور والحساب، ومهما بحثنا فلن نجد أفضل مِن القرآن الكريم ليجمع كلَّ هذه الشروط عند تناول هذا الموضوع الغيبي الهام، لذلك كلِّه أؤكد على أهمية هذه الدراسة، ونشرِها، وترجمتها إلى لغات العالم الحية.
علماً بأن آثار الحديث في موضوع البعث والنشور والحساب يتعدَّاها إلى آلاف المواضيع الدِّينية والدنيوية، مثلاً: إذا آمن الشخص بالبعث والنشور المذكورِ في القرآن الكريم فإنه سيؤمن _لا محالة_ بالله الخالقِ الحكيم القادر I، وسيؤمن بالحبيب r الذي نقل هذه الآيات المعجزة، وخاصة عندما يقارنها مع ما وصلنا من أتباع الدِّيانات من غير المسلمين، وكذلك سيؤمن بسائر عقائد الإسلام وأحكامه الفقهية؛ لأنه انبهر عقلُه وقلبُه بمَصدَر هذه المعلومات كلِّها وهو القرآن الكريمُ كلامُ الله العظيمِ، ثم بعدَ هذا كلِّه سينعكس إيمانُه هذا ويظهر جليًّا في سلوكه وأعماله ومعاملاته مع سائر البشر والحيوانات والنباتات وحتى الجمادات، وهذا هو صلاحُ الدُّنيا والدين وفلاحهما، وهذا هو الطريق الوحيد لسعادة المجتمعات الإنسانية وازدهارها.
وقبل أن أنهي رسالتي هذه أؤكد على أنني ذكرت فيها بعضاً من الأمثلة القرآنية في كل مبحث وفصل، ولم أستوعب؛ لأن الاستيعاب سيجعل هذه الرسالة طويلة من غير فائدة حقيقية، فقد بلغ عدد الآيات المذكورة في هذه الرسالة دون المكررات: 232، وبلغ عدد الآيات المكررة مرتين _ولم أكرر إلاّ للضرورة_ 25 آية ضمن 13 نصّاً قرآنياً فقط، ولم أكرر أيّ آية ثلاث مرات، علماً بأن الآيات القرآنية التي اخترتها مبدئياً للاستشهاد بها زاد عددها عن 700 آية مع التأكيد على أنني لم أقصد اختيار جميع الآيات التي تتحدث عن كل موضوع من مواضيع هذه الرسالة، وهذا يعني أن القرآن الكريم قد اهتم اهتماماً منقطع النظير بترسيخ عقيدة البعث والنشور والآخرة والحساب يوم القيامة من خلال استخدام كافة أساليب الحوار والإقناع العقلي والعاطفي وغيرها، وكلُّ هذا يؤكد لنا _وخاصة الدعاة منا الذين يسكنون في بلادٍ غير إسلامية_ على أهمية الحديث عن هذه المواضيع ونشرها بين الناس سواء كانوا مؤمنين أم غير مؤمنين، وأنها يجب أن تأخذ قسطاً كبيراً من أوقات دروسنا ومحاضراتنا ورسائلنا الدعوية وغيرها.
والحمد لله ربِّ العالمين
المـــوضــــــــــــــــــوع | الصحيفة |
الملخص [باللغات العربية والإنجليزية والتركية]، شكر وتقدير وإهداء | 2 |
المقدمة | 5 |
أولاً: أهمية الموضوع، ثانياً: أسباب اختيار الموضوع، ثالثاً: أهداف البحث، رابعاً: الدراسات السابقة، خامساً: خطة البحث، سادساً: منهج البحث، ثم التمهيد | |
الفصل الأول: الأدلة العقلية التي استخدمها القرآن الكريم لإثبات الآخرة | 9 |
المبحث الأول: الله قادر على كل شيء | 11 |
المبحث الثاني: قياس الآخرة على الدنيا | 15 |
المبحث الثالث: قياس إعادة إحياء الأرض | 16 |
المبحث الرابع: لا تتحقق العدالة الدنيوية إلاّ بوجود آخرة | 17 |
المبحث الخامس: مثال النوم والاستيقاظ | 20 |
المبحث السادس: إحياء الموتى في الدنيا | 21 |
الفصل الثاني: القرآن يُرَسِّخ الإيمان بالبعث والنشور ببعض التفاصيل الدقيقة للآخرة | 25 |
المبحث الأول: الدليل القرآني الأول: حشر المخلوقات كلها | |
المبحث الثاني: الدليل القرآني الثاني: صحائف الأعمال وعرضها على الله | 27 |
المبحث الثالث: الدليل القرآني الثالث: محاسبة العباد | 28 |
المبحث الرابع: الدليل القرآني الرابع: الميزان | 32 |
المبحث الخامس: الدليل القرآني الخامس: حوض النبي r | 33 |
المبحث السادس: الدليل القرآني السادس: الصراط | 34 |
المبحث السابع: الدليل القرآني السابع: الشفاعة | 36 |
المبحث الثامن: الدليل القرآني الثامن: نار جهنم | 37 |
المبحث التاسع: الدليل القرآني التاسع: الجنة | 39 |
الفصل الثالث: آراء علماء الشريعة والطبيعة حول الآخرة | 41 |
المبحث الأول: المذهب الحق: إثبات الآخرة وأن البعث والنشور للجسد والروح | |
المبحث الثاني: مذهب القائلين بأن البعث والنشور للروح فقط | 47 |
المبحث الثالث: مذهب المنكرين للآخرة | 47 |
المبحث الرابع: مناقشة منكري البعث للروح والجسد | 49 |
الفصل الرابع: عقائد غير المسلمين حول الآخرة | 53 |
الفصل الخامس: أهمية إثبات الآخرة وأحوالها في الإسلام | 57 |
المبحث الأول: الإيمان بالآخرة ركن من أركان الإيمان في الإسلام | |
المبحث الثاني: الإكثار من أخبار الناس وقصصهم في الآخرة | 59 |
المبحث الثالث: الوعود بأنواع النعيم للطائعين في الآخرة | 63 |
المبحث الرابع: الوعيد المخيف بأنواع العذاب في الآخرة | 63 |
المبحث الخامس: النقولات عن الأمم السابقة التي تؤكد إيمانهم بالآخرة | 65 |
الخاتمة والتوصيات | 67 |
الفهارس | 68 |
تَمَّتْ
والحمد لله وحدَه
([1]) العاص أو العاصي بن وائل السهمي القرشي، مات كافراً في الأبواء بين مكة والمدينة عام 3 قبل الهجرة، وابنه عمرو بن العاص فاتح مصر t. الأعلام للزركلي 3/247 .
([2]) فولتير: مِن الكتاب والفلاسفة الفرنسيين المشهورين، ولد 1694م وتوفي 1778م، من مؤلفاته: (كانديد) المترجم إلى مائة لغة، وهو وصف لمغامرات شابٍّ تهدف لغرس الخير في الناس، وكتب مقالة في الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، وكان من أشهر الكتاب المسرحيين. الموسوعة العربية العالمية 17/615.
([3]) محمد بن إسحاق المدني، من أقدم مؤرخي العرب، له كتاب السيرة النبوية الذي هذّبه ابن هشام، ولد عام 80هـ، ومات في بغداد عام 151هـ. سير أعلام النبلاء 7/33.
([4]) حزقيل بن بوذى، وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وهو الذي خلفه كالب بن يوفنَّا على بني إسرائيل حين قبضه الله إليه ومن صحفه: ((إن عبدي خيرتي، أنزل عليه وحيي، يُظهِر في الأمم عدلي، اخترته واصطفيته لنفسي، وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة)). البداية والنهاية لابن كثير 2/3. وقال الطبري في تاريخه 1/460: لم يُذكَر لنا مدة إقامة حزقيل في قومه.
([5]) نباتة بن يزيد النخعي أدرك رسول الله r وغزا في خلافة عمر، وهو الذي أحيا الله له حماره فركبه حتى غزوا قزوين، ثم رجع فباعه بعد في الكوفة. الإصابة لابن حجر العسقلاني 3/582.
([6]) صحابيٌّ من الأنصار الخزرج، سكن الكوفة، وهو الذي نقل إفك المنافقين بحقِّ أم المؤمنين عائشة t للنبي r، ثم نزل تصديقه في القرآن. مات عام 66هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي 3/165.
([7]) صحابيٌّ جليل، مات في غزو خراسان عام 64هـ. تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني 10/446.
([8]) صحابي جليل، استصغره النبي r يوم بدر، ثم شهد أحداً وما بعدها. أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير 1/258.
([9]) صحابي جليل، بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، مات في البصرة عام 65 هـ تقريباً. أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير 3/98.
([10]) كعب بن ماتع الحميري أبو إسحاق، من كبار علماء يهود اليمن، أسلم في خلافة أبي بكر الصديق y، وسكن المدينة المنورة في خلافة عمر بن الخطاب y، ثم سكن حمص بالشام ومات فيها عام 32 هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي 3/489.
([11]) جالينوس من أطباء العصور القديمة، وكان فيلسوفاً مثل أفلاطون وأرسطو وأبيقور، ولد عام 130م، ألَّف كتباً عدة، منها: (فن تشريح الرحم) و(تشخيص أمراض العين) و(آراء سقراط وأفلاطون)، توفي عام 199م. ملحق موسوعة الفلسفة لعبد الرحمن بدوي ص97.
([12]) إحدى فرق الـمُرْجِئة، سمُّوا على اسم كبيرهم محمد بن كرَّام، يقولون بأن الإيمان هو التصديق باللسان فقط بدون القلب، وبذلك قالوا بأن المنافقين مؤمنون حقيقةً، وقالوا بأن الله يكون في جهةٍ من الجهات، ثم إنهم افترقوا 12 فرقة. الملل والنحل للشهرستاني 1/124.
([13]) محمد بن علي البصري، أحد كبار شيوخ المعتزلة، وله كتب كثيرة منها: صفح الأدلة، ولد عام 393هـ، وتوفي ببغداد عام 436هـ. سير أعلام النبلاء للذهبي 17/587.
([14]) أبو القاسم صاحب تفسير الزمخشري المشهور، من علماء التفسير والحديث واللغة والبيان، ولد في زمخشر في خوارزم عام 467هـ، وتوفي عام 538هـ، كان معتزلياً مجاهراً. شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي 4/118.
([15]) مجموعة من الشيعة الباطنية اسمهم (إخوان الصفا وخلان الوفا)، ظهروا في البصرة في القرن الرابع الهجري، يعتقدون أن الإسلام تغير وتبدل، ويجب تنقيته بالفلسفة، بحيث يجمعون بين الإسلام والفلسفة، ولذلك ألّفوا كتابهم الرسائل، وعددها 51 رسالة، لكنهم أخفوا أسماء المؤلفين والكاتبين، لذلك اختلف المؤرخون في أسمائهم، لكن منهم: محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي، وأحمد بن أحمد النهرجوري، وعلي بن عارون الزنجاني. أعيان الشيعة لمحسن الأمين 3/226-228.
([16]) محمد بن محمد الفارابي نسبة إلى فاراب في تركيا، ولد عام 259هـ، وتوفي عام 339هـ، كان متخصصاً بالكيمياء والطبيعيات والعلوم العسكرية والمنطق وغيرها، من كتبه: آراء أهل المدينة الفاضلة. الموسوعة العربية الميسرة 2/212
([17]) الحسين ابن سينا، أشهر الأطباء الفلاسفة، ولد في قرية أفشنة من بلاد فارس عام 375 هـ، كان عالماً بالطبيعيات والمنطق وما وراء الطبيعة والنحو والفقه وغيرها، إضافة إلى تبحره في الطب الذي أخذه عن الطبيب النصراني عيسى بن يحيى، من كتبه: الشفاء في الحكمة، وكتاب النجاة، توفي عام 428هـ. أعيان الشيعة لمحسن أمين 6/69.
([18]) يوناني الأصل، ولد عام 470 ق.م، وتوفي عام 361 ق.م، كان مهندساً طبيباً عالماً بالفلك والرياضيات والطبيعة والموسيقى وغيرها. تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص 38.
([19]) يوناني الأصل وهو صاحب المذهب الأبيقورية في الفلسفة، ولد عام 341 ق.م، وتوفي عام 270ق.م، ألّف كتباً في الفلسفة والأخلاق والطبيعة لكن لم تصلنا إلاّ نقول عنه. تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص 214، وقد أورده باسم: أبيقوس.
([20]) فيلسوف مشهور، ولد عام 1588م، وتوفي عام 1679م، من كتبه: نظرية العقد الاجتماعي. الموسوعة الفلسفية، ص: 563.
([21]) فيلسوف وطبيب، ولد في فرنسا عام 1709م، ومات في ألمانيا عام 1751م، له كتب في الفلسفة والطب. معجم الفلاسفة لجورج طرابيشي، ص:571
([22]) فيلسوف ومفكر سياسي، ولد عام 1732م، وتوفي عام 1789م، من كتبه: نظام الطبيعة. موسوعة السياسة لعبد الوهاب الكيالي وآخرين 7/185.
([23]) جوهان غوتليب فيشته أو فيخته، ولد عام 1762م، وتوفي عام 1814م، من كتبه: أساس النظرية الكاملة للمعرفة. الموسوعة العربية العالمية 17/689.
([24]) شلينغ فريدريش، ولد عام 1775م، وتوفي عام 1854م، كان عالماً بالعلوم الطبيعية والفيزياء والكيمياء، ومن كتبه: فلسفة الطبيعة. معجم الفلاسفة، ص 399.
([25]) جورج ويلهلم، ولد عام 1770م، وتوفي عام 1831م، من كتبه: موسوعة العلوم الفلسفية. الموسوعة العربية العالمية 26/155.
([26]) موليشوت جاكوبوس، ولد عام 1822م، وتوفي عام 1893م، قال بأن الكيمياء هي الأساس لكل الكون، وهذا ما جعل له شهرة كبيرة. معجم الفلاسفة لجورج طرابيشي، ص 648.
([27]) بوخنر لودفيغ، ولد عام 1824م، وتوفي عام 1899م، فيلسوف وطبيب، من كتبه: الطبيعة والروح. معجم الفلاسفة لجورج طرابيشي، ص197.
([28]) هو شيخ الإسلام في عصرنا بلا منازع، كان شيخ الإسلام في الخلافة العثمانية، له كتب عظيمة القدر، أهمها: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، ولد عام 1869م، وتوفي بالقاهرة عام 1954م. الأعلام للزركلي 7/236 بتصرف.
([29]) وقيل: شعيا، بشّر بسيّدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام، وكان يعظ بني إسرائيل، فأرادوا قتله، فهرب ومرّ بشجرة فانفلقت له، فدخل فيها، وبقي طرف ثوبه ظاهراً، فرأوه، فنشروا الشجرة بالمنشار، ونشروه معها. البداية والنهاية لابن كثير 2/40.
([30]) هو مؤسس المسيحية الحالية، ويسمَّى بولس، كان يهودياً ثم اعتنق المسيحية، وادّعى أنه يأخذ عن السيد المسيح u، فبدأ يحرّف الديانة الأصلية، علماً بأنه عاش بعد المسيح ولم يعاصره أصلاً. مقارنة الأديان، المسيحية، لأحمد شلبي 2/98.
([31]) اسمه سذهاتا، ولد عام 563 ق.م، لُقّب بعوتاما بمعنى الراهب، وببوذا بمعنى العالم الفَهِم الذي بلغ الغاية في العلم والفهم، يزعم أتباعه أنه وصل إلى الاندماج بالإله، وأنه ابن الله _تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً_ وأنه يحمل آثام الناس، وأنه لم يمت إنما صعد إلى السماء، وسيرجع لينشر الخير والسلام والمحبة في الأرض. مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى، لأحمد شلبي، ص 43.
([32]) ولد عام 599ق.م، ويعتقد أتباعه أنه اندمج بالإله، لذلك صاروا يعبدونه بعد موته، على الرغم من أنه كان ينكر وجود الآلهة، والديانة الجينية تعتمد على التقشف والحرمان ومحاربة الشهوات ومراقبة النفْس حتى يصل الإنسان إلى الاندماج بالإله، وهو السعادة الحقيقية الأبدية. مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى لأحمد شلبي، ص 117.
([33]) ولد في الصين، وهو يؤمن بالطبيعة من سماء وأرض، ويحثّ على الأخلاق والتعليم والتربية، ولا يؤمن بأي شيء خارج عن الكون المحسوس. موسوعة الأديان الميسرة، ص 420.
([34]) زرادشت بن يورشب، ولد عام 660 ق.م، ومات عام 583ق.م، ادّعى أنه رسول الآلهة، وأنه يوجد إلهان اثنان: واحد للخير وواحد للشر، وينتشر أتباعه في بلاد فارس. موسوعة الأديان والمذاهب لعبد الرزاق أسود 1/34.
([35]) ديانة منتشرة في الهند حتى يومنا. مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى، لأحمد شلبي، ص 43.
([36]) هكذا ضبطها في: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 1/164، مادة (بولس).
([37]) هو مولى رسول الله r، أهداه هودةُ الحنفي اليمامي لرسول الله r فأعتقه، وحكى البخاري الخلاف في ضبطِ الكاف مِن اسمه: بفتح الكافين وبكسرهما. الإصابة في تمييز أسماء الصحابة لابن حجر العسقلاني 3/293.
([38]) أحد أنبياء بني إسرائيل، رماه بُختنَصَّر المجوسي في بئرٍ وسلَّطَ عليه سَبُعَين فلم يَضُرّاه. البداية والنهاية لابن كثير 2/48.
([39]) نسبة إلى صادوق الكاهن في عهد سليمان u. مقارنة الأديان، اليهودية، لأحمد شلبي، ص221.